|
فهرس
الكتاب |
|
|
7 |
|
9 |
|
9 |
|
12 |
|
13 |
|
14 |
|
19 |
|
19 |
|
20 |
|
21 |
|
21 |
|
23 |
مقدمة
ما تتميز به الأرثوذكسية عن غيرها هي نظرتها الخاصة إلى الله
والإنسان والكون وعلاقاتها. لقد أصبحنا بعد الانشقاق مختلفين،
كما يقول الأب كونغار، مختلفين بفهمنا للعلاقة بين الإنسان
والله. والاختلاف في العقيدة ينشىء اختلافاً في الروحانية
والنهج. قلت رؤية. رؤية تعني إيماناً. وموضوع الإيمان المسيحي
ليس فقط الله بل الابن المتجسد ومن خلال التجسد موضوعه أيضاً
الإنسان الذي في الكون. هناك نظرة دينية في طبيعة الإنسان
وعلاقته بالنعمة ونظرة في وظيفة الكون ومصيره. قال الرسول :
"لنا فكر المسيح"، لنا رؤية المسيح إلى الكائنات. وهذه رؤية
الإيمان الحي. وكما قال ايفاغريوس: "من لم ير الله لا يستطع
التكلم عنه". المعنى ان الإيمان يحدث هذه المعاشرة لله فيحتك
الإنسان بمناهج الله ويتفهمها بقوة تفوق كل إدراك. هذا هو
الإيمان الذي لم يبدئ كمعرفة ولكنه صار خبرة عميقة حسب قول
غريغوريوس النيصصي : "الكائن المساهم -أي الله-يحوّل إلى ما
كان عليه بالطبيعة الكائن المساهم".
عندئذ الانسجام بيننا وبين
الله يتم باتخاذنا طرقه وطبيعته ويجعلنا نرى الوجود كما يراه.
هذا حاصل في الصلاة على قول ايفاغريوس: "إن كنت لاهوتياً تصلي
وإن صليت فأنت لاهوتي". هذه المعرفة الصميمية تنقلنا إلى باطن الله
وبالنتيجة إلى الإنسان. فليست هي آراء عن الله ولكنها حياة الله
فينا وبهذا المعنى قال النيصصي أيضاً: "المفاهيم تنشئ أصناماً عوض
الله. الذهول وحده يدرك شيئاً". هي رؤية الذاهل أمام السر. المفهوم
العقلي البحت يهتك السر ولكن بالرؤية الروحية نندهش. هذا حاصل عند
الإنسان أصلاً لأن "الإنسان في تركيبه يواجه لغز اللاهوت" كما قال
القديس فوتيوس الكبير: "الإنسان مفطور على الإلهيات لأنه حامل صورة
الله". الله شبيه بالإنسان كما يقول النصصي ونحن من نسل الله كما
ورد في الأعمال الإنسان قريب الله. بسبب ذلك وجد الإعلان الإلهي له
مقراً. الإعلان الإلهي يتكلم عن أمور الله التي لا يتفحصها إلا روح
الله. "ونحن أخذنا هذا الروح كما يقول الرسول لنعرف الأشياء
الموهبة لنا من الله". بما فينا من شبه الله نستطيع أن نتقبل ما
يعلِّمه الروح القدس وإلا كان الروح يزرع في تربة غير صالحة. فبدون
الله يصبح العقل شبيهاً بالحيوان والشياطين. وبهذه الهبة الإلهية
التي فينا نستطيع أن نكوِّن عن الله رؤية.
الرؤية الأرثوذكسية لله
يمكن أن نتكلم عنه بالنعم أو باللا.
يمكن أن أقول: ما هو الله، ما هي صفاته، وأن أقول: ما ليس الله.
الله وراء كل الموجودات فأعرفه أن شبهته بالموجودات وأعرفه أن
أنكرت ما دونه. بالتقرير أعرفه وبالجهالة أعرفه.
