|
||
|
||
|
حياته وكتاباته
بعد موت أبيه أنطونيوس، ترك نيقولاوس العالم ومضى إلى جبل آثوس حيث صار راهباً يحمل أسماً جديداً هو نيقوديمو Nicodimus / Nicodemus . أما والدته أنسطاسيا فقد توجهت إلى دير نسائي على أسم القديس يوحنا الذهبي الفم يقع في إحدى أطراف الجزيرة النائية Naxon، حيث صارت راهبة تحمل أسم (أغاثي أي صالحة). ما إن حط به الرحال في آثوس، حتى طاف في الجبل واستقر في النهاية في دير القديس ديونيسيوس ليبدأ حياته الملائكية. وما هي إلا فترة قصيرة، حتى تقدم ولمع بالفضائل، وتميز بالطاعة، واشتهر بحب الصلاة القلبية، فكان رجل الصلاة، يتكلم عليها وفي كل المناسبات والذي يقرأ كتاباته، يلاحظ أنها لا تخلو البتة من لهفة والتفاتة واضحة إلى ضرورة الصلاة وحلاوتها. لم يكن القديس نيقوديم إنساناً أمياً، بل كان مثقفاً كبيراً وعارفاً علوم عصره. فكان ذا عقل علمي، وفكر ثاقب خلاق. وكان إلى جانب ذلك يتمتع بأخلاق عالية تندر بين بني البشر. تلقى القديس نيقوديم علومه الأ,لى، منذ أن تفتح على الحياة، على يد كاهن رعيته، الأرشمندريت خريسانثوس (الزهرة الذهبية)، الذي كان أستاذاً في مدرسة الجزيرة Naxos. ولما بلغ الخامسة عشر من عمره، أرسلته أمه انسطاسيا إلى مدينة أزمير (تركيا)، إلى مدرسة داخلية تعرف باسم "المدرسة الإنجيلية"، وكانت بحق على المستوى اللائق بين مدارس ذلك الزمن. أعجب نيقوديموس القديس لا سيما بمدير المدرسة القدير اروثيوس بولسام. وفي تلك المدرسة التقى نيقولاوس (نيقوديم لاحقاً) رفيق الدراسة غريغوريوس السادس بطريرك القسطنطينية. كان نيقولاوس مثل الطالب الخلوق النجيب والمجتهد. أحب العلم جداً وانكب على التحصيل بكل جوارحه. درس اللاهوت والآداب واللغات الأجنبية. ويقال أنه تعلم الإنجليزية أيضاً. كان باختصار رجل الحكمة والفضيلة معاً. ثم إن مدير مدرسة أزمير، طلب منه أن يُعِدّ نفسه لخلافته على إدارة المدرسة وشؤونها، لكن نيقولاوس رفض عرضه بلطف، فنارُ الشوق الإلهي كانت تستعر في داخله، وكانت أنظاره تتطلع إلى آثوس. كان في نفس نيقولاس الشاب حنين لا يوصف إلى حياة الصلاة والسكينة، وقد رغب من كل قلبه في أن يكرس حياته لله. لقد أحب القول الآبائي الشهير: "مغبزطة عيشة أهل البراري لأنهم بالعشق الإلهي يتطايرون دائماً". في تلك الأثناء، اضطر نقولاوس أن يعود إلى جزيرة ناكسوس بسبب اندلاع الحرب بين روسيا وتركيا في صيف 1770. فعاد إلى مسقط رأسه ناكسوس، وهناك أوكل إليه المطران أنثيموس مهمة إدارة ديوان المطرانية وجعله كاتباً عنده وأمين سره. فقام نيقولاوس ينفذ المهمات الموكولة إليه، بجد وغيرة واخلاص. وخلال الخمس السنوات التي قضاها في ديوان المطرانية تقرب من كتابات الآباء القديسين والنصوص النسكية الأرثوذكسية، فالتهب قلبه من جديد وتحركت فيه الدعوة الرهبانية. تعرّف نيقولاوس إلى الأسقف مكاريوس مطران كورنثوس، الرجل القديس الذي فتح نفس نيقولاوس على السيرة الملائكية وحلاوتها. وكان بنتيجة اتصاله بهذا الأسقف أن وطد العزم على الرحيل إلى آثوس، فقام يودع والدته أنسطاسيا، ثم حمل حقيبته وتوجه إلى الشيخ (Starets) سلبستروس للتبركـ فحمله ذاك بعض الرسائل إلى القديسين في آثوس. وصل نيقولاوس إلى آثوس سنة 1775 وكان ابن ست وعشرين سنة. نزل على دير القديس ديونيسيوس أخاً مبتدئاً. ومنذ وصوله تحول اسمه إلى نقيوديم Nicodimus الاسم الذي طبقت شهرته الآفاق، فيما بعد، نظراً لعلمه وغزارة كتاباته الروحية ونوعيتها. وفي الدير تدرج نقوديم في الفضائل، فبداً قارئاً، ثم كاتباً. كان الراهب نيقوديم صاحب قلم سيّال، وفكر دفاق، ورحانية مشرقة، فوضع كتابه الأول وسماه (فيلوكاليا الآباء النساك). وبعد فترة وجيزة وضع كتاباً أخر سماه أقوال الآباء الشيوخ، ثم ألحقه بثالث سماه (المناولة المتواترة)، ودفع بهذه الكتابات كلها إلى مطران كورنثوس مكاريوس الذي كان في زيارة للجبل المقدس (آثوس) بغية الاستجمام الروحي والتبرك من الآباء القديسين. فما أن تسلم المطران مكاريوس هذه الكتابات وطالعها، حتى وعد نيقوديم بطباعتها فور عودته. لم يكن نيقوديم رجل القلم والفكر فقط، بل