سيرة القديسين الصانعي العجائب والماقتي الفضة
قزما و دميان

 
أيقونة من التراث البيزنطي: جداريات للقديسين كوزما ودميان في كنائس وأديار
أيقونة من التراث البيزنطي: جداريات للقديسين كوزما ودميان في كنائس وأديار
 
  • من هم القديسون العادمو الفضّة؟
  • القديسان كوزما ودميان في الكنيسة الأرثوذكسية
  • سيرة القديسين من كتاب السنكسار للأرشمندريت توما بيطار
  • سيرة القديسين من كتاب السنكسار اليوناني
  • لائحة المراجع الأجنبية
     
     
     
     
    _________________
     
    _________________

    عُرف بهذه التسمية القديسون الأطباء الذين لم يتقاضوا أجراً لقاء الأشفية التي جرت بواسطة علمهم بالدرجة الثانية وبقوة الله ونعمته بالدرجة الأولى. والمقصود بكلمة "فضّة" هي المال والأجر. لذلك يدعون بـ "ماقتي الفضّة" لأنهم آمنوا بكلمة الربّ يسوع (متى10، 8) "اشفوا المرضى... مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا".

    يُذكر "القديسون العجائبيون العادمو الفضّة" كلما يهيّئ الكاهن الذبيحة الإلهية، فيقتطع من القربان مثلّثاً يضعه إلى جانب الحمل مع طغمات القديسين ووالدة الإله. من الأسماء التي يذكرها الكاهن حينذاك هي: كوزما ودميان، كيرُس ويوحنا، بندلايمون، أرملاوس، شمشون، ذيوميذس، تريفن، اليان الحمصي... وسائر القديسين العادمي الفضة.

    من بين هؤلاء القديسين شاعت بشكل خاص تذكارات القديسين كوزما ودميان، ثم عيد القديس بندلايمون.

    _________________
     
    _________________

    القديسان كوزما ودميان في الكنيسة الأرثوذكسية

  • في السنكسار

    يذكر السنكسار (كتاب أعياد القديسين) الأرثوذكسي ثلاث مجموعات (أزواج) تحت اسم "كوزما ودميان". وللتوضيح ندرجهم في الجدول التالي:

    #

    الاسم

    زمن الاستشهاد

    منشأ

    تاريخ العيد

    مكان

    الاستشهاد

    طريقة استشهادهم

    1

    كوزما

    ودميان

    284م.

    أيام غاليريوس

    روما

    1 تموز

    روما

    الرج بالحجارة

    2

    كوزما

    ودميان

    303 م.
    أمام ديوكليتانوس ومكسيميانوس مع أخوتهم الثلاثة

    العربية

    17 تشرين الأول

    كليكية

    آسيا

    تعذيب بالبحر والنار والصلب وأخيراً الموت بقطع الرأس

    3

    كوزما

    ودميان

    غير محدّد

    آسيا الصغرى

    قرب أفسس

    1 تشرين الثني

    مع ذكرى ليونديوس، أنثيميوس وأفبريبيوس

    فِرِمان

     

    رقدوا بسلام

    أما القديسان كوزما ودميان (1 ت2) فقد كتب القديسُ يوحنا الدمشقي ويوسف المرنّم قوانين وتسابيح الصلوات لعيدهما.

  • في صلوات الكنيسة

    إن تقديم أشفية الجسد التي كانت تتمّ بروح هذين الطبيبين الزاهدة عن المال جعلت مثالهما النموذج الأعلى لممارسة الطب، حيث يصير مهنةً "لشفاء النفس والجسد". ومن ناحية ثانية، شاع إكرام القديسين العادمي الفضة شعبياً، ودخلت شفاعتهما في صلوات الافخولوجي. كما أن ترنيمة العيد تتوسل إليهما "اشْفِيا أمراضنا، مجاناً أخذتما مجاناً أعطيانا". ولهذا يلجأ العديد من المؤمنين إلى شفاعتهما في ساعات المحن والشدائد والأمراض والظروف الصحية الصعبة خاصة (أنظر صلوات الافخولوجي).

