مدخل إلى العقيدة المسيحية

د.كوستى بندلى ومجموعة من المؤلفين

الفصل الخامس: التجسد

الفصل الخامس: التجسد.

أولاً: غاية التجسد‏:

ثانيًا: تهيئة التجسد‏:

الناموس:

الحوادث التاريخية:

الأنبياء

ثالثًا: التجسّد فى كتابات القديس كيرلس الكبير‏

1 - مفهوم كلمة " صار" فى عبارة " والكلمة صار جسدًا":

2 ما معنى كلمة" المسيح"؟:

3 - كيف يجب أن نفهم " عمانوئيل"؟:

4 - من هو يسوع؟:

5 - لماذا دعى كلمة الله إنسانًا؟:

6 - كيف قيل أن الكلمة أخلى وأفرغ ذاته؟:

7 - كيف يكون المسيح واحدًا؟:

8 - كيف يكون عمانوئيل واحدًا؟:

9 - ما هو هذا الاتحاد؟:

أمثلة كتابية عن كيفية الاتحاد

      أ - الجمرة:

      ب - سوسنة الأودية:

      ج - تابوت العهد:

10 - الله الكلمة واحد من اثنين: لاهوت كامل وناسوت كامل:

        براهين كتابية على أن كلمة الله وإن كان قد صار إنسانًا إلا أنه ظل إله:‏  

11 - المسيح ليس الله لبس جسدً، وليس كلمة الله الذى حلّ فى ‏إنسان، بل الله الذى تجسّد فعلاً حسب شهادة الكتب:

رابعًا: دور العذراء مريم فى التجسد:

 


 

الفصل الخامس

التجسّد

" ..الذى من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصن، نزل من السماء وتجسّد من الروح القدس ومن العذراء مريم وتأنس..."

 

أولاً: غاية التجسد

بالخطيئة كما رأين، انفصل الإنسان عن الله وغدا مهمشًا طريحًا غير قادر أن ينهض نفسه من الهوة التى سقط فيها...

لم يكن بإمكانه أن يرتفع إلى الله ولذلك فقد شاء الله فى محبته أن ينحدر بنفسه إلى الإنسان ليعيد الشركة بين الإنسان وبينه...

إن الله أحبّ الإنسان " حبًا جنونيًا" على حدّ تعبير اللاهوتى " نقولا كباسيلاس"، حتى أنه وهو الكائن الأبدى، الخالق، ذو السعادة المطلقة، لم يترك وشأنه ذاك الإنسان الذى رفضه إختياريا بلّ إنحدر إليه ساعيًا فى طلبه...

كما سعى الراعى الذى تكلّم عنه الرب يسوع وراء الخروف الضال [ لوقا 15: 1 7 ]...

غير مكتفٍ بالملائكة كما لم يكتف ذل الراعى بالتسعة والتسعين خورفًا التى لم تضلّ...

 

بالتجسّد أخذ الله طبيعتنا البشرية المنحطة، الساقطة، واتحدت مع لاهوته اتحادًا فائق الوصف...

ليداوى الله بالتجسّد النزيف الروحى الذى هو الخطيئة الأصلية...

بالتجسّد بث الله حياته فى الإنسان المريض، ليعيد إليه القوة الروحية التى خارت والجمال الذى تشوّه...

بالتجسد اتحد الله ذاته بالإنسان لتسرى فى الإنسان حياة الله ...

لقد رأينا ان الإنسان سقط لكونه أراد أن يجعل نفسه إلها دون الله، بالاستغناء عن الله...

لقد كان يتوق إلى التألّه ولكنه ضلّ الطريق إذ اعتقد أن التألّه يتم بانتفاخ الأنا...

فالله لم يخلق الإنسان ليكون له عبدًا بل شريكًا فى حياته الإلهية...

ولكن هذه الشركة فى الطبيعة الإلهية لم يكن ممكنًا بمعزل عن الله بلّ كان مشرطًا باتحاد الإنسان بالله...

لأن من الله، ومن الله وحده، يستمد الإنسان كل موهبة وقوة وحياة...

خارج الله ليس سوى العدم والفراغ والموت...

ولكن الإنسان استمع على خداع الشرير فطمع بالتألّه دون الله، فلم يبلغ مأربه بل انحطّ من مستواه الإنسانى الأصيل وأخضع طبيعته للموت...

لقد كانت وعود الشيطان كاذبة، لقد قال عنه يسوع أنه " كَذَّاب وَأَبُواَلْكَذِب " [ يوحنا 8: 44 ]، عندما اعلن للإنسان أنه بمخالفة الله يصير إلها...

تلك الوعود البراقة كانت وهما وخداعا ولكن مل لم يستطع الإنسان أن يحققه عندما تشامخ حققه له الله عندما نزل إليه...