اللاهوت التنزيهي:
أنفي الكيانات من المراتب السفلى إلى المراتب العليا. أنفيها كلها
لادنو من المجهول في عتمة الجهالة الكلية. بنكران الحسيات
والمعقولات أستطيع أن أتحد مع من كان فوق كل كيان وكل علم. بالتطهر
والقداسة نصل إلى الظلمات التي يسكنها من كان خارجاً عن كل
الموجود. نحن مع الله فوق كل إدراك وكل رؤية. والإنسان في هذه
الحال غريب عن كل شيء وعن نفسه ومتحد بخير ما عنده، متحد بمن يعلو
كل معرفة. هذا ما يسمونه باللاهوت التنزيهي. أنزه الله عن
الموجودات وعن صفات الموجود وهكذا أرتقي إليه حتى أصل إلى الجهالة
الكلية، إلى الظلمة التي يسكنها الله وعندئذ أعرفه بالحب. لا شك أن
هناك الطريقة التقريرية طريقة المواقف كما يسمونها عند الآباء
فننحدر من الدرجات العليا إلى الدرجات الدنيا. وهناك طريقة
التجريدات فنصعد من الموجود إلى الألوهة غير القابلة للإدراك. من
هذه الناحية، الناحية التجريدية التنزيهية ليس الله واحداً ولا
وحدة. هو فوق التمييز بين الواحد والمتعدد. هو الأسمى، هو الثالوث
والثالوث ليس مفهوماً حسابياً هو أن الله يظهر لنا كأقانيم ثلاثة.
هذا هو الوجه الذي يعبِّر فيه عن نفس الإنسان. هذه هي الطريقة التي
أراد أن يتصل بها بالإنسان ولكن لا يمكن أن نقول أن الله واحد أو
الله ثلاثة في نفسه. الله ليس واحداً ولا اثنين ولا ثلاثة ولا
أربعة. كل مفهوم الحساب لا يمكن أن ينطبق عليه. ولذلك عندما ناقش
مسلم أحد المسيحيين، بعيد ظهور الإسلام في سوريا، في طبيعة الله
قال له المسيحي: التثليث عندنا ليس حسابياً وقد تكون الوحدانية
حسابية. الله ليس واحداً وليس ثلاثة. الله ليس. "ليس مثله شيء".
الآباء الكابادوكيون كباسيليوس وغريغوريوس النيصصي حاربوا أفنوميوس
لأنه قال بأن جوهر الله بل الجواهر المخلوقة لا يمكن ردها إلى
مفاهيم. في الأشياء كلها أساس لا يفهم وبالنهاية نظرتنا إلى
الأشياء نفسها وبنوع أخص إلى الأشخاص نظرة سرية. الأشياء كلها
محاطة بسر وكم بالحري الناس. ولذلك العلم لا يدرك إلا الأمور
السطحية من الكون. النظرة الروحية الصوفية إلى الشيء وإلى الإنسان
هي النظرة الأخيرة. المفاهيم التي نكوِّنها عن الله حسب عقلنا
البشري وبالاستناد إلى التصور العقلي المحض هذه كلها أصنام والنفس
ترتقي من مفهوم إلى مفهوم كالعروس في النشيد التي تطلب من لا
تستطيع الوصول إليه وهي تعي أن الاتحاد لا نهاية له والارتقاء لا
حد له. قال غريغوريوس اللاهوتي في تكلمه عن موسى وبلسان موسى: "كنت
أتقدم لأعرف الله ولذلك انفصلت عن المادة وعن كل ما هو جسدي، جمعت
نفسي ما استطعت في داخلي وصرت أرتقي إلى قمة الجبل -يتكلم عن صعود
موسى إلى الجبل عندما أخذ الشريعة-. ولكن عندما فتحت عيني، بصعوبة
استطعت أن أراه من القفا لأنه كان مغطى بالحجر أي بناسوت الكلمة
المتجسد من أجل خلاصنا. لم أستطع أن أتأمل الطبيعة الأولى والكلية
النقاوة التي لا يعرفها إلا نفسها أي الثالوث الأقدس لأني لا
أستطيع أن أتأمل ما هو وراء الحجاب الأول الذي تخفيه الشاروبيم،
ولكن أستطيع أن أرى ما ينزل إلينا، البهاء الإلهي الذي يجعل نفسه
منظوراً في المخلوقات".
|
فاللاهوت من هذه الناحية ليس معلومات عن الله ولكنه خبرة ما يفوق
العقل ولذلك ليس لاهوتياً من يحمل فقط شهادة من معهد لاهوتي. إنه
نكران لكل لاهوت عقلي بحت يكيِّف أسرار الملكوت بالعقل البشري.
