الصورة الإلهية في الإنسان

الأب الشماس اسبيرو جبور

المقدمة

1- يقول الفصل الأول من سفر التكوين: (إن الله خلق الإنسان على صورته). هذا التعليم الكتابي صار منذئذٍ عنصراً ملازماً للعلم المسيحي عن الإنسان. إلا أن مضمونه لم يحدد بوضوح تام. في مؤلفات الآباء والكتّاب الكنسيين، يلاحظ استعمال الحد (على صورة الله) على نطاقٍ واسع، ويفسرونه تفاسير جد مختلفة. لا نرى فقط كثرة التفسيرات المختلفة في انتقالنا من مؤلفات كاتب إلى مؤلفات كاتب آخر، بل حتى عند ذات الكاتب. فاقليمس الإسكندري في كتابه (التحريض)، يرى أن الإنسان مخلوق بعقله (على صورة الله)، أمَّا في كتابه (المربّي) فيراها في قدرة الإنسان التناسلية. وأمَّا غريغوريوس نيسس فبينما يراها في كتابه (القدرية) في العقل والحرية، يراها في كتابه (خلقة الإنسان) في المواهب الروحية والجسدية التي أعنى الله بها الإنسان.

يستحق الموقف الذي يتخذُهُ ابيفانيوس أن يثير اهتمامنا أمام التفسيرات اللاهوتية العديدة لِـ (على صورة الله): (على كلٍ لا يجب أن نحدد في أي قسم يكون الإنسان على صورة الله، بل أن نعترف أن الصورة هي في الإنسان، حتى لا نجحد نعمة الله ولا نكفر بها. كل ما يقوله الله هو حقيقي. فـ (على صورة الله) لا تنحصر في نقطة إيجابية ولا تأخذ مداها في عنصر معين من الطبيعة البشرية، بل يعبر عنها كما في انعكاس موشوري من خلال الوجود البشري) {راجع (سر التدبير) (ص67- 79)}.

هذا الإدراك الحي القوي الكثير النواحي لِـ (على صورة الله) نجده في تعليم بالماس. إنه دائم المحافظة تقريباً على الفرق بين (صورة الله) وبين (على صورة الله)، الذي شدَّد عليه أوريجين ليرفع الفهم الخاطئ السميك عن كالسوس. (صورة الله) هو ابن الله المولود الوحيد. مع ذلك فبالماس يسمي الإنسان (صورة الله) كما يفعل غالباً آباء الكنيسة، على اعتبار أنه صورة جد صغيرة، لا طبق الأصل عن الله، كالابن.

يرى بالماس، على غرار التقليد الإسكندري، أن المقصود بـ (على صورة الله) هو عقل الإنسان وهو أسمى عنصر في طبيعته. لا مجال في (على صورة الله) للجسد {يتناقض هنا الكاتب مع ما سيجيء. راجع (سر التدبير) (ص67- 77)}، بل لطبيعة العقل، ولا شيء حسب الطبيعة أسمى منه. فإذا كان في الإنسان شيء سامٍ حسب الطبيعة، فهو (على صورة الله). كما في الله كذلك في عقل الإنسان المخلوق (على صورة الله)، يرى بالماس جوهراً وحركة. حركة العقل تتألف من خواطر وتفكيرات لا يمكن أن تقرن، ولا أن تعتبر مختلفة كلياً عن الطبيعة العاقلة التي تنبع منها. وتتميز حركة العقل عن الطبيعة، كما تتميز النتيجة عن السبب المولد. تتحد مع الطبيعة العقلية كتعبير عقلي لمضمونها. نحن هنا أمام سبر بالامي لعنصر جديد بارز لمضمون (على صورة الله) الفعَّال الكثير النواحي.

يتابع بالماس توغّله البعيد للبحث عن (على صورة الله) في الإنسان: كما أن الإله الواحد هو ذاته مثلث أي عقل وكلمة وروح، كذلك الإنسان المخلوق (على صورة الله) هو وحدة عقل وكلمة وروح. من عقل الإنسان تولد الكلمة وينبعث الروح، كما يولد الابن من الآب وينبثق الروح القدس. هذه المقارنة ليست بمطلقة تأكيداً، إنما تشهد فقط إلى ما يرمز إليه الإنسان المخلوق على صورة الله. إنه يرمز إلى الثالوث الإلهي.

