مدخل إلى العقيدة المسيحية

د.كوستى بندلى ومجموعة من المؤلفين

الفصل الثالث: الخلق والسقوط

الفصل الثالث: الخلق والسقوط.

1 الخلق والتطوّر:

    رواية الخلق فى سفر التكوين ونظرية التطوّر:

    مراحل التطوّر:

أ - تطوّر المادة:‏

ب - قفزة الحياة:

ج - تطوّر الحياة:

د - قفزة الفكر:

    التطوّر فى تعليله الأخير ومعناه:‏

أ - التطوّر لا يعلّل بمجرّد الصدفة:‏

ب - التطوّر لا يُعلّل بفعل " الطبيعة":‏

ج - نظرة إيمانية إلى التطوّر:

  أسئلة:‏

  ملحق:

2 - خلق الإنسان

   إرتباط الإنسان بالطبيعة المادية: ‏

   الإنسان على صورة الله ومثاله:‏

   تصميم الله فى اتحاد الرجل والمرأة:

أ - الجنسان متعادلان ومكملان أحدهما للآخر:

ب - إتحاد الجنسين يتم بالزواج الذى هو صلة عميقة وإرتباط نهائى:

أسئلة:

3 - مقاصد الله نحو الإنسان:

  غاية خلق الإنسان:‏

  تصميم الله الخاص بالإنسان:‏

أ - التنعم بتمام القوى النفسية:

ب - الخلود:‏

ج - السيادة على الطبيعة:

د - الإنسان كاهن الكون:‏

  دور حرية الإنسان:‏

  ملحق:

‏‏4 - السقوط:

    أسئلة:

5 - نتائج السقوط:

أ - تصدعت وحدة الإنسان مع ذاته:‏

ب - تصدعت الوحدة بين الإنسان والغير:

ج - تصدعت الوحدة بين الإنسان والطبيعة:

 أسئلة:

6 - صورة الله فى الإنسان بعد الخطيئة‏:

 أسئلة:


الفصل الثالث

الخلق والسقوط

" ..خالق السماء والأرض كل ما يُرى وما لا يُرى..."

1 الخلق والتطوّر

يقول الكتاب المقدس:

[ فِي اَلْبَدْءِ خَلَقَ اَللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ] [ تكوين 1 : 1 ]...

تلك عقيدة الخلق

التى بموجبها نقرّ أن كل الموجودات قائمة فى الوجود

 بإرادة الله وبإرادته فقط، ومُسْتَمِدّة منه وجودها...

هذا ما نعبّر عنه فى قانون الإيمان بقولنا:

" أؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكلّ، خالق السماء والأرض، كل ما يُرى وما لا يُرى"...

* رواية الخلق فى سفر التكوين ونظرية التطوّر:

 

عندما يصف لنا سفر التكوين عملية الخلق، فى فصله الأول، فإنه يصوّر لنا الكائنات وكأن كلاّ منه وكلّ نوع منها قد أوجده الله بشكله الحاضرة مباشرة...

ولكن نظرة كهذه تتعارض مع نظترية التطوّر التى يتفق عليها معظم العلماء المعاصرين والتى أصبحت شبه مؤكدة بالإستناد إلى العديد من البراهين...

وهنا ينشأ تساؤل عند الكثيرين:

كيف يمكن التوفيق بين الوحى الإلهى ومعطيات العلم؟...

 

للجواب عن هذا السؤال الوجيه، ينبغى أن نتذكّر، بادئ ذى بدء:

أن الكتاب المقدس كتاب إيمان لا كتاب علم، همّه أن يكشف لنا علاقة الله بمخلوقاته، وبنوع خاص بالإنسان، لا أن يقدّم لنا وصفا علميا لتاريخ الكون...

لذا فعندما يصف سفر التكوين الخلق فى فصله الأول، فإن الوحى الألهى ينسكب فيه فى قوالب بشرية، هى التقاليد التى كانت شائعة فى المكان والزمان الذى ظهر فيه هذا الفصل...

ولا قيمة، إذً، لتلك القوالب بحد ذاتها...

إنما قيمتها فى المعانى الروحية التى تتجلّى من خلالها...

تلك المعانى التى تلخص بأن الكائنات كلها تستمد من الله الواحد وجودها وترتيبها...