  • في الفنّ الكنسيّ

    ترسمهم الأيقونة الأرثوذكسية مع رموز عن أدواتهم الطبية (علبة المراهم والملعقة: كملعقة المناولة بطرفها صليب). وأخذت الكثير من المؤسسات والمنشآت الصحية والإنسانية الكنسية اسم هذين القديسين اسماً لها وشفاعة.

  • في الحياة الكنسيّة

    وهناك كنائس عديدة جداً (كما في بلاد اليونان) تحمل اسم هذين القديسين، خاصة المبنيّة منها عند منابع المياه والينابيع الصحية المعدنية. وتشكل العديد من هذه الكنائس "مزارات عجائبية" لها إكرام شعبي واسع. وهذا الإكرام الواسع ترك أثره على أسماء الأولاد حيث شاعت التسميات باسمهما (هناك باليونانية حوالي ستة أسماء شائعة ومشتقة من اسم "العادمي الفضة"). وتحتل أيقونات هذين القديسين كثيرة جداً مكاناً لها على الأيقونسطاس، أي بين الأيقونات الرئيسية في المعبد الأرثوذكسي. كما هناك أديار تحمل اسم القديسين. هناك أيضاً تسميات لعائلات باسم دميان أو كوزما. ويحمل مطارنة اسم أحد هذين القديسين. في كرسيّنا الأنطاكي تحمل كنيسة قديمة (في تركيا الآن) اسم هذين القديسين، وقد تحوّلت إلى مزار ومسجد.

    _________________
     
    _________________

    القديسين كوزما ودميان"لقد جعل القديسان رجاءهما كلّه في السماوات، فكنزا لهما كنزاً لا يسلب، فإنهما أخذا مجاناً فيمنحان الأشفية للمرضى مجاناً، واتّبعا قول الإنجيل فلم يقتنيا فضة ولا ذهبا، بل كانا يمنحان إحساناتهما للناس والبهائم حتى يكونا خاضعين للمسيح في كل الأحوال، وهما الآن يتشفعان بدالة في نفوسنا".

    هذا ما تنشده الكنيسة يوم عيد القديسين قزما ودميان، في صلاة المساء، موجزة سيرتهما في المسيح ومبينة الركائز التي على أساسها نسألهما الشفاعة لدى الرب الإله.

    لا نعرف الكثير عن هذين القديسين رغم الإكرام الواسع الذي لقياه في الشرق والغرب معاً ورغم الكنائس التي شيدت على اسميهما على مدى العصور.

    كان موطنهما ناحية من نواحي أفسس في آسيا الصغرى. و ثم من يقول أنهما ولدا في بلاد العرب. كان أبوهما وثنياً وأمهما مسيحية اسمها ثيودتي. وقد توفي الأب وولداه بعد صغيران فربتهما والدتهما على المسيحية وأحسنت حتى التصق اسمها باسمي ولديها كأم بارة في الكنيسة.

    تلقن قزما ودميان جملة من معارف ذلك الزمان وعلومه فبرعا فيها. لكن تنشئة أمهما لهما على حياة الفضيلة ما لبثت أم جعلتهما يفطنان إلى بطلان الفلسفة وحكمة هذا الدهر إزاء حكمة المسيح فاستصغرا المعارف العالمية النظرية ورغبا في التملؤ من محبة المسيح ولسان حالهما ما قاله الرسول بولس إلى أهل فيلبي: "... كل ما كان لي من ربح اعتبرته خسارة من أجل المسيح، بل أني اعتبر كل شيء خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي، فمن أجله تحملت خسارة كل شيء وأعتبر كل شيء نفاية لكي أربح المسيح ويكون لي فيه مقام" (8:3-9).

    وقد أفضى بهما هذا اليقين إلى الإقبال على الطب بنية تسخير العلم للمسيح وخدمة الكلمة والعناية بالمريض. فانكبا على الدرس والتحصيل حتى برعا، بنعمة الله، أي براعة.

    وبالإيمان و محبة المسيح والطب انفتح لهذين المجاهدين باب عريض على الخدمة وتمجيد الله. فكان دأبهما رعاية المرضى بالمجاّن عملاً بالقول الإلهي: "مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا" (متى8:10). وقد سلكا في ذلك في حرص شديد حتى ليقال أن قزما خاصم أخاه دميان مرة خصاماً شديداً لأنه تلقى ثلاث بيضات من امرأة كانت مريضة فأبرأها.