 

وحتى لا يتششت القارئ فى معنى أن الإنسان تألّه بالتجسد؟...

هذا لا يعنى أننا أصبحنا آلهة بالطبيعة، فإننا مازلنا مخلوقات...

ولكن التألّه يعنى أن حياة الله قد أُعْطيت لنا فصرنا مشاركين له فى محبته، فى مجده، فى قوته، فى فرحه، فى حكمته، فى قداسته، فى خلوده...

لم ولن نبلغ جوهر ولاهوت الله لأنه دائمًا متعالٍ لا يمكن الوصول إليه، ولكن القوى الإلهية أعْطيت لنا وأصبحت فى متناولنا...

هذا ما اوضحه بنوع خاص القديس " غريغوريوس بالاماس" وثبتته المجامع الأرثوذكسية...

بهذا المعنى ينبغى أن نفهم كلمة الرسول بطرس:

[ كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلَهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ،

اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ.

وَلِهَذَا عَيْنِهِ وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً،

وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفاً، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْراً، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى،

وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً ] [ 2 بطرس 1: 3 - 7 ]...  

 

ثانيًا: تهيئة التجسد

التجسد إذًا مبادرة محبة مجانية من الله نحو الإنسان الذى ابتعد عنه ورفضه بإختياره:

[ وَقَدْ أَظْهَرَ اللهُ مَحَبَّتَهُ لَنَا إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الأَوْحَدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ. وَفِي هَذَا نَرَى الْمَحَبَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ، لاَ مَحَبَّتَنَا نَحْنُ لِلهِ، بَلْ مَحَبَّتَهُ هُوَ لَنَا. فَبِدَافِعِ مَحَبَّتِهِ، أَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا ] [ 1يوحنا 4: 9، 10 ]...

 

ولكن محبّة الله لا تُفرض فرضا..

ولذا كان على الإنسان أن يتقبّل مبادرة الحب الإلهى هذه...

من أجل هذا اهتم الله بمحة أبوية أن يهيئ البشر تدريجيًا إلى إقتبال التجسد وكان عمله شبيهًا بعمل المربّى الحكيم الذى يهيئ للطفل الظروف المؤاتية كى يرقى مراحل النمو الواحدة تلو الأخرى حتى يصل إلى البلوغ...

وقد ظهرت هذه التربية الإلهية لحرية الإنسان خاصة فى الشعب الإسرائيلى الذى بقى وحده بين الشعوب أمينًا لله رغم خطاياه الكثيرة...

ففيه خاصة هيأ الله البشر إلى إقتبال التجسد حتى إذا تم يحمل أفراد من هذا الشعب بشارته إلى العالم أجمع...

وقد اتخذت هذه التهيئة وجوهًا مختلفة منها:

 

* الناموس:

وهو مجموعة شرائع أعطيت إلى الشعب الإسرائيلى بوحى من الله...

وقد قال عنه الرسول بولس:

[ إِذاً قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإِيمَانِ ] [ غلاطية 3: 24 ]...

والمؤدب كان عند اليونان عبدًا موكولاً إليه أن يصحب الأولاد المؤتمن عليهم ويسهر عليهم وياقنهم ميادئ المعرفة ليتمكنوا فيما بعد من استماع دروس يلقيها معلّم شهير...

تلك كانت وظيفة الناموس بالنسبة إلى اليهود...

فالوصايا العشر مثلاَ كانت غايتها تهذيب أخلاق الناس كى يُعدّوا للدخول فى ملكوت المحبة...

أمّا الذبائح التى كان يفرضها الناموس للتكفير عن الخطايا فقد كانت رمزًا يشير إلى الذبيحة الحقيقية الواحدة وهى موت يسوع المسيح على الصليب...

 

* الحوادث التاريخية:

وقد كانت حوادث تاريخ الشعب اليهودى ترمز إلى حوادث الخلاص وتُعدّ الشعب لإقتبال التجسّد...

فيوسف الذى باعه أخوته حسدًا وصار كما قال الكتاب عنه " مخلّص العالم" أثناء المجاعة التى حصلت، كان رمزًا للمسيح الذى أُسْلِمَ حسدًا من اليهود أخوته بالجسد إلى الرومانيين لكى يميتوه صلبًا فصار بالمعنى الكامل " مخلّص العالم"...

مطعما الناس ليس خبزًا ماديًا كما فعل يوسف بل الخبز السماوى الذى هو جسده...

كذلك خلاص الشعب الإسرائيلى من عبودية فرعون على يد موسى ودخوله فى أرض الميعاد على يد يشوع الذى هو اسم يسوع بالذات ومعناه " الله يخلّص"، كان رمزًا لخلاص المؤمنين من عبودية الشيطان بتجسّد المسيح وموته وقيامته ودخولهم إلى ملكوت الله...