كان إلى جانب ذلك، رجل المحبة والجهاد والصلاة وكل الفضائل. وبسبب عشقه لحياة الصلاة، وموهبته الفكرية، وقدرته على الكتابة، فقد وضع كتاباً رائعاً يعتبر بحق درّة ولؤلؤة في كل أنحاء العالم الأرثوذكسي، سمّاه (الاعتراف). فجاء هذا الكتاب وسواه من كتابات القديس نيقوديم، ليليي حاجة، ويسدّ فراغاً عند العرفين والمعترفين معاً، لا سيما وأن الأبوة الروحية ركيزة أساسية في مدماك التقليد الأرثوذكسي الشريف Holy Tradition. ثم ما لبث نيقوديم أن وضع بعد حين كتاباً آخر في تفسير رسائل القديس بولس، وآخر في تفسير كتاب المزامير. ثم أضاف كتاباً آخر سماه (بستان النعم) شرح فيه، مطولاً، التسع الأودية في صلاة السحر. إن حياة النسك الشديد، وشظف العيش، وحد الأعداء المقربين والبعيدين، تضافرت معاً عل هدم صحته، فاعتلّ، لكنه رغم هذا ظلّ مواظباً على الصلاة بغيرة منقطعة النظير. وتمكن، في مرضه، من وضع كتاب جديد سماه (اعتراف الإيمان). في نهاية حياته، ومع اقتراب موعد رحيله، خارت قواه، ودبّ إليه المرض ناشباً برائنه فيه، وضرب الشيب رأسه، وخف سمعه، وضعف عزمه رغم أنه لم يكن قد تجاوز الستين من العمر. ولم تمض فترة من الزمن حتى شُلّت يمناه، فأدرك أن النهاية باتت وشيكة، وأن الرحيل قريب. والروحانيون لا يهابون الموت هذا الضيف العزيز فهو جسرهم إلى الله، وهم منذ بداية حياتهم في الروح، يحيون في انتظار الموت، وأدبهم النسكي ممهور بذكر الموت (Memory of death) فليس من حياة روحية بدون قاعدة الموت؛ فالموت عندهم أساس الحياة. وهكذا طلب نيقوديم مقابلة الأب الروحي، فكان له ما أراد. ولما امتثل ذاك في حضرة هذا الشيخ الجليل الممدد على فراش الموت، انبرى نيقوديم يبوح له بكل مكنونات قلبه، على نحو يندر بين البشر. وفي الثالث عشر من تموز، ساءت حاله وتراجعت صحته، وخفت صوته وغار النور في عينيه، وضربته رجفة تجلّت في كل جسمه. في تلك اللحظة الرهيبة وقف واحد من الموجودين في المنسك وقال: هل أنت في هدوء يا أبتِ؟ وكان جواب الأب القديس: كيف لا أكون في الهدوء (Hesy chia) وقد جعلت المسيح في مركز حياتي، وكل حياتي، وغاية وجودي؟ هذه كانت آخر كلمات نطق بها هذا الفم الطاهر. وفي صبيحة الرابع عشر من تموز، غادر هذه الفانية إلى العالم العلوي، بعد حياة في الجسد عاشها يغب من فيض النعمة الإلهية. فتمت الصلاة على جثمانه وفض عادة الدير وتقاليده. ثم دفن في منسك سكورتي، باحتفال رهباني ليتورجي مهيب. وما تزال هامته إلى اليوم في المكان الذي دفن فيه. رقد بالرب في 14 تموز سنة 1807. للقديس نيقوديم شهرة طبّقت الآفاق في حدود آثوس وخارجه. فلا يكاد اسمه يطرح في أوساط اللاهوتيين والرهبان إلا ويقوم من يتكلم على لاهوت نيقوديم وسيرته وقداسته. ونقل بعضها إلى الروسية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والايطالية بما فيها الرومانية والتركية أيضاً. وقامت البطريركية المسكونية سنة 1955 باعلان قداسته بعيد قرن ونيف على رقاده. ما يزال هذا القديس إلى اليوم في ضمير المؤمنين، لا سيما أحباء اللاهوت والروحانية الأرثوذكسية. كانت حياته مرآة تعكس الجمالات الفردوسية وتشهد بالمذاقة أن عذابات الأرض لا تقاس بأفراح السماء. إنه وجه معاصر لفحته النعمة الإلهية، فسطع التراب فيه وتجلى.
كتاباته: مع كبير الحزن نقول بأن جزءاً ضئيلاً من أعماله قد ضاع. لكن لحسن الحظ، إن معظم كتاباته ما تزال محفوظة، فبعضها قيد الطبع، والبعض الآخر تحت أكوام من التراب، وآخر صدر بحلة رائعة تشهد في الشكل والمضمون على روعة الفكر النسكي والأدب الروحاني. يبقى أن نقول بأن ماطبع حتى الآن يعتبر في ذاته كنزاً رائعاً وتراثاً فريداً وتحفة أرثوذكسية آثوسية لا تُنسى.
فما هي أعماله؟ 1- في التفسير:
2- في القانون الكنيسي:
3- في النسك والاخلاق والتصرف:
4- في سير القديسين:
5- في الليتورجيا:
6- في الكتابات التسبيحية Hymnography:
7- رسائل Epistles:
8- في الدفاع apologetics:
9- في الأحلام On dreams: 10- متفرقات:
11- من كتب عن القديس نيقوديم؟ وماذا قال؟:
نقلاً
عن كتاب الحروب اللامنظورة للقديس نيقوديم الآثوسي |
||