    إلى ذلك سلك الأخوان في العفة والفقر خاضعين للمسيح في كل حال. وقد امتدت عنايتهما بالمرضى إلى البهائم لأنها هي أيضاً من إبداع الله وتحت الألم. واستمر قزما ودميان على هذا المنوال زماناً سخرا خلاله الأعشاب والأدوية وكل فكر وجهد محبة القريب فرضي الله عنهما ومنّ عليهما بنعمة الشفاء بكلمة الإيمان واللمس على منوال الرسل.

    من ذلك الوقت أضحت الصلاة واسم الرب يسوع وحده الدواء الشافي لكل مرض أو عاهة تعرض لهذين القديسين. فتقاطر عليهما الناس من كل صوب يسألون السلامة. وكان كل قاصد لهما يحظى بالتعزية والبركة والشهادة لاسم الرب يسوع.

    ثابر هذان الخادمان على عمل الله، دونما كلل، طويلاً، وكانا يتجددان أبداً في الصلاة والصبر والاتضاع والتماس رضى العلي إلى أن رقدا في الرب ودفنا في موضع يعرف بالفرمان. وقد شيدت فوق ضريحهما كنيسة لم ينقطع سيل المتدفقين عليها جيل بعد جيل، السائلين شفاعة القديسين، النائلين برفاتهما بركة الشفاء من عاهات النفس والجسد. أما كيف رقدا فغير معروف تماماً. ففيما يؤكد بعض المصادر أنهما استشهدا في زمن الإمبراطورين الرومانيين ذيوكلسيانوس ومكسيمانوس عام 303 للميلاد، تميل مصادر أخرى إلى القول بـأنهما رقدا بسلام دون أن تعطي لذلك تاريخاً محدداً.

                                                                                                [عن كتاب السنكسار للأرشمندريت توما بيطار]

    _________________
     
    _________________

    سيرة القديسين كوزما ودميان
    الماقتَي الفضّة
    (تعريب عن السنكسار اليوناني)

    عي القديسان الشهيدان الشقيقان كوزما ودميان بماقتَي الفضّة لأنهما كانا يعالجان ويشفيان المرضى "مجاناً" أي لم يهتموا بمال وفضة. كانا من مناطق آسيا، وهما ولدان لامرأة تقية تدعى ثيوذوتي. يشكّل هذان القديسان الزوج الأول الذي يحمل اسم قزما ودميان. إذ أن هناك ثلاثة أزواج من القديسين الماقتي الفضة يحملون الاسم نفسه. لذلك ولئلا تختلط الأمور علينا عندما نسمع بهذَين الاسمَين، سنتحدث في البداية عن الزوجين الآخرين وبعدها سندخل في موضوعنا لهذا اليوم الذي نعيد فيه للقديسين.

    1- ما عدا هذين القديسين الذين نعيد لهما اليوم لدينا قديسان آخران ماقتان للفضة يُدعيان أيضاً كوزما ودميان. كان هذان من روما وجاهدا على عهد الملك كارينوس (284 م.). كانا يشفيان الناس والحيوانات مجاناً بلا أجر، إضافة إلى أنهما كانا يبشران بالمسيح كإله حقيقي. وإذ وصلت أخبارهما إلى مسامع الملك كارينوس دعاهما للمثول أمامه. فحضرا أمامه بشجاعة وبشّراه بالمسيح كإله حقيقي فتحوّل عن وثنيّته وصار مسيحياً غيوراً. أما إيمان الملك بالمسيح فأتى على الأرجح نتيجة أعجوبة أجراها هذان القديسان: فقد هددهما الملك بأنه سيهلكهما إن لم يعتنقا الوثنية، لكن رقبته التَوَتْ للحال إلى الخلف، فأعادها القديسان بقوة الله إلى وضعها الطبيعي. وهكذا بفضل هذه الأعجوبة وبفضل تعليمهما القوي آمن الملكُ كارينوس بالمسيح وكل الحاضرين وجموع الشعب. بعد هذا حقد عليهما معلمُهما في مهنة الطب بسبب مقدرتهما الطبية، والتي لم يكن هو قادراً على مضاهاتهما بها، فرغب بإهلاكهما بالاتفاق مع تلاميذ له آخرين شاركوه رغبته هذه. هكذا أصعدوا القديسَين إلى جبل عالٍ بحجّة جمع بعض الأعشاب العلاجية وهناك قضوا عليهما رجماً. نعيّد لذكراهما في الأول من شهر تموز.