 

* الأنبياء

كذلك أرسل الله أنبياء إلى شعبه على مرّ الأجيال لتهيئته لإقتبال التجسّد...

والنبى كما يدلّ إسمه كانت مهمته أن ينبئ بإرادة الله أى أن يعلنها بقوة داعيًا البشر إلى تقويم ما إعوج من سيرتهم وإلى الرجوع إلى الله...

هؤلاء الأنبياء أعدّوا الشعب اليهودى لإقتبال التجسّد:

1 - لأنهم كانوا يحرّكون الضمائر النائمة المتحجّرة وقولون جهرًا للناس أن تتميم الشريعة فى الظاهر لا يهم، إنما المهم تغيير القلب وإعطائه لله، وهكذا يمهدون طريق الله الآتى إلى العالم...

 

2 - لأنهم كانوا يشيرون، بإلهام إلهى، إلى تجسّد ابن الله وإلى أعمال الخلاص التى سوف يقوم بها فى أرضنا...

هكذا تحدّث النبى أشعياء الذى عاش فى القرن الثامن قبل الميلاد عن البيت الذى يولد فيه المسيح، فقال أن سيكون من نسل داود:

[ وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ ‏‏وَيَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ رُوحُ الْمَشُورَةِ ‏وَالْقُوَّةِ رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ‏ ] [ أشعياء 11: 1، 2 ]...

وأعلن النبى نفسه أنه يولد من عذراء:

[ وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ اَلسَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا اَلْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ اِبْناً وَتَدْعُو ‏اِسْمَهُ {عِمَّانُوئِيلَ}‏ ] [ أشعياء 7: 14 ]...

وتنبّأ النبى ميخا الذى عاش خو أيضًا فى القرن الثامن قبل الميلاد عن مكان ولادة المخلّص، فقال:

[ أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمَِ أَفْرَاتَةَ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا ‏فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي اَلَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطاً عَلَى إِسْرَائِيلَ وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ ‏اَلْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ اَلأَزَلِ ] [ ميخا 5: 2 ]...

وتحدّث أشعياء عن رسالة المخلّص قائلاً:

[ رُوحُ اَلسَّيِّدِ اَلرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ اَلرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ اَلْمَسَاكِينَ ‏أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي اَلْقَلْبِ لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ ‏وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ. لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ وَبِيَوْمِ اِنْتِقَامٍ ‏لإِلَهِنَا. لأُعَزِّيَ كُلَّ اَلنَّائِحِينَ ] [ أشعياء 61: 1، 2 ]...

كذلك أعلن أشعياء عن الآلام التى سوف يتحمّلها المخلّص من أجل خطايا الناس:

[ وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا ‏عَلَيْهِ وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا.  كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ ‏وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا.  ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ ‏كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى اَلذَّبْحِ وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ ] [ أشعياء 53: 5 - 7 ]...

 

 

ثالثًا: التجسّد فى كتابات

القديس كيرلّس الكبير

( الرد على من يظنون أن المسيح مجرّد إنسان أخذ قوة من الله )

1 -  مفهوم كلمة " صار" فى عبارة " والكلمة صار جسدًا": 

 

يقول القديس كيرلس عن الهراطقة إنهم يظنون أن كلمة " صار" تعنى معنى واحدًا فقط وهو التغيّر والتحوّل ويؤيدون شرحهم ببراهين من الكتب الموحى بها...

[ وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً ] [ يوحنا 1: 14 ]...

فقد قيل عن زوجة لوط:

[ َنَظَرَتِ اِمْرَأَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ!‏ ] [ تكوين 19: 26 ]...

وقيل عن عصا موسى:

[ ... فَطَرَحَهَا إِلَى اَلأَرْضِ فَصَارَتْ حَيَّةً... ] [ خروج 4: 3 ]...

 

ولكن القديس كيرلّس يقول: إن إفتراض التغيّر لمعنى كلمة " صار" لا ينطبق على الله، والإدعاء بالتغيّر فى طبيعة الله هو جهل وكفر...

يقول الرسول بولس:

[ لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ اَلنَّاسِ ] [ فيليبى 2: 7 ]...

الكلمة الابن الوحيد الذى وُلد من الله الآب الذى هو بهاء مجده ورسم جوهره ( أقومنه ):

[ الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، ] [ عبرانيين 1:  3 ]...

هو الذى صار جسدًا دون أن يتحوّل إلى جسد...

إى بلا إمتزاج واختلاط وأى شئ آخر من هذا القبيل بلّ، أخلى ذاته، وجاء إلى فقرن، فجعل جسد البشر جسده وبنفس إنسانية عاقلة...

 

ولذلك قيل عنه أنه وُلِد دون أن يفقد ما يخصّه...

