سر التدبير الإلهي

الــتجســـد

الشماس اسبيرو جبور

مقدمة

الأخوة الأحباء في البلمند وطرابلس واللاذقية ألحّوا عليّ جداً في العام الماضي بنشر مؤلفي في التجسد الإلهي. ولم أستطع أن أقاوم رغبتهم الغالية. فاستعنت فوراً بالأخ العزيز إيليا شلهوب لموافاتي بنسخة من كتاب ايفانس عن لاونديوس البيزنطي –طال انتظاري لها- فوافاني بها على جناح السرعة.

لقد سبق لي أن ترجمت مقالاً لاستاذي المرحوم بول افدوكيموف ظهر في "النور" الغراء (العام 1947). وفي عهد المثلث الطوباوي البطريرك ثيودوسيوس قمت في العام 1965 بكتابة المقال اللاهوتي للنعمة فكانت 4 منها في سر التجسد. وفي العام 1967 كتبت له عظة الفصح ومقالاً عنه ظهراً في عدد أيار من مجلة "النعمة". وفي فصح 1968 كتبت له المنشور الفصحي الموزع في دمشق.

وكتبت أيضاً القسم اللاهوتي في كتاب التعليم المسيحي في صف البكالوريا بسوريا (1965). وفي أيلول 1972 ظهر لي في "ملحق النهار" مقال مكثف جداً عن مرحلة ما بعد المجمع الرابع المسكوني. وفي 18/4/19777 ألقيت في ندوة أحباء في طرابلس حديثاً عن "ما بعد خلقيدونية". وفي العام 1965-1966 صببت المقالات الأربع كتاباً. فقدت أصله وبقيت نسخة ناقصة قليلاً عنه. وطلب مني إعداد محاضرة عن الفرق المسيحية قبل الفتح العربي للإلقاء في كلية التاريخ في الجامعة اللبنانية بطرابلس فكان أمر. فألقاها أحدهم.

هذا كله لم يدخل -كما هو- في هذا الكتاب وإلا كان مؤلفاً صناعياً. فكان لا بد من صب الأمور صبة جديدة إلى حد كبير وإعادة النظر في الموضوع بصورة شاملة. فالموضوع المطروح لا يقبل مني إلا أن أذيب دماغي مجدداً في مطالعة مئات بل آلاف الصفحات أن أنسحق في الصلاة وتأمل أنوار القضايا اللاهوتية المطروحة التي لا يجوز أن أرفع فهمي إليها إلا متوكلاً على رحمة الله ومكحلاً عيني المظلمتين بنور الروح القدس. هذا السر أي سر تدبير الله لم يتعلمه الملائكة إلا في الكنيسة [1]. فمن أنا لكي أتنطس للمهمة؟ فمنذ سنوات أتردد جداً في تجشم المشقة مع أني طالعت بعد 1966 ألوفاً من الصفحات وأعددت الملفات.

وقفت أمامها مثقلاً لعدة أسباب منها:

1.      لم يعد نظري -كما كان قبلاً- قادراً على السياحة بلمحات بصر بين صفحات الكتب مهما تعدّدت أمامي على طاولة واحدة.

2.      كلما أعدت مطالعة المخطوط وجدته عسير الفم، يزيده تعقيداً أسلوبي الحقوقي الرفيع السوية في المرافعات الحقوقية. وتفكيكه صار عسيراً علي.

3.      قناعتي بأن المسيحيين العرب تهافتوا -ككل العرب- منذ عصر النهضة على ظواهر الثقافة الغربية، فذهلوا بعلومها وحضارتها المادية ولم ينفذوا إلى جوهرها. ولذلك نالوا قسطاً مما ذكر، بينما بقوا بلا فكر عميق. ومن أين لهم ولسواهم الفكر العميق إن لم يعودوا إلى الفكر الأصيل في الفلسفة اليونانية وآباء الكنيسة؟ لذلك بقوا بلا فكر ديني وجافوا في مطالعة الكتب الدينية حتى صار الدين لديهم قشوراً كما كان في العصر العثماني كما وصفه أنعام الجندي:
"كان الحكم العثماني أعدى أعداء الفكر والمعرفة مهما كانت بسيطة. وقد شهدت بلادنا زوال مؤسساتها الفكرية والاجتماعية زوالاً تاماً[2]".
وفي العلوم الدينية مازلنا على هذا. فمنذ ظهور كتاب "الهداية القويمة إلى الأمانة المستقيمة" لبطريرك أورشليم أنثيموس (العام 1791) لا أعرف للأرثوذكس أثراً لاهوتياً قيّماً خالياً من الأخطاء. وليس حال سوانا بأفضل منا، مع أن القارئ الكريم سيرى في متن الكتاب أن اللاهوت نشاء في ديارنا، في الأرض الواقعة بين الإسكندرية وأنطاكية فكبدوكية.