    2- هناك قديسان آخران عادما الفضة، كوزما ودميان، أصلهما من البلاد العربية، كانا بارعين في مهنة الطب. طافا البلاد والمدن يشافيان المرضى وفي ذات الوقت يبشّران باسم المسيح. وصلا على عهد الملك ديوكليتيانوس ومكسيميانوس برفقة ثلاثة أخوة إلى إحدى مدن منطقة ليكيا المدعوة إيغاس فقُبض عليهما من قبل رئيس المنطقة المدعو ليسيوس وجُلدا بشراسة. ولأنهما استمرّا بالكرازة بالمسيح بجرأة، طُرحا في البحر بعد أن رُبط عنقَهما بواسطة حبال بصخرتين ضخمتين، إلا أن ملاك الرب أخرجهما من البحر أحياءً. فعاد ليسياس وأمسكهما وألقاهما في أتون مشتعل، لكن النعمة الإلهية حفظتهما معافين. في النهاية سُمّرا على الصليب وقُطعت هامتَهما بأمر من ليسياس. نعيد لهما في 17 تشرين الثاني.

    3- أما بالنسبة إلى القديسين الذين نعيد لهما اليوم (1 تشرين الأول) فلنستعد يا أخوة لكي نبتهج بالرواية المفصلة، مكرمين ذكراهم بالإطلاع على كمال محبتهما وعملهما الإنساني الصالح، علّنا نكون مستحقين للإقتداء بهما.

    من واجبنا دوماً أن نطّلع على الصالحات لكي لا يجد ذهننا مناسبة لينشغل بالسيئات، عالمين أن ذهن الإنسان لا يمكنه أن يبقى هادئاً إن لم يبقَ دائم الهذيذ بالله. وبما أنه على ذهننا أن يتأمل دوماً بالصالحات فيتوجب علينا بالتالي أن نوجهه لدراسة الكلام الإلهي وسماعه، لتسبيح الله وتمجيده، للتضرعات والصلوات، لاختيار الصلاح وكيفية تتميم الخير بحسب ما يوافق الله. ولما كانت القراءة الباطلة تنبت أعمالاً باطلة، وتؤدي إلى هلاك النفس، كذلك القراءة الصالحة تعطي ثماراً صالحة وتكون مدعاة للحياة والخلاص، كما يقول داوود في المزمور:  "لو لم تكن شريعتك هي تأملي لكنت هلكت في مذلّتي" (مز 92). لذلك من المفيد دائماً أن نلهج بالصالحات وأن نتعرّف على الكتب وسير القديسين، إذ كما قال المسيح حسب الإنجيلي يوحنا: "فتشوا الكتب لأنكم تظنّون أن لكم فيها حياة أبدية" (يو 5، 39). فأيّ جواب نقدمه لله عندما، لأجل معيشتنا الجسدية، نعبر البحر مستخفين بالمخاطر، غير هيّابين من اللصوص، لا مبالين بالبرد أو بالمطر، صابرين على كل التجارب، وذلك لنوال الخيرات المادية؛ بينما، لمنفعة نفوسنا، لا نريد حتى أن نذهب إلى الكنيسة لنسمع من الآخرين كلام الله؟

    فبينما يتعب الكثيرون بحفر أعماق الأرض ليستخرجوا الفضة والذهب، هكذا يجب علينا ليلاً نهاراً أن نهتم كيف نحقق فائدة لنفوسنا. ومتى نجد الفائدة لنفوسنا؟ عندما نعيّد لأحد القديسين علينا أن نسرع إلى الكنيسة لنسمع كلام الله ونتعظ. ولهذا فقد نظّم لنا آباءُ كنيستنا أعيادَ القديسين، وذلك لكي نسرع إلى الكنيسة لنسمع الوعظ، لنسأل بعضنا بعضاً: "من هو القديس الذي نعيد له اليوم؟ كيف جاهد؟ كيف قضى؟ كيف مُجِّد من الله ومن البشر؟". وبواسطة الأسئلة والتعليم نقتدي حسب قدرتنا بأعمال ذلك القديس. لا يجدر بنا يا إخوة أن نخجل من أن نسأل أولئك الذين يعرفون، لكي نتعرف تماماً على الأمور التي لم يسبق لنا معرفتها، كما يقول موسى في تثنية الاشتراع.