هذا ما فهمه آباء الكنيسة اليونانيون خمسة عشرة قرنا قبل ظهور النقد الكتابى الحديث...

ففسروا رواية الخلق فى سفر التكوين تفسيرًا رمزيًا أكثر منه حرفيًا...

نستنتج مما سبق أن إيماننا بالخلق ليس رهنًا بالقالب الحضارى الذى سكب فيه الإعلان الإلهى عن الخلق فى سفر التكوين...

وأنه يمكننا أن نعبّر عنه بالقوالب الفكرية التى يتميّز بها عصرنا ومن جملتها نظرية التطوّر...

هذا ما سنحاول أن نبيّنه، مذكّرين أولاً باختصار بمراحل التطوّر كما يصفها العلم الحديث، ثم متعرضين لما يقتضيه واقع التطوّر من تعليل أخير على ضوء العقل والإيمان...

 

* مراحل التطوّر:

لقد أثبت العلم الحديث أن التطوّر لم يشمل الكائنات الحية فحسب...

إنما هو ملازم لتاريخ الكون برمته...

فالكون الذى ننتمى إليه كون متطوّر...

وقد بدأ تطوّره على مستوى الطبيعة الجامدة حتى أدى على ظهور الحياة التى تطوّرت بدورها حتى أبرزت ذلك الحيوان المفكر، الإنسان...

 

أ - تطوّر المادة:

إن النظرية المرجحة اليوم بين العلماء تقول بأن الكون، فى حالته الحاضرة، قد بدأ منذ مدة تتراوح بين العشرة مليارات والخمسة عشر مليارًا من السنين...

وأنه كان فى البداية مؤلفا من سحب من ذرات الهيدروجين ( وهى أبسط الذرات وأخفها ) تسبح فى الفضاء...

إنطلاقا من تلك السحب تكونت الكواكب...

ونشأت فيها بفعل الحرارة الهائلة تفاعلات نووية حوّلت ذرات الهيدروجين إلى ذرّات أثقل من الهيليوم، وهذه بدورها إلى ذرّات أثقل من الكربون، وهلم جرا...

هكتذا تكثفت المادة تدريجيًا بظهور ذرّات تجمع عددًا أكبر فأكبر من الجسيمات فى نظام شبيه بالنظام الشمسى تدور فيه الإلكترونات حول النواة المؤلفة من البروتونات والنيوترونات، إلى أن تكوّن، فى قلب الكواكب، الإثنا وتسعون نوعا من الذرات الموجودة فى الطبيعة...

 

ولمّا تكونت أرضن، منذ حوالى أربعة مليارات ونصف من السنين وانخفضت تدريجيًا درجة الحرارة فيها...

أمكن للذرّات أن تتفاعل لتتكوّن منها مجموعات أكثر كثافة، ألا وهى الجزيئات...

ولكن عملية تكثيف المادة لم تقف عند هذا الحد...

فمنذ ثلاثة مليارات من السنين على وجه التقريب، بدأت الجزيئات تتحوّل، بفعل الأشعة الكونية، إلى بنى تفوق الجزيئات العادية كثافة، ألا وهى الجزيئات العضوية التى تؤلف بين الجزيئات العادية فتجمعها فى وحدات ضخمة، معقدة الترتيب، كالسكريات والحوامض الأمينية والهيوليات PROTIDES، وغيرها...

 

**********

ب - قفزة الحياة:

تجمعت تلك الجزيئات العضوية فى مياه البحار الساخنة. وكان تجمعها هذا تمهيدًا لحث بالغ الأهمية، لا يزال الغموض يكتنف ظروفه إلى الآن، حدث منذ مليارى عام على وجه التقريب، فغيّر وجه الكون، ألا وهو بروز الخلية الأولى...

إن حركة التكثيف المنظم، التى رأيناها تدفع المادة منذ نشأته، بلغت هنا درجة فائقة..

فالخلية الحيّة تؤلف بين جزيئات عديدة ضخمة من الهيوليات والشحميات والسكريات والفيتامينات وغيره، فى وحتدة متماسكة مركزة أروع تركيز، يتناسق فيها حوالى مليار من الجزيئات...

ولكن الأمر المدهش هو خاصة فى كون هذا التعقيد الفائق قد أدّى إلى ظهور نمط جديد من الوجود، يختلف نوعيًا بشكل جذرى عن الجوامد، ألا وهو الحياة...

