|
(لا يتكلم الروح القدس من عنده) ببقائه في الكنيسة، بل يأخذ من
المسيح ويعطي للبشر.. بسكنى الروح القدس في روح الإنسان يجعله
شريكاً في نعمة المسيح، كما أن صبح العيون باتحاده بالأشعة
الصباحية يصير نوراً فعالاً فترى المحسوسات، كذلك العقل
بصيرورته واحداً مع الرب يرى الأمور الروحية). وهذا يجعل
العبادة الحقيقية والسجود لله ممكنَين. العبادة بالروح والحق
التي بشر بها المسيح، ليست تعبيراً سليباً يعبر عنها الإنسان.
الروح والحق اللذان بهما نسجد لله، حسب تعليم بالماس والتقليد
الأرثوذكسي، هما أقنومان إيجابيان لله الثالوثي الأقانيم. الحق
هو الابن الوحيد للآب. والروح هو الأقنوم الثالث من الثالوث
الأقدس. طريق التمجيد واللاهوت يقود بالروح القدس عن طريق
الابن إلى الآب. في نور الروح القدس، يتأمل الإنسان نور الله
الحقيقي.
تأليه الإنسان وتقدمته إلى الآب هو عمل الثالوث الأقدس
المشترك، يتم بمسرة الآب بالابن في الروح القدس. تأله الإنسان
سيكون مستحيلاً حتى ولو لم يكن الابن خلقه بل الروح القدس.
يسأل غريغوريوس نيسس: كيف يمكن أن نتحد مع المسيح إذا كان
الروح القدس لا يحقق مثل هذا الاتحاد ؟ كيف يمكن للروح القدس
أن يحقق ذلك إذا كان خلقه ؟ (لا شيء يقنعني أن من شابهني يمكنه
أن يخلصني). يقول غريغوريوس اللاهوتي: (إذا لم يكن الروح القدس
إلهاً عليه أن يتأله أولاً وهكذا يستطيع أن يؤله الآخرين).
إن
أثناسيوس الكبير سبق ورأى القربى الوثيقة بين هاتين الهرطقتين،
ولاحظ أن الآريوسيين برفضهم لألوهة الابن، يتجهون طبيعياً إلى
رفض ألوهة الروح القدس.
الأساس الذي يرتكز عليه آباء الكنيسة في محاربة محاربي الروح
القدس لا يقوم فقط على اللاهوت الكشفي بل على العيش في التدبير
الحاصل في المسيح. وبإعلانهم عدم خلقة الروح القدس لا يدافعون
عن الثالوث الأقدس فقط بل يحصنّون سر التدبير الإلهي الذي به
تم تجديد وتأليه الإنسان. لو كان الروح القدس خلقة لما تفكك
ثالوث الله فحسب بل وإمكانية تأليه المؤمنين {الآباء قالوا: إن
الروح القدس يؤَلّهنا فهو إله إذاً}.
إن
تعليم محاربي خلاص الإنسان (القائلين) بنعمة إلهية مخلوقة،
المناهضَ للتعليم الآبائي الأساسي القائلَ بأن تجديد وتأليه
الإنسان لا يتم بوسائل مخلوقة، كان سبباً للحراب التي جمعها
وأطلقها بالماس. الروح القدس حسب تعليم بالماس هو الذي يؤله
الإنسان بفعله الطبيعي وبالنعمة، لا بوسائل مخلوقة أو بجوهره.
ومع أن فعل الروح يختلف عن الجوهر الإلهي، إلا أنه لا ينفصم
عنه بل بالعكس ينتزع الجديرين ليربطهم بالله {المقصود: جوهر
الله غير مقترب إليه. يسوع ضم طبيعته البشرية إلى أقنومه
الإلهي فامتلأت نعمة. النعمة صادرة من جوهر الله وساكنة فينا.
هي تؤلهنا. هي غير مخلوقة. تحل فينا بينما يستحيل الاقتراب من
الجوهر}. |