الفصل السادس: الفداء.
1
الصلب:
*بالصليب
حطم المسيح حواجز أنانيتنا:
*
بالصليب أخذ المسيح على ذاته خطيئتنا:
*
بالصليب انتصر المسيح على الألم والموت بدخوله فيهما:
*
ملحق:
2 - القيامة
*
القيامة فيض الحياة الإلهية فى إنسانية يسوع المنفتحة إلى الله بعطاء كامل:
*
القيامة تفجير لمملكة الموت بدخول سيد الحياة فيها:
*
ملحق:
3
- إشتراكنا فى صليب الرب وقيامته:
*
تمسك الإنسان بأنانيته مخافة من الموت:
*
الكلمة المتجسّد الوحيد الذى استطاع أن يتخلى عن تملك ذاته:
*
المسيح نائب عن البشر أجمعين:
*
إرادة الإنسان والخلاص:
* التوبة والأعمال:
1 محبة المسيح لنا:
2 - ثقتنا بانتصار المسيح على الموت:
*
الرب يعين ضعفنا:
*
إقتبال الأسرار الإلهية:
*
التوبة المستمرة:
4 - الفداء ومحبة القريب:
*
محبة الفادى لنا تلهم محبتنا للناس:
*
إن محبة الفادى لنا تعين نوعية محبيتنا للناس:
أ - مبنية على بذل الذات:
ب- تتجلّى بالمشاركة:
ج - توجه الإرادة والعمل:
د - مجانية، غير مشروطة:
ه - موجهة بصورة خاصة إلى المتألمين:
*
من قيامة المسيح نستمد المقدرة على محبة القريب:
*
ملحق:
5 - الصعود:
*الصعود
تتويج لعملية الفداء:
*
تلك هى السماء التى صعد إليها يسوع:
*
لكن يسوع صعد إلى السماء ليصعد البشرية معه:
*
لقد فتح لنا يسوع بصعوده طريق السماء:
*الصعود
لا يعنى إذًا هروبًا من الأرض وواجباتها:
*
ولكن المسيحى يعلم أن تحوّله هو وتحوّل الكون لم يكتملا إلا عند المجئ الثانى
فى نهاية الأزمنة:
*
ولكننا ندخل هذا الكون المتجدد منذ الآن:
اَلْفِدَاء
" ..وصُلِبَ عَنّا عَلَى عَهْدِ بِيلاطُس اَلْبُنْطِى وتَأَلّمَ وقُبِرَ
وَقَامَ مِنْ بَيْن الأمْوَاتِ فِى اَلْيَوْمِ اَلثَالِثِ كَمَا هُوَّ فِى
اَلْكُتُبِ. وَصَعَدَ إِِلَى اَلسَمَوَاتِ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اَلآبِ.
وَأَيْضًا يَأْتِى فِى مَجْدِهِ لِيَدِينَ اَلأحْيَاءَ واَلأمْوَاتِ. اَلْذِى
لَيْسَ لِمُلْكِهِ إِنْقِضَاء..."

|

إن الفداء إمتداد وتكملة لعمل التجسّد...
هذا الفداء الذى بلغ بالصليب قمته يمكن أن يُنظر إليه
من ثلاث وجهات نظر:
بالتجسّد أصبح الله حاضرًا فى الإنسان ليجدّده ويشفيه
ويشركه فى حياته الإلهية...
ولكن بقى أن يُزال الحاجز الذى أقامته الخطيئة فى صميم
الإنسان بينه وبين خالقه...
هذا الحاجز هو كما رأينا إنغلاق الإنسان وإنطواؤه على
نفسه دون الله، هو عبادة الأنا التى حكمت على الإنسان بعزلة مميتة...
كان ينبغى، إذً، تحطيم هذا الحاجز لتتدفق فى الإنسان
حياة الله، لأن الإنسان الممتلئ من ذاته لم يعد لله مكان فيه...
لذلك عندما اتخذ ابن الله طبيعة الإنسان، داوى أنانيتها
بالانفتاح الكامل والعطاء الكامل اللذين حققهما فى إنسانيته...
فإنه طيلة حياته علي الأرض، لم يرد أن يتمتع بالمجد
الإلهى الذى كان كامنا فيه...
فإنه : [ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ،
صَائِراً فِي شِبْهِ اَلنَّاسِ ] [ فيليبى 2: 7 ]...