فالخلية الحية تتمتع بميزات جديدة بالكلية:

فهى تحوّل إلى موادها الذاتية المواد التى تستمدها من الخارج، وتجدد باستمرار العناصر التى تتألف منها مع المحافظة على بنيته، وتنمو من الداخل، وتصلّح ذاتها إذا عطبت، وتتكيّف مع البيئة، وتتكاثر منتجة كائنات جديدة شبيهة بها...

تلك هى قفزة الحياة...

 

**********

ج - تطوّر الحياة:

 

من ذلك العالم، الصغير فى حجمه، الهائل فى تعقيده وتركيزه، انطلقت الحياة لترقى سلّما طويلة كان الإنسان قمتها...

وفى ترقيها هذ، ابعت الحياة السير فى الطريق التى رأينا المادة تسلكه، ألا وهى طريق التعقيد المتزايد...

فبعد الكائنات الحية الأولى ذات الخلية الواحدة، ظهرت كائنات تؤلّف بين خلايا متعدّدة فى وحدة منسجمة تعمل فيها العناصر كلها لخدمة المجموع...

 

وقد ازداد التعقيد بشكل ملحوظ عندما أخذت مجموعات من الخلاي، ضمن الكائن الواحد، تتخصص للقيام بوظيفة معينة، فتكونت الأجهزة، وعمل بإنسجام وترابط لصالح الجسم ككل...

وكان لا بد من جهاز يربط تلك الوظائف من جهة، وبينها وبين العالم الخارجى من جهة أخرى، فبرز الجهاز العصبى وتطوّر تدريجيًا نحو تكثيف وتركيز متزايدين، مما أدى إلى نمو الدماغ كمركز أساسى للجهاز العصبى، وإلى سيطرته التدريجية على المراكز العصبية الأخرى...

وبتطوّر الجهاز العصبى على هذا المنوال نمت قدرة الكائنات الحية على التكيّف مع بيئته، وازدادت الغرائز إتقانًا وبرز الذكاء وتزايدت حدته إلى أن بلغت أوجها فى أعلى مراتب القردة، كالشمبانزى مثل، التى بلغ دماغها درجة ملحوظة من النمو...

 

ذلك الترقى فى سلّم الكائنات الحية كان يتم، كما بيّن داروين وأوضح العلم الحديث، بواسطة تبديلات كانت تحصل من وقت إلى آخر فى الميزات الوراثية التى تحملها الخلايا التناسلية، وهذا ما يسمّى ب " التِغيارات الإحيائية" MUTATIONS، فتظهر عند الحيوان المنحدر من خلية من هذا النوع صفات جديدة...

وقد تخدم هذه الصفات فى الصراع من أجل البقاء، فيعمّّر وينقل صفاته الجديدة بالوراثة إلى نسله، فيثبت هذا فى الوجود ويتكاثر...

وقد تعيقه فى هذا الصراع، فيزول هو ونسله، وتزول معه صفاته " الإصطفاء الطبيعى" Natural Selection ...

وهكذا بتراكم " التِغيارات الإحيائية" نشأت شيئًا فشيئًا أنواع جديدة انتظمت فى هذا الخط التصاعدى الذى سبق وأوجزناه...

 

**********

د - قفزة الفكر:

 

إن عملية نمو الدماغ، التى أصبحت المحور الأساسى لحركة التعقيد المتزايد التى يتميّز بها التطوّر، بلغت ذروتها فى الإنسان الذى يتألف دماغه من حوالى أربعة عشر مليارًا من الخلايا ( أربعة أضعاف خلايا الشمبانزى تقريبًا )، مترابطة بعضها ببعض وبخلايا المراكز العصبية الدني، على  صورة شبكة إلكترونية هائلة التعقيد...

هكذا تأمنت الشروط اللازمة لقفزة لا تقل أهمية عن تلك التى حققتها الحياة، ألا وهى قفزة الفكر...

تلك القفزة التى تمت على مراحل منذ أكثر من حوالى مليون سنة، أوجدت نمطا جديدًا بالكلية من الوجود، وهو الوجود الإنسانى، وجود كائن يتميّز عن سائر الكائنات الحية بكونه، وحده، يعى ذاته، ويعى الكون كمتميّز عن ذاته، ولذا لم يعد كالحيوان، أسير أحاسيسه ودوافعه الغريزية، إنما أصبح كائنا ذا فكر وحرية، يُدْرك التطوّر ومكانه فيه ويأخذ على عاتقه مسئولية متابعته بوعيه وعمله الخلاق... 

