|
||
|
||
|
تُحيي الكنيسة في الرابع والعشرين من شهر تشرين الأول تذكار قدّيس عربيّ هو الحارث بن كعب الشهيد النجرانيّ الذي كان سيّد قومه في شمالي اليمن. أما استشهاده سنة 523 للميلاد (أي قبل نشوء الإسلام بحوالي مائة سنة) فكان على يد المتولّي اليهودي على مملكة سبأ، أو المملكة الحِمْيَريّة، المدعو ذو نواس. وقد أخذ ذو نواس مدينة نجران عنوة فأعمل السيف في رقاب بنيها، وكان يأتي بالناس ويخيّرهم بين الموت ونكران المسيح. وكان الحارث أوّل من مثل أمامه وأبدى استعدادًا تامًّا للاستشهاد من أجل الإيمان المسيحيّ، ولما رأى ذو نواس تمسّكه بمسيحيّته أمر به فقطعوا هامته. استشهد معه حوالي أربعة آلاف مسيحيّ من أهل المدينة. ويرد في بعض المصادر أن ذا نواس بعد أن حاصر مدينة نجران وَعَدَ سكانها بالأمان والعفو إن استسلموا، ففعلوا. ولكنّه ما أن دخلها حتى غدر بهم مزتكبًا مجازر رهيبة. فقد أمر جنوده بحفر حفر كبيرة في جوار المدينة ملؤوها بالوقود وأضرموا فيها النار، ثم راحوا يلقون فيها كل مَن أبى أن ينكر المسيح ويعتنق اليهوديّة، فوصل عدد الضحايا إلى الآلاف، وكان بينهم كهنة ورهبان وراهبات. كما دمّر ذو نواس كنائس مأرب وحضرموت وهما مدينتان يمنيتان عرفتا المسيحيّة باكرًا. ظلّت ذكرى شهداء نجران، وعلى رأسهم الحارث، حيّة عند العرب، فلا يخلو مرجع تاريخي من الحديث عنهم. حتى أن القرآن الكريم خصّ هؤلاء الشهداء المسيحيّين بجزء من سورة البروج (85، 1-9)، فيقول: "قُتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعودٌ". الأخدود هو الحفرة الكبيرة التي أُلقي فيها المسيحيون ليُحرقوا، وهذا ما يطابق الرواية التاريخية المذكورة أعلاه. أما في شأن الآيات القرآنية فيقول أحد المفسرين المسلمين المعاصرين: "لُعن أصحاب الشقّ المستطيل المحفور في الأرض، وهم قوم كفّار أحرقوا جماعة من المؤمنين في أخدود باليمَن، وهم نصارى نجران، الذين كانوا على دين التوحيد". ثم يتابع القرآن قائلاً: "وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهودٌ، وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له مُلك السموات والأرض والله على كلّ شيء شهيدٌ". يقول المفسّر نفسه في هذه الآيات إنّ أصحاب الأخدود (أي اليهود) كانوا شهودًا على ما يفعلون "بتعذيب المؤمنين بالله بالإلقاء بالنار. وما أنكروا وعابوا على النصارى رلاّ أنهم يؤمنون بالله وحده مالك السماوات والأرض، فهو حقيقٌ (أي جديرٌ) بالإيمان به وتوحيده، والله شاهد عالم مطّلع على ما فعلوه ومجازيهم". وكذلك يقول مفسّر إسلامي آخر: "جريمتهم أنّهم آمنوا بالله العزيز الحميد". ما يلفت في هذه الآيات هو أن القرآن ينعت النصارى المسيحيّين بالمؤمنين. والمؤمنون، في القرآن، صفة خاصة بالمسلمين. كما أنه يعترف بتوحيدهم للّه. أورد ابن هشام مؤلف "السيرة النبويّة" خبر الحارث وسيرته في الجزء الأوّل من مؤلّفه، مطلقًا عليه اسم "عبدالله ابن الثامر". وهذا الاسم يرد في الكثير من المراجع العربيّة، لذا يعتقد بعض العلماء أنّ اسم "الحارث" يبدو اسم القبيلة أكثر منه اسم شخص، فيكون قدّيسنا بالنسبة لهؤلاء اسمه عبدالله لا الحارث. ممّايؤكّد هذه النظريّة هو أنّ القبيلة التي كانت مسيطرة، آنذاك، في نجران وجوارها كان اسمها "الحارث بن كعب"، التي غالبًا ما اختُصر اسمها ب"بَلْحارث". فيقول ابن هشام أنّ أهل نجران كانوا "أهل شرك يعبدون الأوثان"، ثمّ تنصّروا على يد عبدالله بن الثامر. أمّا استشهاده وأهل نجران، فيسرده ابن هشام قائلا: "فسار إليهم ذو نواس بجنوده، فدعاهم إلى اليهودية، وخيّرهم بين ذلك والقتل، فاختاروا القتل، فخدَّ لهم الأخدود، فحرق مَن حرق بالنار، وقتل مَن قتل بالسيف، ومثّل بهم، حتّى قتل منهم قريبًا من عشرين ألفًا. وكان في مَن قتل ذو نواس، عبدالله بن الثامر رأسهم وإمامهم". يحكى عن وصيّة تركها الشهيد الحارث لبني قومه والتي صرّح بها أمام النجرانيّين وذي نواس، إذ يقول: "أيّها المسيحيّون والوثنيّون واليهود اسمعوا، إذا كفر أحد بالمسيح وعاش مع مع هذا اليهوديّ (يقصد ذا نواس)، سواء أكانت زوجتي أم من أبنائي وبناتي أم من جنسي وعشيرتي، فإنّه ليس من جنسي ولا من عشيرتي وليس لي أيّة شركة معه، وليكن كلّ ما أملكه للكنيسة التي ستُبنى بعدنا في هذه المدينة. ما يسترعي انتباهنا في هذه الروايات هو أنّ أهل نجران كلّهم قد تشبّثوا بإيمانهم ولم يتخلّوا عنه تحت ضغوط الاضطهادات والعذابات التي عانوا منها. وما يلفتنا أيضًا هو هذا المديح الذي يكيله القرآن والتراث الإسلاميّ لشهداء نجران المسيحيّين وصمودهم من أجل إيمانهم بالله الواحد القادر على كلّ شيء، فخلّد ذكراهم. |
||