4.      صعوبة تصريف الكتاب الديني لأن مطالعة الجرائد والمجلات تكتسح اهتمام الناس وتتفق مع مزاجهم السطحي ورغبتهم في الإطلاع على التوافه من حال الناس والمجتمعات[3].

ولكن حب البلمنديين والطرابلسيين واللاذقيين للمعرفة اللاهوتية والتعمق اللاهوتي تغلب على اعتراضاتي. وإذا استمر معهد اللاهوت في البلمند على نشاطه المعهود خلال هذا العام مشمولاً بدعم غبطة البطريرك الياس الرابع السامي الاحترام، فلا أستبعد أن نكون مع إطلالة القرن الحادي والعشرين مزودين بلاهوتيين عميقين. فغبطته صاحب الفضل الأكبر في إقناع المثلث الرحمة المطران أنطونيوس بشير برصد ربع مليون دولار لإنشائه. وكان ذلك في 20/5/1964 في فندق سيميراميس في دمشق، بحضور صاحب السيادة مطران طرابلس الياس وحضوري. وكرر -رحمه الله- الوعد أمام المثلث الرحمة المطران أغناطيوس حريكي وصحبه من المطارنة على ماجاء في رسالة الأخير إليّ في 1/7/1964. ومازال غبطته يضع معهد اللاهوت على رأس اهتماماته حصراً.

وبعد هذا الاستطراد أعود إلى الموضوع. لقد راعيت في الكتاب القارئ العربي قدر المستطاع. فتخليت كثيراً عن قالبي الحقوقي واللغوي لأكون مفهوماً قدر الإمكان. ولم أستفض أو أستنفد كل الموضوع. فظروف الطباعة تفرض ذاتها عليّ. فلو أردت إيراد كل ما في ذهني من الحواشي لجاء الكتاب في 4/5 حواشي أغلبها الساحق في اللغات الأجنبية. ومن جهة أخرى فالقارئ العربي لا يتحمل بعد هذا اللون من التفكير اللاهوتي العميق. فقد انقطع عن تراثه الأصيل المكتوب أساساً في اللغة اليونانية. فأنقل الأن إليه ما صنعه أجداده ونقله عنهم الأوروبيون ومسيحو العالم كتلاميذ في مدرسة أولئك الأجداد الأبرار. فهو لذلك آبائي قلما يستشهد بالكتاب المقدس.

وهذه خطتي العامة:

القسم الأول إطالة للمحاضرتين المذكورتين. هو اضعافهما. إلا أني حافظت على الأسلوب الخطابي لتسلس وعورة الموضوع. فهو إجمالاً تاريخ للعقيدة. المقالات الأربع في مجلة "النعمة" محبوكة بصورة يتعذر عليّ فكها. فالحواشي فيها فاحشة. والأسلوب متين. وإعادة طبعها عسيرة. فاكتفيت بتقسيمها إلى فقرات كثيرة، وتصحيح الأخطاء الطباعية والسهو، وحذف أجزاء لتصبح فصولاً جديدة. وإعادة النظر كلياً أو جزئياً هنا أو هناك، وحذف بعض الفقرات نهائياً لعدم اللزوم إليها.

وأعدت صب الفصل المتعلق باستعمال القديس كيرلس الإسكندري للألفاظ اللاهوتية حتى عاد سلساً نسبياً ومفوماً. وحذفت مناقشة. وأبقيت إجمالاً على فصل "الأقنوم". إلا أنه عسير جداً على غير الاختصاصيين. ومع هذا مهّدت له بالحديث، في عدة فصول، عن "الأقنوم". فأضحى هذا الفصل تتمة له. فمن شاء كدَّ ذهنه ليفهم فليكده. وقد جعلته الفصل الأخير لعل الله ينير المطالع للفصول السابقة فيحتمل وعورة هذا الفصل.

أما ما كتبته للمرحوم ثيودوسيوس وظهر باسمه فخضع لحذف مقاطع.

واكتفيت بالقدر الوارد في هذا الكتاب ولو جاء ناقصاً. ومع هذا فهو الآن أضعاف كتاب 1966 غالباً.