فولد كإنسان بطريقة معجزية من إمرأة...

ولأنه إصلاً إله قيل عنه أنه:

[ وَإِذْ وُجِدَ فِي اَلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ ] [ فيليبى 2: 8 ]...

فالله الذى ظهر فى شكلنا وصار فى صورة عبد هو الرب وهتذا ما نعنيه أنه صار جسدًا...

ويؤكّد القديس كيرلس أن كلمة " صار" هنا تعنى أن الكلمة فعلاً تجسّد، وليس كما يظن البعض من الهراطقة أن الكلمة قام بأعمال عملها فى الجسد...

 

إن كلمة " صار" تحتوى على الحقائق الخاصة بالتجسّد، وكل ما حدث له تدبيرًا عندما أخلى ذاته إراديًا قَبِلَ الجوع والتعب...

وكان من المستحيل أن يتعب وهو كلّى القدرة ولا يمكن أن يجوع وهو طعام الكلّ وحياتهم لو لم يكن قد أخذ جسدًا بشريًا ومن طبيعته أن يجوع ويتعب...

وكذلك من المستحيل أن يُحصى مع أثمة لو لم يكن قد صار لعنه لأجلنا...

وعندما تأنّس وصار جسدًا وولد مثلنا كإنسان من العذراء القديسة مريم...

 

2 ما معنى كلمة " المسيح"؟

ليس للفظ " المسيح" قوة تعريف ولا يوضّح جوهر شئ م، كما أن كلمة " رجل" أو" حصان" أسماء لا توضّح شيئًا عن جوهر حاملها بل تشير إليهم فقط، واسم " المسيح" يعلن عن شئ سوف نفحصه....

 

فى القديم حُسب مسرة الله مسح البعض بالزيت، وكانت المسحة علامة لهم على المملكة...

الأنبياء أيضا مُسِحوا روحيًا بالروح القدس، ولذلك دعوا مسحاء...

لأن داود النبى ينشد معبّرًا عن الله نفسه فيقول:

[ لاَ تَمَسُّوا مُسَحَائِي وَلاَ تُسِيئُوا إِلَى أَنْبِيَائِي ] [ مزمور 105: 15]...

وحبقوق النبى يقول ايضًا:

[‏ خَرَجْتَ لِخَلاَصِ شَعْبِكَ لِخَلاَصِ مَسِيحِكَ ] [ حبقوق 3: 13 ]...

لكن بالنسبة للمسيح مخلّص الكلّ، فقد مُسح، ليس بصورة رمزية مثل الذين مُسحوا بالزيت، ولم يُمسح لكى ينال نعمة وظيفة النبى، ولا مُسح مثل الذين اختارهم الله لتنفيذ تدبيره، أى مثل قورش الذى ملك على الفارسين والماديين وقاد جيشًا ليستولى على أرض البابليين حسبما حرّكه الله ضابط الكلّ ولذلك قيل عنه:

[ هَكَذَا يَقُولُ اَلرَّبُّ لِمَسِيحِهِ لِكُورَشَ اَلذِي أَمْسَكْتُ بِيَمِينِهِ لأَدُوسَ ‏أَمَامَهُ أُمَماً وَأَحْقَاءَ مُلُوكٍ أَحُلُّ. لأَفتَحَ أَمَامَهُ اَلْمِصْرَاعَيْنِ وَاَلأَبوَابُ لاَ ‏تُغْلَقُ ] [ أشعياء 45: 1 ]...

ولا يجب أن ننسى أن الرجل " قورش" كان وثنيا إلا أنه دُعى " مسيحا" كما لو كان الأمر السمائى قد مسحه ملك، لأنه بسبق معرفة الله قد مال قوة لقهر بلاد البابليين...

 

إن ما نريد أن نقوله بخصوص معنى كلمة " المسيح" هو ما سيأتى:

بسبب تعدّى آدم [ لَكِنْ قَدْ مَلَكَ اَلْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى وَذَلِكَ عَلَى اَلَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ اَلَّذِي هُوَ مِثَالُ اَلآتِي ] [ رومية 5: 14 ]...

وفارق الروح القدس الطبيعة البشرية التى صارت مريضة فى كل البشر...

ولكى تعود الطبيعة البشرية من جديد إلى حالتها الأولى احتاجت إلى رحمة الله، لكى تُحسب بموجب رحمة الله مستحقة الروح القدس...

لذلك صار الابن الوحيد كلمة الله إنسانا...

وظهر للذين على الأرض بجسد من الأرض ولكنه خالى من الخطيئة...

حتى فيه وحده تتوج الطبيعة البشرية بمجد عدم الخطيئة، وتغتنى بالروح القدس، وتتجدّد بالعودة إلى الله بالقداسة...

لأنه هكذ