    إننا نجهل الكثير عن قديسي كنيستنا، أسماءهم وأعمالهم، لماذا؟ لأننا لا نهتم كفاية لتعلّم هذه الأمور، والتي من شأنها أن تحقق الفائدة لنفوسنا، بينما ذهننا مشغول فقط بالاهتمامات الدنيوية. أحياناً، إذا ما سمعنا قصة خرافية نتّعظ حالاً ونتذكرها دائماً، أما إذا سمعنا قصةً للقديس الفلاني فللحال ننساها. أما البعض فيقول: ما الفائدة التي سأجنيها لنفسي إذا كنتُ أسمع العظة وبعدها لا أفعل حسب ما أسمع؟ أنصتْ إلـيّ، قلْ لي: إذا كان لدينا وعاءان قديمان ووُضع في الأول قليل من الماء لغسله ثم طرحنا منه هذا الماء، أما في الوعاء الآخر فلم نضع ماءاً بالكليّة، فأي الوعاءين سيكون الأنظف؟ أهو الوعاء الذي وضع فيه الماء ثم طرحنا منه لاحقاً، أم الوعاء الذي لم يوضع فيه ماء أبداً؟ من الواضح أن الوعاء الأول هو الأنظف. هكذا هو الإنسان أيضاً، فإذا سمع الوعظ ولم يعمل به فهو طبعاً لم يفعل حسناً، لكنه يبقى أفضل حالاً من ذلك الذي لا يريد أن يسمع على الإطلاق، لأن ذاك الذي لا يسمع الوعظ لا يعرف ما هي إرادة الله، ولا يعرف ما هي الفضيلة أو ما هي الرذيلة، إذ لا يفهم ما هو العمل الذي يرضي الله ليصنعه وما هو الشرّ ليتجنّبه، لذلك يذهب إلى الجحيم. أما من يسمع كلام الله دوما" ويتوجّع على خطاياه ويفحص ضميره يكون لديه أمل بالخلاص إذا تاب.

     

    لذلك سنروي لكم أيها المسيحيون المباركون أعمال ومآثر القديسين ماقتي الفضة كوزما ودميان، إذ نعيد اليوم لذكراهما، علّنا نقتدي بأعمالهما فنظهر نحن أيضاً أولاداً مستحقين لأبينا السماوي وإلهنا. فلنفتحْ إذن أعين أذهاننا لقصة القديسين عادمي الفضة ولنرَ أية أعمال قاما بها، كيف عاشا وكيف كرمهما في النهاية الله والبشر.

    سُمّي هذان القديسان بماقتي الفضة، كما سبق وقلنا، لأنهما كانا يشفيان المرضى دون أن ينالا منهم أية مكافأة ولا فضة ولا هدايا لقاء أعمالهما. ونعيد لهما في 1 تشرين الثاني. كانت عائلتهما ميسورة، وكان والدهما في البداية إغريقي الديانة إلا أنه بعد أن أنجب ولديه القديسين رفض الوثنية المقيتة واعتنق المسيحية، وتوفي بعد ذلك بزمن قصير قضاه بالفضيلة والعفة، مسلّماً روحه للخالق، وتاركاً ولديه للعناية الإلهية ولرعاية والدتهما. أما والدتهما ثيوذوتي فكانت مسيحية منذ حداثتها، وبعد أن ترملت اهتمت بتنشئة طفليها بورع أكبر، إذ كانت هي أيضاً امرأة فاضلة، ولكثرة مناقبها أصبحت مثالاً لكل النساء من أقاربها.

    درس ولداها مهنة الطب، وبدءا عملهما الإنساني مباشرة. لم يكن مبتغاهم شفاء الأجساد بمقدار ما كانت رغبتهما شفاء الأرواح، مبشّرَين باسم المسيح في كل مكان وزمان.