اللاهوتي إنسان متجدد. طريق التكلم بالإلهيات هو التأله نفسه ولذلك
أعطت الكنيسة المسيحية اسم لاهوتيين إلى أشخاص لم يدخلوا معاهد
جامعية وأعطت هذا اللقب لثلاثة منهم فقط: الرسول يوحنا وغريغوريوس
النازينزي وسمعان اللاهوتي الجديد. وإذا قلنا أن الله يُعرف
بالارتقاء إليه وأن المعرفة هي معرفة داخلية باطنية اتحادية وليست
بمعرفة عقلية، كان علينا أن نقرر دور اللاهوت التقريري الذي يجعلنا
مثلاً أن نقول بأن الله صالح أو بأن الله عظيم.
اللاهوت التقريري:
هذه سلم نازلة، هذه هي ظهورات الله لنا. الله يظهر لنا ولذلك يمكن
أن نقرر عنه شيئاً. ولكن كما قال ذيونيسيوس الأريوباغي: "في ناسوت
المسيح، الفائق الجوهر ظهر في الجوهر البشري ولكنه مازال خفياً بعد
هذا الظهور أو في هذا الظهور نفسه". الألوهة التي تفوق الجوهر في
المسيح بعد التجسد بقيت خفية بالرغم من الظهور أو في هذا الظهور.
الظهورات الإلهية تظهر الله فيما ليس هو عليه. فأسماء الله مثلاً،
صفات الله، ليست معلومات عقلية، مفاهيم تعطينا علماً إيجابياً عن
طبيعة الله ولكنها صور -الله صالح أو عظيم أو وديع- أو أفكار صالحة
لتكيف قوانا العقلية وتقودنا إلى تأمل ما يفوق العقل. ولذلك إن
ظننا أن الله عظيم على طريقة عظماء هذا الدهر أو الله صالح ولكن
صلاحه خير بكثير من صلاحنا نحن نكون مخطئين. الله صالح أو محب أو
إلى ما ذلك بطريقة تفوق العقل كثيراً جداً. ولذلك هذه الأسماء، هذه
الصفات إنما هي مراق، درجات لنرتقي عليها عن طريق التصور وعن طريق
الفكر لنصل إلى ما نصل إليه، لنصل إلى الظلمات، لنصل إلى الاتحاد،
لنصل إلى الالتصاق. هذا ما يقودنا إلى القول بأن الكتاب المقدس فيه
آيات تجعلنا نقول أن الله يُدنى منه وفيه آيات تجعلنا نقول أن الله
لا يدنى منه.
التضاد في العقيدة:
وجملة، إن أردتم أن تفهموا شيئاً من المسيحية يجب أن تعرفوا أن
المسيحية كل عقائدها متضادة. نقرر أن الله واحد وأنه ثالوث. نقرر
أن الله يدنى منه ونقرر أنه لا يدنى منه وذلك بآن واحد. هذا ليس
بتناقض ولكن هذا تضاد. هذه أشياء يجب أن تقال معاً بآن واحد وإذا
قيلت معاً فالحقيقة هي بالتقائها. الحقيقة هي بجمع المتضادين ولكن
الجمع بين المتضادين لا يتوفر للإنسان على المرتبة العقلية، على
المستوى العقلي بالحس الروحي، بالخبرة الاتحادية، بخبرة الحب بيننا
وبين الله. الكنيسة منظورة وغير منظورة. هذا أيضاً لاهوتي متضاد.
أسرار الكنيسة مادية وغير مادية. كيف تجمع المادة إلى ما ليس
بمادة؟ الإنسان العادي -أنا وأنتم- الإنسان معروف ومجهول. لا نعرفه
حتى النهاية وحتى في الأمور التي نعرفها عنه يبقى هناك عنصر مجهول.
وهذا العنصر المجهول في الإنسان الذي لا يعبر عنه لا يمكن أن يدرك
إلا إذا اتحدنا مع هذا الإنسان وصرنا فيه وصار هو فينا. المعرفة
بالنهاية ليست تبسيطاً، ليست شرحاً. الشرح لا ينقل معرفة، الشرح
ينقل رموزاً عن الشخص أو عن الشيء الذي نريد أن نعرفه. هذه الرموز
كفيلة بأن تنقل الإنسان إلى داخل الشيء أو إلى داخل الشخص أو إلى
داخل الله.