أخلى ذاته من التمتع بالمجد الإلهى وقبل طوعا بوضع
العبد...
فضّل العطاء على التمتع، ومع أن كل شئ كان فى متناول يده،
أراد أن يبذل لا أن يأخذ:
[ كَمَا أَنَّ اِبْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ
بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ ] [ متى 20:
28 ]...
إنه : [ اَلْمَسِيحَ أَيْضاً لَمْ يُرْضِ نَفْسَهُ بَلْ
كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: تَعْيِيرَاتُ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ ] [
رومية 15: 3 ]...
ولكن حياته كلها كانت قربانا لله الآب وللبشر الذين صار
أخا لهم...
فقد وُلد فقيرًا فى مذود البهائم وتشرّد عند إضطهاد
هيرودس له، وعاش معظم حياته عاملاً مجهولاً:
[ أَلَيْسَ هَذَا هُوَ اَلنَّجَّارَ اِبْنَ مَرْيَمَ ] [
مرقس 6 : 3 ]...
وطاف يبشّر فيما [ لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ
السَّمَاءِ أَوْكَارٌ وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ
يُسْنِدُ رَأْسَهُ ] [ متى 8: 20 ]...
ورفض أن يصنع آية فى السماء ليبهر بها البشر [ وَجَاءَ
إِلَيْهِ اَلْفَرِّيسِيُّونَ وَاَلصَّدُّوقِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ فَسَأَلُوهُ
أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً مِنَ اَلسَّمَاءِ.... جِيلٌ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ يَلْتَمِسُ
آيَةً وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ اَلنَّبِيِّ ] [ متى 16:
1، 4 ]...
ولكنه كان يصنع العجائب رأفة بالمعذبين و[ َأَحْضَرُوا
إِلَيْهِ جَمِيعَ
اَلسُّقَمَاءِ
الْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ
وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ وَالْمَجَانِينَ
وَالْمَصْرُوعِينَ وَالْمَفْلُوجِينَ
فَشَفَاهُمْ ] [ متى 4 : 23 ]...
وقد احتمل عدم إيمان الكثيرين، حتى أقاربه الذين كانوا
ينعتونه بالجنون وتلاميذه الذين لم يفهموا رسالته حق الفهم والذين تركوه
كلهم وفرّوا حين تسليمه، وباعه أحدهم وأنكره آخر...
|
|
وصبر على كل إهانات وشتائم وإضطهادات أعدائه الذين كانوا
ينعتونه [ فَقَالَ
اَلْيَهُودُ : أَلَسْنَا نَقُولُ
حَسَناً إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ؟ ] [ يوحنا 8: 48 ]...
ولم يرد أن ينتقم منهم بل إنتهر يعقوب ويوحنا عندما
طلبا إنزال نار من السماء لإحراق قرية رفضت أن تستقبله:
[ وَحِينَ تَمَّتِ اَلأَيَّامُ لاِرْتِفَاعِهِ ثَبَّتَ
وَجْهَهُ لِيَنْطَلِقَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَأَرْسَلَ أَمَامَ وَجْهِهِ
رُسُلاً فَذَهَبُوا وَدَخَلُوا قَرْيَةً لِلسَّامِرِيِّينَ حَتَّى يُعِدُّوا
لَهُ. فَلَمْ يَقْبَلُوهُ لأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ مُتَّجِهاً نَحْوَ
أُورُشَلِيمَ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا
قَالاَ: { يَا رَبُّ أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ
اَلسَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضاً؟ } فَالْتَفَتَ
وَاِنْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: { لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ
أَنْتُمَا! لأَنَّ اِبْنَ اَلإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ
اَلنَّاسِ بَلْ لِيُخَلِّصَ }. فَمَضَوْا إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى ] [ لوقا 9:
51 - 59 ]...
وزجر بطرس عندما أراد أن يدافع عنه بالسيف:
[ رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ اَلَّذِينَ
يَأْخُذُونَ اَلسَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ ] [ متى 26: 52 ]...
وصلّى من أجل قاتليه:
[ يَاأَبَتَاهُ
اِغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ
يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ ] [ لوقا 23: 34 ]...