 

**********

* التطوّر فى تعليله الأخير ومعناه:

 

إن العلم يثبت واقع التطوّر، كما أنه يوضّح العوامل التى تفسّر مراحله المختلفة...

لقد توصّل على اكتشاف العديد من تلك العوامل - وقد نوهنا ببعضها - وسيتوصّل بلا شك، بفضل جهود العلماء المتضافرة، إلى إلقاء المزيد من الأضواء على النقاط التى لا يزال يكتنفها الغموض، فتتوضّح اكثر فأكثر...

 

ولكن، إلى جانب التساؤلات التى يترتب على العلم أن يحيب عنه، فهناك تساؤلات من نوع آخر، لا تدخل فى نطاق العلم لأنها تُطرح من منظار يختلف عن منظاره...

فعندما يقول العلم بالتطوّر، يصف خطا تصاعديً، ويظهر كيف سلكت مادة الكون هذا الخط...

ولكنه لا يُبدى، وليس من شأنه كعلم أن يُبدى، لماذا كان هناك خط تصاعدى؟...

هكذا يبقى الباب مفتوحا أمام تساؤلين صميمين، ألا وهما:

ماهو التعليل الأخير للتطوّر؟...

هل للتطوّر مُبَرّر ومعنى؟...

 

أ - التطوّر لا يعلّل بمجرّد الصدفة:

 

جواب البعض عن السؤال الأول هو:

أن هذا التسلسل التصاعدى مرجعه الصدفة وحدها...

فبالصدفة تجمعت ذرات المادة بتعقيد متزايد، وبالصدفة تألّفت الخلية الحيّة، وبالصدفة تركب الدماغ الإنسانى...

كل ذلك سلسلة صدف، تعاقب أرقام رابحة فى يانصيب كونى يسيّر دواليبه حظ أعمى...

 

ولكن تلك النظرة الفلسفية، التى يعود أصلها على فلاسفة إغريقيين قدامى ك " ديموقريطوس"، لا تثبت أمام ما يكشفه العلم الحديث لنا عن مدى التعقيد والتنسيق الذى تتصف به خلية حيّة واحدة، لا بلّ جزئية واحدة من الجزيئات العضوية...

لذا نبذها معظم علماء اليوم، حتى من يدين منهم بالمذهب المادى...

فمثلاً نرى العالم البيولوجى السوفييتى الكبير " أوبارين" يدحض محاولة تفسير ظهور خلية حية واحدة بفعل الصدفة بقوله:

{ إن هذا الإفتراض شبيه بموقف إمرئ يخلط أحرف طباعة تمثّل ثمانية وعشرين حرفا أبجديًا ويحرّكه، راجيًا أنها بداعى الصدفة سوف تجتمع لتؤلف هذه وتلك من القصائد التى نعرفها }...

 

فإذا كان ظهور خلية واحدة بداعى الصدفة أمرًا مستحيل، كما يؤكد علم يدين بالمادية، فكيف نفسّر بالأحرى، بمجرّد فعل الصدفة، تدرّج الحياة المتواصل نحو أشكال أرقى فأرقى...

إذا اعتبرنا أن هذا التدرج إنما هو تتابع صدف موفقة، فمن أين للصدفة هذا الاستمرار والترتيب فى فعلها؟...

فكأننا نقول أن تبديلات طرأت صدفة على نص مبادئ الهندسة التى وضعها أقليدوس، أثناء نسخه من قبل ناسخين متتابعين ينقل أحدهما عن الآخر، تعاقبت بشكل متناسق من نسخة إلى نسخة حتى أوجدت بالتوالى كل اختراعات البشرية فى علم الهندسة وأدّت فى النهاية إلى بروز نظرية أينشتاين...

هذا مع العلم بأن خلية واحدة من الخلايا إنما هى أكثر تعقيدًا من نظرية أينشتاين، لأن العلم البشرى، بكلّ جبروته الحالى، لم يتوصّل حتى الآن، إلى إدراك سرّ تركيب واحدة منها...

 

**********