هل من اتصال بالله؟:
كيف يُتصل بالله والرسول بطرس يقول: "إننا مشاركون للطبيعة
الإلهية"؟ هناك إذاً إمكان اتصال. نحن نعرف أننا لا نستطيع أن نصل
إلى الجوهر الإلهي أو أن نصبح أقانيم إلهية لأن الهوة قائمة بين
الخالق والمخلوق. والمخلوق مخلوق إلى الأبد ولن يكون إلهاً في
طبعه، في جوهره. ولكن مع ذلك يقول الرسول أنه يجب أن نشترك في
الطبيعة الإلهية. من هنا نشأت عند الآباء القديسين منذ عصرهم
الذهبي وحتى منذ القرن الثاني عند ايريناوس، هذه العقيدة التي قررت
في القرن الرابع عشر وهي أن الله له جوهر وله قوى. في جوهره، الله
لا يساهم، لا نشترك به لأننا إن فعلنا ذلك فقد انتقلنا إلى هذا
الجوهر وصرنا منه وعندئذ لسنا بمخلوقين. ولكن في الله ما نساهم به.
قال باسيليوس: "إذا كانت قوى الله تنزل إلينا فجوهره لا يُدنى
منه". الله يفيض علينا بشيء منه لنستطيع أن نتحد به ولذلك ما يفيض
الله به علينا ويغمرنا به هذا ما نسميه قواه وهاذ ما يسميه العهد
القديم أو الكتاب المقدس جملة مجد الله. مجد الله يظهر منه إلى
خارج الثالوث. هذا هو نور التجلي. نور التجلي الذي تجلى به المسيح
في ناسوته كان ضياء الله على ناسوت المسيح، كان من الله نفسه.
الأبرار يتلألأون كالشمس يقول إنجيل متى. |
|
وإذا كان الأمر غير ذلك،
إذا كان الله لا يفيض علينا من نفسه فنحن لسنا مشتركين مع الله.
توما الأكويني ومن بعده اللاهوت الغربي قاطبة يقول أن النعمة
الإلهية مخلوقة، إنها شيء يعطيه الله من خارج نفسه. إنها مخلوقة
كهذا الكون المادي. ويقول أن نور التجلي مخلوق. فإذ كان الأمر كذلك
فليس هناك من جسر بينا وبين الله. إذا كانت النعمة التي فينا عملاً
إلهياً وليست هي الله نفسه فنحن لسنا مع الله والهوة قائمة أبداً
بيننا وبينه. ولذلك كان ينبغي أن تكون النعمة التي فينا من الله
نفسه أي تياراً منحدراً منه، من صميمه. كان ينبغي أن تكون منه وكان
ينبغي بآن واحد أن لا تكون من جوهره، أن لا تكون من جوهره وهذا هو
التضاد في هذه العقيدة. إذاً نستطيع أن نساهم الله، أن نساهمه، أن
نشترك معه في صميمه، في حياته الداخلية، أن نساهمه كله، أن نعب منه
كله وأن نمتلئ من حياته كلها. هذا واجب حتى يكون للتجسد معنى وكان
يجب أيضاً أن يبقى الله في جوهره غير مدنو إليه. في الغرب قالوا
بالطبيعة وبما يفوق الطبيعة. قالوا بأن الإنسان الأول مخلوق
بالطبيعة ويضفي الله عليه من نعمته هبة خارجة عن الطبيعة
الإنسانية. ولذلك إذا أخطأ الإنسان بقي على طبيعته وسحبت منه هذه
الهبة الفائقة الطبيعة. في الشرق ليس من طبيعة وما يفوق الطبيعة.
في الشرق خالق ومخلوق ولكن المخلوق في طبيعته إلهي، في طبيعته حامل
صورة الله. الطبيعة الإنسانية نفسها مفطورة على الإلهيات ولذلك بعد
أن يخطئ الإنسان لا يرد إلى طبيعته ولكن يصبح دون طبيعته. الطبيعة
الأصلية فيه تتشوه والإنسان الخاطئ ليس على أصله الطبيعي. فالخلائق
وجدت بشعاع إلهي -وهذا يولد فروقات كبيرة في لاهوت الخطيئة ولاهوت
الخلاص- واتصلت قوة الله بما ليس إلهاً بالمخلوقات. العالم هذا
الخارجي لا ينبثق من القوات الإلهية انبثاقاً ولكنه يخرج منها بفعل
إرادة الله. وهذا هو الفرق بين ولادة الابن وانبثاق الروح من الآب
وظهور المخلوقات. لو كانت المخلوقات تنبعث عن مجد الله أو عن قوى
الله من ذاتها تلقائياً لكانت مساوية للابن وللروح القدس. ولكن
بإرادة الله تخرج المخلوقات عن قوى الله أو عن مجد الله.
