الصورة الإلهية في الإنسان

الأب الشماس اسبيرو جبور

شركة الإنسان بالروح القدس مع الله

يقول الرسول بولس: إن محبة الله انسكبت في قلوب المؤمنين بالروح القدس. ويقول باسيليوس الكبير: (لا تُعطَى موهبة إلى الخليقة إلا بالروح القدس). ويقول غريغوريوس بالماس: (إننا لا نملك خبرة مواهب الله بالعقل بل بنعمة الله التي فينا). تكلم الروح القدس بالأنبياء، وهيأ مجيء المسيح وحصل تمام شكل الكشف الإلهي الأسمى، تجسد كلمة الله الذي أَلّه الطبيعة البشرية. بالروح القدس عاد المسيح إلى الكنيسة بعد صعوده ليبقى فيها إلى جيل الأجيال {الروح القدس عمَّد التلاميذ يوم العنصرة، فألبسهم المسيح وجعلهم أعضاء الكنيسة. والكنيسة هي جسد المسيح. إذاً: الروح القدس أعاد إلينا المسيح ليسكن فينا}.

(لا يتكلم الروح القدس من عنده) ببقائه في الكنيسة، بل يأخذ من المسيح ويعطي للبشر.. بسكنى الروح القدس في روح الإنسان يجعله شريكاً في نعمة المسيح، كما أن صبح العيون باتحاده بالأشعة الصباحية يصير نوراً فعالاً فترى المحسوسات، كذلك العقل بصيرورته واحداً مع الرب يرى الأمور الروحية). وهذا يجعل العبادة الحقيقية والسجود لله ممكنَين. العبادة بالروح والحق التي بشر بها المسيح، ليست تعبيراً سليباً يعبر عنها الإنسان. الروح والحق اللذان بهما نسجد لله، حسب تعليم بالماس والتقليد الأرثوذكسي، هما أقنومان إيجابيان لله الثالوثي الأقانيم. الحق هو الابن الوحيد للآب. والروح هو الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس. طريق التمجيد واللاهوت يقود بالروح القدس عن طريق الابن إلى الآب. في نور الروح القدس، يتأمل الإنسان نور الله الحقيقي.

تأليه الإنسان وتقدمته إلى الآب هو عمل الثالوث الأقدس المشترك، يتم بمسرة الآب بالابن في الروح القدس. تأله الإنسان سيكون مستحيلاً حتى ولو لم يكن الابن خلقه بل الروح القدس. يسأل غريغوريوس نيسس: كيف يمكن أن نتحد مع المسيح إذا كان الروح القدس لا يحقق مثل هذا الاتحاد ؟ كيف يمكن للروح القدس أن يحقق ذلك إذا كان خلقه ؟ (لا شيء يقنعني أن من شابهني يمكنه أن يخلصني). يقول غريغوريوس اللاهوتي: (إذا لم يكن الروح القدس إلهاً عليه أن يتأله أولاً وهكذا يستطيع أن يؤله الآخرين).

إن أثناسيوس الكبير سبق ورأى القربى الوثيقة بين هاتين الهرطقتين، ولاحظ أن الآريوسيين برفضهم لألوهة الابن، يتجهون طبيعياً إلى رفض ألوهة الروح القدس.

الأساس الذي يرتكز عليه آباء الكنيسة في محاربة محاربي الروح القدس لا يقوم فقط على اللاهوت الكشفي بل على العيش في التدبير الحاصل في المسيح. وبإعلانهم عدم خلقة الروح القدس لا يدافعون عن الثالوث الأقدس فقط بل يحصنّون سر التدبير الإلهي الذي به تم تجديد وتأليه الإنسان. لو كان الروح القدس خلقة لما تفكك ثالوث الله فحسب بل وإمكانية تأليه المؤمنين {الآباء قالوا: إن الروح القدس يؤَلّهنا فهو إله إذاً}.

إن تعليم محاربي خلاص الإنسان (القائلين) بنعمة إلهية مخلوقة، المناهضَ للتعليم الآبائي الأساسي القائلَ بأن تجديد وتأليه الإنسان لا يتم بوسائل مخلوقة، كان سبباً للحراب التي جمعها وأطلقها بالماس. الروح القدس حسب تعليم بالماس هو الذي يؤله الإنسان بفعله الطبيعي وبالنعمة، لا بوسائل مخلوقة أو بجوهره. ومع أن فعل الروح يختلف عن الجوهر الإلهي، إلا أنه لا ينفصم عنه بل بالعكس ينتزع الجديرين ليربطهم بالله {المقصود: جوهر الله غير مقترب إليه. يسوع ضم طبيعته البشرية إلى أقنومه الإلهي فامتلأت نعمة. النعمة صادرة من جوهر الله وساكنة فينا. هي تؤلهنا. هي غير مخلوقة. تحل فينا بينما يستحيل الاقتراب من الجوهر}.