أما طريقة التأليف فهي خاصة جداً. فأنا قادر على التأليف بدقة علمية أوروبية وترتيب أوروبي دقيق كأن الأمر رياضيات أو فيزياء. إلا أني أرفض رفضاً قاطعاً أن أسلك هذا السبيل في اللاهوت. هذا علم الإلهيات. يسوع قال أنه "الحياة" (يوحنا 14: 6). فكيف أتحدث عنه بلغة الجماد والحيوان؟ وقد سلخت عمري الديني في مطالعة الكتاب المقدس وآباء الكنيسة والبرية، فتعلمت أن أجعل حديثي في الإلهيات صلاة وتسبيحاً وتمجيداً في ذهول بمن أحبنا وبذل نفسه عنا. فلا أرضى في اللاهوت أن أكون تلميذاً أوغست كونت وأسلافه وخلفائه بل تلميذ قيثارات الروح القدس الآباء الملهمين عاشقي الله المتيمين. فمن أنعم الله عليهم بعشق الله -كالآباء- لا يذكرون اسمه إلا وهم خاشعون ساجدون. ففي عماوس تعلمنا كيف نسمع الكتاب المقدس: "أو لم تكن قلوبنا مضطربة فينا، إذ كان يخاطبنا في الطريق، ويفسّر لنا الكتب؟" (لوقا 24: 32). القلب المبرد لا يستقبل يسوع وكلامه. يسوع ينزل كنار لاهبة.

وقد استعملت أسلوباً تربوياً-نفسياً يساعد الشرقي على التذكر. فالتكرار الصرف أو التكرار الناقص هنا وهناك يذكران القارئ بما سبق أن قرأه. فقد يرى فروع الموضوع الواحد هنا وهناك.

ومسائل التجسد الإلهي هي التي مزّقت شرقنا فرقاً. ومع اعمادي نسبة ممكنة من الموضوعية والحياد، أبقى أرثوذكسياً حتى مخيخ العظام. ولجهة الأقباط والأرمن والسريان والأحباش عرضت الموضوع بأقصى حدود النزاهة مبيناً سطحية الخلاف. وقد التقى لاهوتيون منهم ومنا في الأعوام 1964 و1967 و1970 و1971 و1972. وأجروا في العامين 1964 و1967 دراسات لاهوتية وصدرت عنهم توصيات وحدويّة تعلن وحدة الإيمان الأساسية[4].

لكني لم أستعمل لهم اسم "غير الخلقيدونيين". فالنساطرة أيضاً ومن سبقهم غير خلقيدونيين. آثرت الإبقاء على اسمهم المشهور "يعاقبة" (نسبة إلى يعقوب البرادعي) وإن كان هذا من رجال القرن السادس لا الخامس. المسألة اصطلاح لأتجنب ما شاع عنهم من تسمية "القائلين بالطبيعة الواحدة" أو "المونوفيزيقيين" ولكن استغربت التصريح الذي صدر عن اجتماعهم بلاهوتيين كاثوليك كبار في فيينا من 7 إلى 12 أيلول 1971 تعود فيه نغمة الخلاف على الألفاظ، مع أنها حلت في لقاءاتنا. ونحن والكاثوليك واحد في هذا الباب. وكان حاضراً غريلمايير سيد هذه الحلبة؛ فكيف قبل بهذا البيان السطحي مع أن الدراسة استغرقت 170 صحفة[5] ؟[6]

وفي ختام هذه المقدمة ألفت انتباه القارئ الكريم إلى أمر بالغ الخطورة. الأغلبية الساحقة تتوهم أن الدين يتطلب بساطة. وهذا منتهى الضلال إن قصدنا بالبساطة الغفلة والجهل والسذاجة. فالمعرفة اللاهوتية هي أعلى درجات المعرفة. بل هي فوق كل معرفة لأن العقل عاجز عن إدراكها. الروح القدس وحده يمنحنا إياها إكليلاً لشوقنا وجهدنا. وقد شكا إلي أحباء كثيرون عسر كتابي "يهو أم يسوع" مع أنه نزل إلى أدنى حد ممكن من التبسيط. وإنما تحتاج كتبي إلى تجنب لأسلوب مطالعة الجرائد والمجلات. إنها تتطلب صبراً وتأنياً والعودة إلى ساحة المطالعة تكراراً. حتى كتابي "نصف إنسان" المبسط جداً في حوار ممتع يحتاج إلى المطالعة 3 مرات. فهناك كثافة أفكار في قدر محدود من الصفحات بما أن مضطر إلى ذلك ما دام المسيحي العربي لا يشتري ولا يطالع الكتاب الديني إلا إذ كان قياسه محدوداً. لقد فقد عمق السلف الصالح. وامصيبتاه!

فأسأل من خرق الحدود جميعاً ولبسني وصبغني بجمرة دمائه القانية وأنهضني من المزبلة إلى الجلوس عن عرش أبيه في مجد أسنى أن يجعل هذا الكتاب نوراً للمطالعين وقرباناً اقدمه على مذبحه السماوي لغفران ذنوبي وجرائمي وتطهيري من شروري بصلوات المطالعين الأحباء ورضوانهم. آمين[7].