وأراد، وهو المعلّم والسيّد، أن يكون وسط تلاميذه كالخادم:
[ لأَنْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ؟ أَلَّذِي يَتَّكِئُ أَمِ
اَلَّذِي يَخْدِمُ؟ أَلَيْسَ اَلَّذِي يَتَّكِئُ؟ وَلَكِنِّي أَنَا بَيْنَكُمْ
كَالَّذِي يَخْدِمُ ] [ لوقا 22: 27 ]...
وأن يغسل أرجلهم:
[ قَامَ عَنِ
الْعَشَاءِ وَخَلَعَ ثِيَابَهُ
وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ
بِهَا ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَلٍ وَاِبْتَدَأَ
يَغْسِلُ أَرْجُلَ
التّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا
بِالْمِنْشَفَةِ
اَلَّتِي كَانَ مُتَّزِراً بِهَا
] [ يوحنا 13: 4، 5 ]...
هذا العطاء الذى به أراد المسيح أن يستأصل أنانيتن، بلغ
ذروته فى الصليب...
كان فى وسع المسيح أن لا يموت بالنظر لللاهوت الكامن
فيه...
ولكنه ذهب فى تخليه عن " الأنا" إلى أقصى الحدود،
باذلاً ذاته للموت...
وهكذا قدّم حياته على الصليب قربان محبة للآب،
وتعبيرًا عن تخلّيه التام عن مشيئته الذاتية، كما قال بنفسه فى بستان
جسيمانى:
[ يَا أَبَتَاهُ إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ
اَلْكَأْسُ وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ....
يَا أَبَتَاهُ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هَذِهِ اَلْكَأْسُ
إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ ] [ متى 26: 39، 42 ]...
وكما ورد فى الرسالة للعبرانيين:
[ ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً لَمْ تُرِدْ، وَلَكِنْ هَيَّأْتَ
لِي جَسَداً. بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ. ثُمَّ
قُلْتُ: هَئَنَذَا أَجِيءُ. فِي دَرْجِ
الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي،
لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ ] [ عبرانيين 10: 5
- 7 ]...
هكذا تمرّد آدم، وأطاع المسيح...
تكبّر آدم، فتواضع المسيح...
اكتفى آدم بذاته، فتخلّى المسيح عن ذاته:
[ وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى اَلْمَوْتَ مَوْتَ
اَلصَّلِيبِ ] [ فيليبى 2: 8 ]...
وهكذا بموته على الصليب، أعطى البشرية الدواء الشافى
لداء الأنانية الذى فصلها عن الله...
ومن وجهة نظر أخرى، نرى أن الرب يسوع المسيح، لكى
ينقذنا من الخطيئة التى أصبحنا نئن تحت وطأته، شاء أن يأخذها على نفسه، لا
أن يأخذها هى بلّ أن يحتمل فى ذاته نتائجها المريعة حبًا بنا...
إن المحب يود لو أنه يستطيع أن يأخذ على نفسه مرض
المحبوب ليخلصه من وطأته...
ولكن ما لا يستطيع أن يفعله الحب البشرى، استطاع أن الرب
يسوع المسيح أن يتممه إذ أنه، لأجل محبته لن، أخذ على نفسه مرضنا لينقذنا
منه:
[ لَكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا وَأَوْجَاعَنَا
تَحَمَّلَهَا0 وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَاباً مَضْرُوباً مِنَ اَلْلَّهِ
وَمَذْلُولا ] [ أشعياء 53: 4 ]... و
[ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: هُوَ
أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا ] [ متى 8: 17 ]...
فإنه وهو البرئ من كل خطيئة، أخذ على نفسه كل الشقاء
الذى جرّته الخطيئة على الجنس البشرى:
[ نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْقٍ مِنْ أَرْضٍ
يَابِسَةٍ لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ وَلاَ مَنْظَرَ
فَنَشْتَهِيهِ... وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ
آثَامِنَا0 تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا ] [ أشعياء
53: 2، 5 ]...
وكانه متروك من الله نفسه:
[ إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ ] [ متى 27: 46
]...
حاصلاً فى ظلمة وحزن مميتين:
[ نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدّاً حَتَّى اَلْمَوْتِ ] [
متى 26: 38 ]...
هكذا تجسّمت فى المسيح
- وهو لم يعرف خطيئة
- كل مأساة
خطيئة البشر:
[ كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ
إِلَى طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا ] [ أشعياء
53: 6 ]...