الرؤية للإنسان
الخلق من عدم:
أما الخلق، خلق الإنسان والكون، فهو من الإيمان وليس من الفلسفة.
الفلسفة لا تعلم الخلق. وتعلمون أن الفلسفة الأغريقية ليس فيها أثر
لعقيدة الخلق ولكن الآلهة هندست هذا الكون من مادة سابقة ولذلك أن
نقول أن الله هو مهندس الكون الأعظم -كما يقولون في الماسونية
مثلاً- هذا من الأغريقية وليس من المسيحية لأن الله خالق الكون.
الكون خرج من العدم -وهذا كما قلت من الإيمان- وله ابتداء. الله
خلق الكون بالفكر والفكر يصبح عملاً كما يقول الدمشقي. "الله تأمل
الأشياء قبل وجودها وتصورها بفكره واكتسب كل كائن الوجود في وقت
محدد حسب فكره المريد الذي هو سابق تحديد ووصورة نموذج"، هذا ما
يقوله الدمشقي أيضاً. الكائنات أي فكر الأشياء، صور الأشياء ليست
في الجوهر الإلهي بل في القوى الإلهية الصادرة عنه. لأن العالم لو
كان كما يقول أغسطين في الجوهر الإلهي كفكرة سابقة للخلق لكان
العالم الله. إذاً العالم لا يمكن أن يكون في جوهر الله. ولكن
العالم يمكن أن يكون في القوى الصادرة عن الله وإن كانت صادرة من
صميمه هو. في هذه القوى ينتج بفعلها ولكن ينتج من إرادة إلهية، من
قصد إلهي ولا ينبثق انبثاقاً عن الجوهر الإلهي. هذه "الفِكِر
المريدة"، الفِكَر عن العالم، ليست الأشياء نفسها. ولكن كل شيء في
هذا العالم لما خلق بفكر مريد من الله يستجيب للمحبة الإلهية حسب
طبيعته. وهنا نلتقي مع بعض الأغريق. كل شيء في العالم يستجيب لمحبة
الله ولكن كل شيء حسب رتبته.
|
الإنسان:
والإنسان بالطبع يستجيب لمحبة الله أكثر من كل المخلوقات ولذلك
أمكن القول أن كل المخلوقات مشدودة بعضها إلى بعض من المراتب
السفلى إلى المراتب العليا بالحب. كل كائن في حركة نحو الله، كل
كائن متصل به. هذه هي فكرته، "اللوغوس" الذي في كل شيء، هذه هي
فكرته، هذا هو نموذجه. وكل نماذج المخلوقات، على صور المخلوقات
كائنة في الكلمة الإلهي الذي هو تعبير عن الله. ولذا يمكن أن يرتقي
الإنسان من سر المخلوقات الوضيعة إلى سر الله. والإنسان بالطبع
مركز الكائنات هذه. وأما الإنسان فاسمه لا ينطبق على النفس أو
الجسد منفصلين ولكن عليهما جميعاً لأنهما معاً خلقا على صورة الله
كما يقول القديس غريغوريوس بالاماس. الإنسان ليس النفس وليس الجسد
منفصلين ولكنه النفس والجسد كلاهما والنفس والجسد معاً خلقا على
صورة الله. وصورة الله في الإنسان لا تحدد ولا ينطق بها حقيقة.
فإذا كان الله لا يُنطق به فصورته أيضاً لا ينطق بها.
الجنس البشري كله هو
على صورة الله:
والإنسان المخلوق، آدم، ليس إنساناً منفرداً خاصاً ولكنه الإنسان
الكوني، الإنسان الجامع. نعمة الصورة الإلهية حلت على كل الجنس
البشري. وإذا شئتم الجنس البشري كله مجتمعاً هو صورة الله.
فالإنسان المصنوع على صورة الله هو الطبيعة ككل. هذا، أي الإنسان
الكلي الشامل الجامع، هذا يحمل نسبة الله. وحقاً الصورة تكتمل فينا
إذا صارت الطبيعة التي فينا شبيهة بالله واكتسبت كل الخيرات
الإلهية. فللناس طبيعة واحدة في أقانيم إنسانية مختلفة. صورة الله
تكتمل فينا إذا اتحدنا جميعنا بعضاً ببعض. تكتمل فينا إذا أحببنا
بعضنا بعضاً ولذلك لا نصبح جسماً إنسانياً واحداً متكاملاً متراصاً
إلا إذا صرنا جسماً متحاباً. ولذلك فالكنيسة أي الإنسانية
المفتداة، الكاملة، الشاملة، الكنيسة بالنهاية هي صورة الله ولذلك
الكنيسة هي جسد الله، هي استمرار الله في الوجود، هي مظهر الله
الحقيقي.