نعمة الروح القدس تدخل إلى نفس الإنسان لأنها غير مخلوقة. لا شيء مخلوق يمكنه أن يتحد مع نفس الإنسان. الأرواح الشريرة تستطيع أن ترتبط بها، لكنها لا تتحد مع نفوس الخطأة، لأنها أيضاً مخلوقات، بعكس الروح القدس فإنه لا يسبب التصاقاً بسيطاً، بل دمجاً لنعمته بوجود الإنسان. الروح القدس حاضر في كل مكان بالجوهر والفعل. مع أن جوهره يبقى غير مدرك وغير ملموس، إلا أن الأرواح الصالحة والقديسين يلمسونه فعلاً كملائكة يتقدسون بشركتهم في نعمة الروح، إلا أنهم يختلفون عنه، إذ أن (القداسة فيه بالطبع أمَّا قداسة أولئك فبالاستحالة){أي النعمة الإلهية تحوِّلنا، ولكن دون تغيير جوهرنا نوعياً}. البشر باشتراكهم في نعمة الروح يحوزون في داخلهم على عنصر تجديدي دائم ويصبحون روحيين. في نظر الآباء وبالماس: لا يعبر التعبير (روحي) عن خاصة سلبية، بل يبعث الإنسان الجديد الذي يولد بالنعمة المجددة، نعمة الروح القدس. (فكما أن الموهوب بنعمة العقل يسمى عاقلاً كذلك الموهوب بنعمة الروح يسمى روحياً). نعمة الروح القدس هي عنصر أولي لوجود الإنسان الروحي تهبه الحياة الحقيقية.

بانطلاق بالماس من هذا المبدأ، إن نعمة الروح القدس هي فعله الطبيعي، وباستعماله عبارة معارضيه في التفكير، إن النعمة مخلوقة يصل إلى النتيجة، وهي أن هؤلاء يعتبرون الروح مخلوقاً { قلنا في سر التدبير أن الآباء قالوا بارتباط الفعل بالطبيعة. فعل الله أي نعمته يصدر من طبيعته. فهو إلهي سرمدي مثل طبيعته. إذاً: فعل الروح القدس أي نعمته هو مثله: غير مخلوق }، لا أحد يستطيع من المخلوقات أن يقول أن فعل الروح الإلهي الطبيعي مخلوق إلاّ ويقول أن الروح مخلوق). إلى هذه النتيجة توصل أيضاً بالنسبة لموقف القائلين بانبثاق الروح القدس من الابن أيضاً. هذا التعليم يتنكر لوحدة الثالوث، ويجعل الابن مسبِّباً مع الآب لانبثاق الروح القدس، وينزل الروح إلى مصف المخلوقات لأن الابن مع الآب هما سبب المخلوقات {يتخدلق الكاتب اليوناني. فاللاتين يؤمنون بالثالوث الواحد في الجوهر}.

يتقدم بالماس إلى ما هو أبعد فيربط عقيدة انبثاق الروح القدس من الابن برفض النعمة المؤلهة الغير المخلوقة. يجيب بالماس على السؤال: لماذا قام فرلام بهذه المعركة لتحطيم النعمة الإلهية الغير المخلوقة ؟ يجيب بالماس ويقول: إذا لم تكن هناك نعمة غير مخلوقة فالروح المعطى بالابن، المشهود له من الآباء هو غير مخلوق. ليس الفعلُ الغيرَ المخلوقِ بل أقنومَ الروح. (أترون ؟ يسأل في الختام، إرادته العميقة الموشحة بالظلال ومحاولته الخداعة المجرمة ؟).

بادعاء هوسهر {هاوسهر Hausherr، بالاماس غير متعصب. الكاتب اليوناني يذهب في المقال أبعد من بالاماس. بالاماس من أعظم تاريخ الكنيسة} إن عقيدة انبثاق الروح القدس لم يكن لها أي ثقل على الحياة الروحية، يلاحظ أن انبثاق الروح القدس من الآب فقط لم يكن له أي أثر في تطوير التعليم النسكي والمستيكي، ولم يُنَمِّ هذا التعليم لا بالماس ولا أتباعه، حتى ولا أحد من الكتبة البيزنطيين والنساك). في الواقع لم يحدث مثل هذا، حيث أن التعليم هذا لا يشكل في الكنيسة الأرثوذكسية تجديداً كما هو في الحال في الكنيسة الغربية بالنسبة لعقيدة الانبثاق من الابن، بل هو بند من بنود الإيمان قديم جداً. من الواضح أن بالماس نفسه يربط تمييزه بين الجوهر والفعل في الله، الهامّ جداً بالنسبة لتعليمه اللاهوتي النسكي مع تعليمه عن انبثاق الروح القدس من الآب فقط.

عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية لا تتألف من سلسلة من البنود تُعَبر عنها أشكال حياتية روحية، بل هي مجموعة عضوية متحدة، يؤثر كل عضو فيها على الآخر. انبثاق الروح القدس، بالنسبة لبالماس، ليس تفصيلاً عقائدياً بل موضوعاً أساسياً، مرتبطاً بكل الإيمان المسيحي وبمآله. أي بتجديد الإنسان وتأليهه.

ينظر بالماس إلى حوادث العصر على ضوء موشور التقليد الأرثوذكسي. إنه يعي وجدانياً بأنه قائم فوق الخط الآبائي. إنه يؤمن ويعبد ويحيا ويعلم على غرار أولئك. أنه يرى في تعاليم فرلام وأكينذيوس وغريغوراس مخالفاً لواقع التأله الذي تحافظ عليه الكنيسة المقدسة. الطريقة التي تُهان بها الخبرة الكنسية طريقة جديدة، لذلك لا يكرر بالماس تعليم الآباء بصورة جافة، ليحارب التعاليم الجديدة فقط، بل يندفع خلافاً، يدفعه الروح ذاته، ليقدم شهادة الكنيسة الأرثوذكسية خبرة لعصره.