    استحقا بسلوكهما أن ينالا الموهبة، لأن الموهبة التي منحها المسيح لتلاميذه القديسين أن يشفوا كل نوع من أنواع الأمراض قد نالها هذان القديسان. ولذلك كانا يشفيان المتألمين بدون الحاجة إلى استخدام أعشاب أو أية وسائل علاجية أخرى، إنما فقط بنعمة الروح القدس. ماذا سنروي إذن عن التواضع، عدم القنية، الإنسانية، وغيرها من الفضائل التي كان يملكها رسولا المسيح هذان؟ فقد كانا متواضعين لدرجة أنهما كانا يخدمان جراح المرضى بأنفسهما، وكان لديهما عدم قنية وعفة عن المال لدرجة أنهما لم يقبلا أخذ فضة على الإطلاق، حتى أنهما لم يرتديا رداءً آخر في حياتهما، ولم يحملا ولا حقيبة ثانية في طريقهما، لهذا لم يعتد الناس على مناداتهما باسميهما كوزما ودميان، إنما بماقتَي الفضة. فقد كان هذا اللقب معروفاً في ذلك الزمن. ولشدة رحمتهما وإنسانيتهما فإن أشفيتهما لم تقتصر على المرضى من البشر، إنما تعدت ذلك لتشمل الحيوانات التي كانا يعالجانها كلما وجدوها مريضة.

    كان يقدمان الشفاء للجميع على حد سواء، للأغنياء كما للفقراء، للغرباء كما للأقرباء. أما مسكنهما فكان مثل بركة سلوام وربما فاق عليها، فبينما كانت تلك تشفي مريضاً واحداً بالسنة، كان مسكنهما يمتلئ بالمرضى المشفيين كل يوم.

    وإن كان للقديسَين قدرة شفاء كل أنواع الأمراض، إلا أنه لم يكن لديهما أيّ اعتقاد بأن هذه الأشفية كانت تتم بفضل مهارتهما الطبية إنما بنعمة الله، وإن كانا على إطلاع ومعرفة بكتب الطب القديم لابيقراط وغالينوس وغيرهم، إلا أن الأمر لم يكن يجدي بمقدار فاعلية قوة اسم المسيح، الاسم الذي كان وحده مرشدهما ومساعدهما. وبينما كانت مهنة الطب عاجزة عن منح النور للأعمى والمشي للأعرج والحياة للميت، كان هذان القديسان قادرين على صنع كل هذه الأمور بقوة المسيح. لذلك كان يقصدهما الجميع من كل صوب إذ سمعوا من بعيد عن قوتهما العجائبية الكبيرة فكانوا يهرعون إليهما حاملين المرضى والعمي والعرج والممسوسين والمطروحين في الأمراض، فلم يكن يغادر أحد منهم دون أن ينتفع، إنما كانوا يغادرون فرحين وحائزين على نعمة الشفاء مضاعفةً، أي شفاء الجسد والنفس معاً.

    * * *

    أما رواية كل عجائبهما فيتطلب جهداً كبيراً، لكن، على سبيل المثال، سأروي لكم أعجوبتين فقط، أما الباقية وهي لا تُحصى، فسأتجاوزها الآن لئلا يصبح كلامي متعباً.