باستعمال بالماس صورة سيكولوجية تذكرنا بتعليم أوغسطين عن الثالوث الأقدس، يوضح أن الأقنوم الثالث الأقدس إن هو إلاّ عشق الآب السري الأزلي للابن وعشق الابن للآب {لم يستعمل هذا التعبير الأوغسطيني سوى بالاماس من الكتبة باليونانية (مايندورف)}. لا حاجة للإشارة هنا أن استعمال هذه الصورة يتعارض مطلقاً مع نظرية اللاتين حول انبثاق الروح القدس، لأنه في الحين الذي يعتبر فيه الأقنوم الثالث كعشق متبادل بين الآب والابن، يوضح بجلاء أن هذه الشركة يراد منها الاستعمال والملكية، لا بروزه الوجودي. حسب هذا القياس الثالوثي، إن الإنسان يملك الروح كعشق عقلي للعقل ولكلمته، وهكذا يفسر بالماس نهم قابلية الإنسان الطبيعية للمعرفة.

كما أن الله بروحه يضبط ويحيي العالم، كذلك عقل الإنسان يضبط ويحيي بروحه جسده المرتبط به. هذا الحدث يشكل، حسب بالماس، عنصراً أساسياً، يجعل (على صورة الله) في الإنسان أكمل منها عند الملائكة. وهكذا (المخلوقون هؤلاء على صورة الله، لهم عقل وكلمة وروح. بيد أن الملائكة لا تملك قوة محيية، لأنهم ليسوا مرتبطين بأجساد أرضية، لذلك هم دون روح الإنسان).

نفس الإنسان، حسب تعليم بالماس، والتقليد الأرثوذكسي، ليست أسيرة في الجسد، كما يعلم الأفلاطونيون، حتى تسعى للتحرر منه. بالعكس، إنها في حالٍ وصالٍ متناسق مع الجسد لا تحب مفارقته أو تركه قط، إلاّ إذا حدث شيء كضغط خارجي أو مرض أو إذا أصيب. إن هذا الارتباط العشقي، عشق النفس العقلي للجسد، تبرزه بالقوة (على صورة الله)، في الإنسان كله، دون أن تجعله مركباً من عناصر مادية وروحية، وهكذا يقترب بالماس من إيريناوس {راجع سر التدبير (ص73 و...) وقاموس الروحانية الفرنسي (718:7)} خاصة حيث يجمع إلى تعليمه التقليد الذي حرثه إيريناوس ونماه والذي بموجبه تطال صورة الله الإنسان الروحي والجسدي.

وأخيراً يبتهج بالماس في سبر غور التثليث في عمل روح الإنسان في بعض النواحي، دون أن يُضيع عليه الفرصة ليرفع الإنسان إلى ما فوق الملائكة. يمكننا أن نقول مع الغير، أن الثالوث في معرفتنا يظهر فينا لا في الملائكة، لأننا (على صورته).

إن سلطة الإنسان السيدية التي شدَّد عليها لاهوتيو المدرسة الأنطاكية {راجع سر التدبير (ص73 و...) وقاموس الروحانية الفرنسي (718:7)} بتفسيرهم لمعنى (على صورة الله)، تعطي للإنسان، حسب بالماس، ميزة عظيمة أخرى لا يملكها حتى الملائكة. وكما يلاحظ كيرن {كبريان Kern} مطولاً فيقول: (الملائكة هم أرواح خادمة لا لله بل للبشر).

النظرة إلى الإنسان كعالم صغير ومساهم في الخليقة، حسب التفكير اليوناني القديم وتفكير الكثيرين من آباء الكنيسة، هي نظرة بالمية أيضاً. كل العالم المحسوس خُلِقَ من أجل الإنسان، ولهذا السبب خُلِقَ أخيراً كخاتمة للخليقة. الإنسان هو خلاصة كل الخلائق الإلهية، وزينةُ لا الخليقة المنظورة، بل والغير المنظورة.

وأخيراً إن الحرية التي ينظر إليها باسيليوس الكبير وغريغوريوس نيسس ويوحنا الدمشقي وآخرون من آباء الكنيسة كعنصر أولي من عناصر (على صورة الله)، هي، في نظر بالماس، ميزة عظيمة للإنسان المخلوق (على صورة الله)، بها كان يتعلق قبل السقطة، وبها يُحقَّق مخططُ الله من أجل الإنسان وإتمام عمله التجديدي حتى بعد مجيء المسيح.