وكأنه صار هو خطيئة على حد تعبير الرسول بولس:
[ لأَنَّهُ جَعَلَ
اَلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ
خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا ] [ 2 كورونثوس 5: 21 ]...
وهكذا فإن يسوع المسيح على الصليب ظهر لله الآب مجسمًا
فى جسده الجريح، الممزّق، المختنق، وفى نفسه المنسحقة، بشاعة كل خطيئة البشر
التى أخذها على نفسه فصار شفيعا للخطأة أجمعين عندما وحد ذاته معهم:
[ لِذَلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ اَلأَعِزَّاءِ وَمَعَ
اَلْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ
نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ
وَشَفَعَ فِي اَلْمُذْنِبِينَ ] [ أشعياء 53: 12 ]...
ذلك أن الآب لم يعد ينظر إلى الخطأة إلا من خلال هذه
الصورة، صورة ابنه الوحيد الحبيب المصلوب الذى جعل نفسه كواحد منهم.
وبهذا المعنى يتابع الرسول بولس:
[ لأَنَّهُ جَعَلَ
اَلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ
خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ
اَلْلَّهِ
فِيهِ ] [2 كورونثوس 5: 21 ]...
أى أن الله تصالح مع البشر الخطأة وغفر خطاياهم وبرّرهم
وضمهم إليه من خلال شخص الابن الوحيد الحبيب الذى وحّد ذاته معهم...
هكذا كان الحمل الذى كان يُذبح فى الهيكل صباحا ومساءً
تكفيرًا عن خطايا الشعب رمزًا وإشارة إلى المسيح الذى قال عنه يوحنا
المعمدان:
[ هُوَذَا حَمَلُ
اللَّهِ
اَلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ
الْعَالَمِ ] [ يوحنا 1: 29 ]...
وهناك أخيرً، معنى ثالث بالغ الأهمية يتجلّى فى
الصليب...
لقد دخل البشر بالخطيئة فى مملكة الموت ( وبلغة الكتاب
والآباء تُدعى " الجحيم" )...
وساد عليهم الحزن والألم والضعف والفناء...
لقد أصبحوا كمن اُغلَّق عليهم فى سجن مظلم رهيب...
لقد كان بإمكان الله أن يحرّرهم من الخارج، بكلمة منه
فقط، بإرادته الفائقة...
ولكن محبته دفعته أن يشارك البشر أولاً مصيرهم لكى
يوحّد ذاته معهم...
المحبة تدفع المحبّ إلى مشاركة المحبوب فى آلامه...
هكذا محبة الله للإنسان، كما نعتها كاباسيلاس، لم تدفعه
إلى إجتياز الهوة الفاصلة بين الخالق والمخلوق وحسب
- وهذا هو التجسّد
- بل
إلى مشاركته أيضًا فى جحيم بؤسه...
فالإله بتجسّده:
[ فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ
الأَوْلاَدُ فِي
اللَّحْمِ وَالدَّمِ
اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ
فِيهِمَا... ] [ عبرانيين 2: 14 ]...
شاء أن يصير شبيها فى كلّ شئ بالبشر الذين إتخذهم إخوة
له:
[ مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ
فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيماً، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِيناً فِي
مَا لِلَّهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا
الشَّعْبِ ] [ عبرانيين 2: 17
]...
أن يشاركهم أيضًا بكلّ ما تعرّض له هذا اللحم والدم، من
جرّاء الخطيئة، من حزن وضيق وآلام وموت...
هكذا إكتمل التجسّد ودخل ابن الله إلى صميم الطبيعة
الإنسانية، مختبرًا إياها بكلّ شقائه، حتى يشعر الإنسان فى حزنه وبؤسه،
فى آلامه الجسدية والمعنوية، فى نزاعه وموته، إنه محبوب، وأن الله نفسه
شاركه فى ذلك كلّه...
لقد جعل الله نفسه طريح الألم لكى لا يشعر الإنسان أنه
يعانيه وحده بلّ برفقة الإله المتجسّد الذى عاش آلام الإنسان فى نفسه
وجسده، بمعيّة ذاك الذى كُتب عنه:
[ لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّباً
يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ
الْمُجَرَّبِينَ ] [ عبرانيين
2: 18 ]...
هكذا دخل يسوع المسيح، حبًا بالإنسان، مملكة الموت التى
كان غريبًا عنها إطلاق، ليس فق