|
نشأته:
من الصعب تحديد تاريخ ميلاد إيرينيوس بالضبط، ولكن علماء
الآباء يرجحون أنه وُلد ما بين 135 - 145م، إذ يخبرنا إيرينيوس
نفسه أنه فى شبابه المبكر عرف القديس بوليكاربوس الذى كان تلميذًا
ليوحنا الرسول، وأن القديس يوحنا الرسول هو الذى أقام بوليكاربوس
أسقفًا على كنيسة سميرنا أو أزمير،
إذ سجل لنا يوسابيوس المؤرخ من بين ما سجل من كتابات القديس
إيرينيوس الرسالة التى كتبها القديس إيرينيوس إلى فلورينوس:
[
لأننى لما كنت صبيًا رأيتك فى آسيا السفلى مع بوليكاربوس تتحرك فى
عظمة الحاشية الملكية، ومحاولاً أن تنال رضاه. وإننى أتذكر حوادث
ذلك الوقت بوضوح أكثر من حوادث السنوات الأخيرة. لأن ما يتعلّمه
الصبيان يرسخ فى عقولهم. كذلك ففى إمكانى وصف نفس المكان الذى كان
يجلس فيه المغبوط بوليكاربوس وهو يلقى أحاديثه، ودخوله وخروجه،
وطريقة حياته، وهيئة جسمه، وأحاديثه للشعب، والوصف الذى قدمه عن
عِشرته ليوحنا، والآخرين الذين رأوا الرب، ولأن بوليكاربوس كان
متذكرًا كلماتهم، وما سمعه منهم عن الرب وعن معجزاته وتعاليمه
لاستلامها من شهود شهدوا بأعينهم كلمة الحياة، فقد روى كل شئ بما
يتفق مع الأسفار المقدسة. وإذ أصغيت إلى هذه الأمور برحمة الله
بانتباه كبير مسجلاً إياها ليس على ورقٍ بل فى قلبى صرتُ أرددها
على الدوام بأمانة بنعمة الله].
ومن هذه الكلمات يتضح تمامًا أن إيرينيوس اتصل بالعصر
الرسولى عن طريق القديس بوليكاربوس، وهذا ما أعده لكى يكون شاهدًا
أمينًا للتقليد الرسولى الذى استلمه بواسطة بوليكاربوس الذى كان
تلميذًا وصديقًا للقديس يوحنا الرسول وآخرين غيرهم من الذين رأوا
الرب. وبعد عدة سنوات من استشهاد القديس بوليكاربوس فى سنة 156م،
رحل إلى الغرب متجهًا إلى بلاد الغال (فرنسا حاليًا)، وربما يكون
قد مكث بعض الوقت فى روما وهو فى الطريق إلى فرنسا، وقد يكون تتلمذ
لبعض الوقت لمعلّمين مثل يوستينوس الذى كان فى روما فى تلك الفترة
قبل استشهاده. ثم بعد ذلك انتهى به المطاف إلى الغال.
وفى سنة 177م أرسله شهداء كنائس ليون وفيينا، الذين
كانوا فى السجن، إذ كان قسيسًا لكنيسة ليون، للتوسط فى الصراع الذى
نشأ بخصوص بدعة مونتانوس فى آسيا الصغرى. وكان يحمل رسالة كنائس
فيينا وليون إلى كنائس آسيا وفريجية، والتى يرى بعض العلماء أنها
من قلم إيرينيوس نفسه، وقد حُفظت أجزاء من هذه الرسالة فى تاريخ
يوسابيوس الكتاب الخامس: 1-3.
كما أن كنائس ليون وفيينا أرسلت رسالة أخرى إلى
إليفثريوس أسقف روما (175-189) بواسطة إيرينيوس، وقد شهد هؤلاء
المعترفون من السجن الشهادة التالية عن إيرينيوس فى هذه الرسالة:
[ أيها الأب إليفثريوس إننا مرة أخرى نرجو لك السلام من
الله على الدوام. ولقد طلبنا من أخينا ورفيقنا إيرينيوس أن يحمل
هذه الرسالة إليك، ونتوسل إليك أن توقره وقارًا كبيرًا لأنه مملوء
غيرةً على وديعة المسيح وعهده. فلو كان المركز يُضفى برًا على أى
واحد لكنا أوصينا، فهو به أول من يستحقون التوصية لكونه قسيس
الكنيسة وهذا هو مركزه].
وبعد أن رجع إيرينيوس من روما، فإن أسقف ليون المُسن
فوتيوس توفى شهيدًا، وصار إيرينيوس أسقفًا لليون خلفًا له.
 |