إذاً فالإنسان جاء من الله ووجوده يرمز إليه. يعيش بإرادته الصالحة وعناية خالقه، ويمكنه أن يحقق مصيره السامي بإرشاده وتقويته. إن وجود وحياة الإنسان يفقدان كل معنى بابتعادهما عن الله. العثور على معنى الحياة وكمال الوجود البشري هما فقط بالقرب من الله ونعمته. ليس الإنسان بغير محكوم على الأرض، ولا يعطي من ذاته معنى لوجوده. أعطي له هذا المعنى من الله بخلقته على صورته ووهبِهِ الإمكانات والنموَّ، والكمال الشخصي. الإنسان مهيأ منذ خلقته ليُقربَ من مثاله، من الله، ليتأَلَّه. حركة الإنسان من الصورة إلى المثال تعبر عنها، حسب الآباء، العبارة الكتابية (على مثاله).

***

2- عندما أراد الله أن يخلق الإنسان (حسب ما جاء في سفر التكوين) قال: (فلنصنعن الإنسان على صورتنا ومثالنا). كلمة مثال المستعملة في الترجمة السبعينية {اليونانية} تعبر عن شيء بالقدرة ما انتهى بعد، بينما تعبر كلمة صورة عن حالة انتهت، وتؤخذ في هذه الحالة كمنطلق لتحقيق المثال. أكثر المفسرين المحدَثين لا يقبلون بهذا التمييز بين التعبيرين، مستندين إلى النص العبراني الأصلي حيث تعني كلمة (تشالم) ما تعنيه كلمة (دُموث) {أي أن الصورة والمثال في الأصل العبراني هما مترادفان}. في الواقع لا يصرّ بالماس في كتبه الأساسية على التفريق بين الصورة والمثال، لكن هذا لا يعني أن بالماس لا يقول بهذا التمييز، لأنه في بعض الحالات يذكر ويطبق ذلك بإخلاص، حسب أصول التقليد الآبائي.

(على صورة الله) مُلْكٌ عام لكل البشر، بينما المثال قدرة. وكل إنسان، كما يقول بالماس، (مخلوق على صورة الله وربما على مثاله)، المشابهة متروكة لحرية وقابلية الإنسان، لم تفرض عليه فرضاً، مع أنها هدف وجوده. يستطيع الإنسان أن يحرث ويُنمي فيه الصورة الإلهية، إذا خضع بحريته إلى إرادة الله، ووجّهته دائماً، وجعلها شيئاً شخصياً مستقراً وملكاً ثابتاً له. وهكذا يتمكن من التشبه بالله. بيد أن الإنسان سلك سلوكاً معاكساً، فتجاهل فعله الله وإرادته، ومنح كل معنى لحياته ووجوده بهذه الطريقة. هذا ما فعله آدم عندما أطاع الشيطان، وهكذا سقط من نعمة الله وحُرِم من البهاء الإلهي الذي حمله كوشاح قبل السقطة، وخسر المثال الذي كان يحرثه في نور النعمة الإلهية. وبكلمة أخرى إن الإنسان خسر بسقطته إمكانية الشركة مع الله والالتصاق بحياته.

حياة الإنسان تنبع من الالتصاق بحياة الله والشركة معه. كما أن روح الإنسان تحيي الجسد بقوتها المحيية، كذلك يهب الله الحياة الإلهية للإنسان ببهاء النعمة. بيد أن هذه الروح تملك الحياة في ذاتها، والذين يشتركون معه يعيشون إلهياً ويحوزون على حياة إلهية سماوية، حياة كلها ألوهة وصلاح، لأولئك الذين أُهِّلوا لبهاء الطبيعة الإلهية. أما إهمال النفس للروح الإلهي المحيي، فإنه يقودها إلى ما تقوده هجرة الروح المحيية لجسد الإنسان، يقودها إلى الموت. وبمقارنته بين الملائكة والبشر على أساس الصورة والمثال، يجد بالماس أن البشر يفوقون الملائكة من حيث الصورة ودونهم من حيث المثال. الملائكة المتشحون بالنعمة والبهاء الإلهي هو أنوار ثانية بعد الله. أما الشياطين الذين خسروا سموّ وموهبة الله فقد صاروا بالعكس مظلمين.