 

[1] راجع مقالي في الظهرو الإلهي الحاشية 3 من الصفحة 76 من العدد 3/1979 من مجلة "النور" الغراء.
أضف إليها: نصوصاً من ايريناوس أوردها قاموس الروحانية (7: 1949-1950)، والدفترين 1 و2 من دروس الأب بوريس بوبرنسكوي في الثالوث القدوس (بالفرنسية) ولوسكي في كتابه "على الصورة والمثال" (ص: 131 و133) ومقال أوليفيه كلمان في Messager لعام 1959 (ص: 153) وسيرج فيرخوفسكوي في الصفحتين 139 و140 من أماليه في معهد القديس فلاديمير باميركا، وعنوانها "الله والإنسان" فضلاً عن رسالة أملاها على صديق بهذا الخصوص.
راجع غريغوريوس بالاماس الثالوثية (1: 3، 6 وعدة مواضيع أخرى).

[2] دراسات في الفلسفة اليونانية والعربية، ص 12.
لو عاد مفكرو العرب القدماء إلى الحياة لكانوا أقدر منا على استيعاب الفكر الأوربي، نظراً لرسوخهم في الفكر اليوناني وما اكتسبوه منه من خصوبة ومنطق وتحليل.

[3] ... لا يعلم أي منا ما هو نفسه. نحن ميالون إلى معرفة السماء أكثر من ميلنا إلى معرفة أنفسنا. هذا رأي باسيليوس (عن أصل الإنسان، ص 169). واحسرتا!

[4] نشرت الأبحاث والتصاريح في مجلة

The Greek Orthodox Theological Review; Brooklyn

وقد خصصت الأمر بملحق.

[5] Wort und Wahrheit, Dec. 1971; Vienna, p 11-181; Communiqué, p 182-3.

[6] {هنا لابد لنا أن نراعي التطور التاريخي الذي حدث بعد تاريخ كتابة هذا الكتاب. إذ أن نفس المؤلف، الشماس اسبيرو جبور قال، في كتاب "سألتني فأجبتك" المنشور في سنة 2005 أي بعد ربع قرن من تاريخ نشر هذا الكتاب، رداً على السؤالين التاليين:
س163- ما هي الفروقات الرئيسية بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس اللاخلقيدونية؟ وهل توجد وحدة في الإيمان؟
ج 163- ..... واستغربت حديثاً عودتهم إلى التمسك بعباراتهم السابقة والطعن في خلقيدونيا، والدفاع المبطّن عن أوطيخا ضد فلافيانوس القسطنطينية، وعن قداسة مجمع 449 وبطله برصوما... وهذا تنصل من بيان البلمند في 5/3/1972. فإن سعوا إلى تراخينا في التشبّث بخلقيدونيا كما فعلوا دوماً منذ 451 فقد خاب فألهم. لا أرثوذكسية بدون المجمعين 4 و6 ومكسيموس المعترف وبالاماس.

س239- ما هو أصل الكنيسة القبطية؟
ج 239- ..... فشلت عبر التاريخ كل محاولات الصلح. ومحاولات القرن العشرين باءت عملياً بالفشل. فقد عادوا والسريان إلى التمسك بالقديم والطعن في خلقيدونيا والبابا لاون والإمبراطورة بولخاريا وو... واستغربتُ حديثاً ما جاء في كراسة البطريرك شنودة: يرفض استعمال كلمة "إله وإنسان" ليسوع. هو ملكي أكثر من الملك. بولس الرسول استعمل كلمة "يسوع الإنسان" (رو6: 16 و اتيمو2: 5-6). وهل هو إنسان بدون طبيعة إنسانية؟ دستور الإيمان قال فيه: "تجسد وتأنس" أي صار إنساناً. ويتهمنا بالقول بثلاث طبائع. ما لم يدركوه من إيماننا هو أن يسوع أخذ طبيعة بشرية لا شخصاً بشرياً على ما قال كيرلس.......} (الموقع)

[7] ارتبكت في ترتيب مراجع الكتاب أمام صعوبات الطباعة من جهة وأمام ذهنية القارئ. فمبدئياً إما يثبتها المؤلف في أسفل الصفحة أو في نهاية الفصل أو في المتن. لجأت إلى الأساليب الثلاثة لتلطيف الصعوبات.
القسم الأول هو أكثر الأقسام جمعاً للأسلوب المثلث. فالمراجع في نهايته غالباً ما عدا "مين".