    في ذلك الزمان كان هناك امرأة تدعى بلاديا، كانت كغيرها من المرضى والمطروحين في الفراش، غير قادرة منذ سنوات عديدة على الحراك من مكانها، لكن حالما حضر القديسان إلى دارها شفياها على الفور حتى بدت كما لو إنها لم تكن مريضة على الإطلاق. أما هذه، فلشدة دهشتها وفرحها بقوة القديسين العجائبية الغريبة والعظيمة، فقد أرادت أن تكافئهما مقدمة لهما هدية صغيرة، فأخذت ثلاث بيضات وقدمتها كهدية متواضعة للقديسين، لكن القديسان لم يقبلا الهدية ليس لفقرها إنما لعدم رغبتهما في قبول أجر لقاء علاجهما. لكن المرأة عندما رأت أنهما لم يقبلا الهدية حزنت جداً، فانتظرت حتى انفردت مرة بالقديس دميان الأخ الأصغر، فتقدمت إليه ووقفت قبالته وقالت له باكية: "لماذا اعتبرتموني أنا الشقية كما  لو كنت مزعجة؟ لماذا أبعدتموني كنجسة؟ لماذا تجاهلتموني أنا الشقية ولم تقبلوا هديتي الفقيرة؟ أستحلفك باسم المسيح الإله الحقيقي الذي أومن به ألا تجرحني، لكن اقبل مني هذه الهبة الصغيرة كما لو أنها عظيمة. لدى سماع القديس هذا الكلام تألم لأجلها وقبل أن يأخذ الهدية منها. وبعد مرور عدة أيام أخبر القديس أخاه كوزما بالأمر، وكيف أنه قابل تلك المرأة وأنها ترجّته واستحلفته، وكيف أنه تألم لأجلها وقبل الهدية منها في نهاية الأمر. حالما سمع القديس كوزما هذه الرواية تذمّر متنهداً وبكى أخاه كما لو أنه سقط في خطيئة عظيمة أي هوى حبّ المال، والأكثر من ذلك أنه أخلّ بالوعد المتفَق عليه بينهما بألاّ يتقاضيا هدايا لقاء أشفيتهم، وليس هذا فقط بل قال أنه بعد موته لا يريد أن يُدفن جسده بالقرب من جسد أخيه دميان.

    بدا هذا الأمر للقديس عظيماً إلى هذه الدرجة، وتألم كثيراً غير عالم في الحقيقة قصد القديس دميان، أنه قبل الهدية بسبب قسم المرأة، بل ظاناً أنه قبلها لقاء الشفاء. لكن الله العارف خفايا القلوب فهم بوضوح هدف القديس دميان، فلم يترك القديس كوزما منكسر القلب هكذا من شدة الحزن من أخيه، فظهر له في رؤية وهدّأ قلبَه موضحاً له بالحلم ما كان قصد أخيه من قبول الهدية، وإذ عاين القديس كوزما هذه الرؤية تصالح مع أخيه، لكنه لم يخبر الناس بالرؤية التي رآها. لذلك عندما رقد القديس كوزما لم يشأ الناس أن يدفنوا جسده الكريم حيث كان جثمان أخيه احتراماً لوصيته. لكن اسمعوا ما هي العجيبة الغريبة التي رتبها الله حول هذا الأمر. لهذا، اصبروا قليلاً لتعلموا أولاً كيف رقد القديسان وبعدها اسمعوا تلك العجيبة.

    كما سبق وقلنا فإن مسيرة القديسين قادتهما إلى إحدى مناطق آسيا المدعوة "فرمان"، هناك مرض القديس دميان، الأخ الأصغر، إذ كانت مشيئة الله أن يرتاح من الفساد وينتقل إلى بهاء الفردوس الأزلي، فرقد بالرب وحملت روحَه ملائكةُ نور، أما جثمانه المقدس فقد وُضع من قبل أخيه كوزما وغيره من المسيحيين في تلك المنطقة المذكورة. وبعد عدة أيام رقد القديس كوزما. عندها وكما قلنا فإن المسيحيين، وبسبب وصية القديس كوزما ألاّ يدفنوه في نفس المكان مع أخيه دميان، لم يشاءوا أن يدفنوه بجانب أخيه. لكن ماذا رتب الله العجيب هنا؟ فيما كان المسيحيون يتناقشون لساعاتٍ طويلة حول هذا الموضوع، أي إذا كان عليهم ألاّ يدفنوه قرب أخيه عملاً بوصيته، أو إذا كان عليهم أن يدفناهما الواحد قرب الآخر لأنهما كانا أخوَين بالجسد، وإذ باللهُ يظهر للناس إرادته بواسطة جمل، كان القديس كوزما قد شفى رجليه المعلولتين، فصرخ هذا الجمل بصوت بشري قائلاً: إن رغبة الله أن يُدفن الأخوان معاً. عندها ذهب المسيحيون الذين استمعوا إلى الرؤية العجيبة وصعدوا إلى الجبل وصنعوا كما قال لهم الجمل.

    هكذا أيها المسيحيون المباركون، لا يكن أحد منا غير مؤمن بهذه العجيبة لأن غير المستطاع عند البشر مستطاع عند الله، وعندما يشاء الله فإنه يغلب نظام الطبيعة. وإلاّ ماذا يرد في العهد القديم