لا ينتهي بالماس إلى موت النفس رغم قبوله أن حياة الإنسان الحقيقية الأزلية تنوجد بالقرب من الله، بل يتشدد على تعليم خلود النفس الإنسانية. أخذ الإنسان من الله نفساً خالدة لا تنحل مع الجسد بل تحيا أزلياً. مسؤولية الخلود هي التي تجعل دينونة الخطأة مدركة وعادلة. أكان الإنسان يعذَّب أبدياً لو لم يعْطَ منذ البدء الموهبة والمسؤولية ليعيش أزلياً ؟ أية عدالة في الحضور الثاني سيحققها قيام وتحويل الخطأة إلى معذبين أبدياً ؟ ستحيا إذاً نفس الإنسان أزلياً لأنها جبلت خالدة، وستبقى خالدة حتى بعد انفصال الإنسان عن الله، وهذا أرهب موت يموته الإنسان البعيد عن الله. الإنسان البعيد عن الله هو أرهب صورة يمكن أن يتصورها الإنسان، وهل أرهب من نفسٍ تموت وهي الخالدة بطبيعتها ؟ (موت النفس هو أن تميت النفس الخالدة بطبيعتها).

يلاحظ بالماس بمقارنته بين نفس الإنسان ونفس الحيوان، أن الحيوانات تملك نفساً بالطاقة فقط لذلك تموت مع الجسد. أما نفس الإنسان فتبقى خالدة، لأنها تملك الحياة بالجوهر وبالطاقة {energia}. نفس الإنسان الحية حقيقةً ليس خالدةً وعاقلة فقط بل ومُنعمة من الله. أما إذا انفصلت عن الله تموت روحياً وتصبح شقيةً، وقحةً.

بيد أن نتائج الموت الروحي لم تنحصر فقط في نفس الإنسان، بل امتدت إلى جسد الذي تحييه. فالأمراض والفساد وأخيراً الموت الجسدي هي من ثمار الموت الروحي الذي أصاب الإنسان بعد السقطة. إن الموت ليس واسطةً للانتقال بل نتيجة ابتعاد الإنسان عن الله. كان الشيطان أول من ابتعد عن الله، لذلك أصيب أولاً بالموت. وبمشورته الخبيثة، تمكن أن يجر الإنسان وراءه، فتمرد وصار شريكه في الموت. يقول القديس باسيليوس: (على قدر ما يبتعد الإنسان عن الحياة، على قدر ما يقترب من الموت). (الحياة هي الله ذاته)، يقول بالماس. ويقول تقليد الآباء اليونانيين {أي الذين كتبوا باليونانية. فجلّهم من مصر وشرقنا قديماً} الإجماعي: (الموت هو فقدان الحياة. الله ليس بمسبب للموت الروحي ولا للموت الجسدي. الله لم يسبب لا موتَ النفس ولا موتَ الجسد، ولم يقل أولاً آمراً، كلوا تموتوا، بل إن أكلتم موتاً تموتون).

الموت هو ثمر الخطيئة، موجود في العالم بدون إرادة الله. الخطيئة هي محور الموت، وبه سيطرت على العالم. الخطيئة التي تسيطر على الإنسان بقوة الشيطان تُوقظ الخوف والعذاب، وعلى العموم غريزة حب البقاء، ويولِّد الشيطان في الإنسان الخطيئة عن طريق الخوف ومحبة الذات، ويجعله يفشل في تحقيق مصيره الأزلي.

لم يدخل جرم وراثي إلى العالم بواسطة آدم {ليس هناك خطيئة أصلية جدية موروثة، آدم أورثنا الموت والبلى (مايندورف، ص184من الفرنسي)}، ولا تجاوز البشر كلهم وصيةَ الله في شخصه. بآدم دخلت الخطيئة، وبالخطيئة (دخل) الموت، بعد سقطة آدم، سقطت كل ذريته تحت نير الخطيئة، لذلك لم تُعفَ من الموتِ. الموت الجسدي للذين أصيبوا بالموت الروحي هو سماح إلهي خَيِّر. به تُقْطَعَ الخطيئة، والشرُ لا يستمر. ألا (أن المسيح والسابق والقديسين الخاضعين لإرادة الله وكأعداءٍ للخطيئة والشيطان، لا يجب أن يصابوا بالموت الطبيعي بل بالموت القسري من أجل الخير، موتِ الاستشهاد).

في العالم هنا تتحقق النهاية بالموت، وستأخذ كمالها في الحضور الثاني للمسيح، وسيُقاد الإنسان الذي يبقى في خطيئته إلى العذاب الأبدي ويُحرم من مواهب موت الجسد المؤقتة. أما التائب والعائد إلى الله، فإلى الحياة الأبدية، إلى عدم الفساد والتأله.