|
ظهر المسيح في منطقة لها تاريخها الطويل. فلسطين ودويلات سوريا
كانت في الألفين الأولين قبل المسيح مسرحاً للمنازعات المحلية
والدولية. في الألف الأول دخلن الصراع المصري-الأشوري ثم المصري
البابلي. يقول ديبون سومير
وسواه أن تشققهن وتناحرهن أودى بدولهن. وبالفعل محتهن أشور العام
721 وجرفتهن بابل العام 586 حتى جاء الفتح الفارسي (العام 539)
صديق اليهود احتلالاً دائماً لا غزواً عابراً. فجعل سوريا ولاية
خامسة. عقمها سياسياً إلى حد بعيد فنشطت ثقافياً حتى صارت لغتها
الآرامية لغة الدبلوماسية في المنطقة. وتوحدت في ولاية واحدة بدلاً
من التمزق إلى دويلات. وأتى الفتح اليوناني في العام 333 فنشطت
ثفافياً وحل تناحر جديد هو التناحر بين يونان سوريا ويونان مصر.
وأتى الرومان يؤسسون أمبراطورية كبيرة، فإذا بأنطاكية والإسكندرية
تستمران في التنافس الثقافة خاصةً. وظهر المسيح في فلسطين فرفضه
أبناء جنسيه. وانتقل مركز ثقل البشارة من أورشليم إلى أنطاكية.
وكان الرسل يهوداً. ونقلوا إلينا البشارة بمنطق يتحدى الثقافة
اليونانية وعلى الثقافة اليونانية أن تنتصر بجهالة الإنجيل لا
بحكمتها. ولكن بقي على المسيحيين أن يقتربوا من أذهان المثقفين
باليونانية وأن يردوا على تخرصاتهم.
ومضمون الوحي الإلهي الحديد بسيط. ولكن وضعه على مشرحة العقل
اليوناني ليس بالعسير: "الثالوث هو الإله الواحد؛ يسوع الرب الواحد
هو الإله والإنسان معاً" إنهما عقيدتان تصلبان حتى عقل الملائكة.
في الإسكندرية قام مجتهدون كبار. إلا أن طبيعة مصر هي التكتل وراء
الرئيس سواء كان فرعوناً أم أثناسيوس أم كيرلس أم ديسقوروس أم أي
رئيس حتى يومنا هذا.
في سوريا تعددت قلاع الفكر حتى ذكر لاروس القرن التاسع عشر أنها
حلت في القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد في بابي الأدب والفنون
الجميلة محل أثينا القديمة. وبدلاً من تنازع ميكرو-دويلات
الأراميين ولد صراع رجال الفكر والأساقفة.
روما عاصمة أمبراطورية ضخمة حريصة على السلطة المركزية. يلعب أبو
العائلة فيها دوراً حاسماً في حياة الأفراد. فكان بابوات روما
رؤساء يحرصون على الوحدة واللحمة.
تعثر آباء القرنين الثاني والثالث كثيراً في شق الطريق لمفاهيم
لاهوتية تدني الإيمان من العقل.
شيئاً فشيئاً طرح الناطقون باللغة اليونانية ألفاظاً: "الجوهر،
والأقنوم، والشخص، والمساوي بالجوهر".
ترتليانوس نحت للغرب ألفاظاً لاهوتية تعبر إلى حد ما عن كون يسوع
شخص في طبيعتين لاهوتية وبشرية متحدتين.
استعمل الغرب لفظة "المساوي بالجوهر". رفضها ديونيسيوس الإسكندري
فكاتبه ديونيسيوس روما، فأجاب الأول بأن اللفظة لم ترد في الكتاب
المقدس.؟ وعرض له إيمانه وأعلن أنه لا مانع لديه، مع ذلك، من
استعمال اللفظة. واستعملها بولس السميساطي أسقف أنطاكية بمعنى
سابليوسي.
|