الخطيئة والسقوط:
الإنسان شخص حر أمام الله وغايته أن يصبح إلهاً. قال باسيليوس
الكبير: "إن الإنسان اقتبل من الله أمراً ليصبح إلهاً". ولكنه
يستطيع أن ينكر إرادة الله. ومع ذلك تبقى صورة الله فينا لأنها إن
ذهبت ذهبنا وليس لنا وجود. صرنا بالخطيئة على غير صورة الله. فعلى
صورة من نكون؟ إن ذهبت هذه الصورة كلياً بالخطيئة نتلاشى لأننا لا
نثبت إلا فيه وبه وهو معنانا. ولكن يمكن للصورة أن تظلم، لمكنها أن
تدلهم، أن تتشوه، وهذا ما كان بالخطيئة. ولكن الإنسان خلق كاملاً
ليس بمعنى أنه كان قريباً من الله قرابة عظيمة. خلق كاملاً على
المستوى البشري أن كان بإمكان الإنسان أن يتحد بالألوهة. ولكن كان
عليه أن يصبح إلهاً بالنعمة، كان عليه أن يستغل صورة الله فيه
فيجعلها شبهاً. ولذلك قال الآباء أن الإنسان خسر شبه الله، خسر
التحرك نحو الله. فالصورة إن أردتم هي الصورة الساكنة والشبه أو
المثال هو العنصر الدينامي المتحرك نحو الله. التحرك نحو الله تعطل
بالخطيئة ولكن بقيت الصورة ولو مشوهة. هذا الإنسان اختلف الآباء في
تحديد عناصره. فقال بعضهم أنه نفس وروح وجسد. والحق أن الاختلاف
إسمي وليس حقيقاً. وبولس الرسول تكلم عن نفس وروح وجسد. بالحقيقة
الذين يتكلمون عن الروح في الإنسان كمميزة عن النفس إنما يقصدون
بها أعلى مراتب النفس، النفس في المراتب التي تتصل بها في الألوهة.
وواضح من الرسول ومن العهد الجديد جملة أن الإنسان كله نفس وجسد
وإذا كان هذا الإنسان الشامل تحت تأثير الروح القديس فيسمى روحاً.
هذا الإنسان داخل الشر إليه بإرادته. والخطيئة جعلت الإرادة مريضة
وظن الإنسان خيراً، ما كان شبح الخير، ما كان ظل الخير، ما كان
صورة كاريكاتورية عن الخير. وهذا هو الإغراء في الخطيئة. إننا
نشتهي ما نظنه خيراً في الوقت الذي نشتهيه. دخلت الخطيئة إلى
العالم بالشيطان الذي يريد العدم بإرادة خارجة عن الإنسان.
والخطيئة هي التعدي، وبمعنى أعمق الخطيئة هي أن نخالف الطبيعة
التواقة فينا إلى الله. فأغلقنا الطريق دون النعمة وأوصدنا الباب
دون النور الإلهي. فعوضاًَ أن يكون الله قطبنا الأوحد صارت الخطيئة
قطباً آخر فينا. |
|
المسيح هو المخلص:
الإنسان هو الذي فتح الجحيم على الخليقة فصارت الخليقة في ليل دامس
وصارت النعمة غريبة عن الإنسان. في العهد القديم وفي الحضارات
الوثنية كان لها آثار مخلوقة في النفس ولكن البشر لم يكتسبوها
شخصياً لأن الروح لم يكن قد أُعطي. فأخفق آدم. فكان على آدم الجديد
أن يأتي للخلاص والتأليه. وبالنهاية آدم الجديد هو نقطة اللقاء بين
الله والإنسان. المسيح يسوع هو الكائن الوحيدة الذي نستطيع من
خلاله أن نتبيّن ما هو الإنسان وما هو الله لأنه الوحيد الذي كان
الإنسان الكامل والإله الكامل له المجد فينا إلى الأبد آمين.
تم طبع هذا الكتاب في شهر حزيران
1982
مطبعة النور |