|
في
تموز 1941 حرّك الملاك بركةَ (بيت حسدا) في الكرسي الأنطاكي،
فانبرى الشباب للخروج من الشلل الديني المزمن. في تموز 1950
مرّ يسوع على تلك البركة، فأقام مخلَّعها (يوحنا 1:5- 16)،
وذلك بدخول المغبوط الياس معوض المجمع الأنطاكي، فتنفّس
المؤمنون الصعداء. وهبَّتْ رياح التجديد، فرأى بعض صحب الياس،
في أوائل الستينات، أن إنقاذ الكرسي مستحيل إلاّ بإيصال الياس
إلى سدة البطريركية. وتتالت القرارات المصيرية حتى هبّت دنيا
الأرثوذكسية في خريف 1969 تهيّئ الياس للمنصب، مشمولاً برضوان
إخوانه بطاركة العالم الأرثوذكسي. فانقادت إليه طائعة في
25/9/1970، فهلّل أرثوذكس الدنيا. هذا الدعم المسكوني حمل
الياس على تنفيذ أفكاره التي نسّقها في العامين 1969 و1970 حول
أوضاع العالم الأرثوذكسي ومصير الكرسي الأنطاكي فيه، بما أنه
معدّ لأن يكون (بيضة القبان). وكان عند حسن ظن إخوانه
البطاركة، فأكبروا فيه روحه الوديعة، وإخلاصه، وعفافه،
وتنزّهه، وتجرّده عن الصغائر والرجاسات، وَكِبَر نفسه وخُلُقه.
فكانت هناك ثقة بأن هذا الإنسان الذي تربّى على إفراط في
الحياء والعفة والوداعة، زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة،
عدواً للملذّات والمال والأباطيل والأمجاد الفانية، متواضعاً،
درويشاً أخاً للدراويش والرهبان، (هذا الإنسان) لا يمكن أن
يكون إلاّ رجل اللّه والكنيسة. فقد قضى العمر متوحداً زاهداً
يصوم، يصلي، ويطالع آباء الكنيسة، ويترجم الكتب الدينية. توفاه
اللّه في 21/7/1979 فكانت لوفاته رنَّة أسىً وحزن عميقين في
العالمين الأرثوذكسي والكاثوليكي{كان رجل انفتاح صادق}. فلم
يخفِ أحد الكرادلة عواطفه الجيَّاشة.
وحرص الياس على رفع شأن الإكليريكيين حتى بدا متعصباً لهم.
وقبيل وفاته بذل بسخاء معلناً استعداده للبذل الوافر في سبيل
تخريج كهنة رفيعي السويّة روحياً وثقافياً. كان هذا هاجساً
هاماً لديه.
لمّا انتمى الياس إلى الإكليريكية كان الكرسي الأنطاكي خاوياً
من التراث الروحي الرهباني والمرشدين الروحيين. فأنشأ الياس
نفسه بنفسه. إلاّ أن الحظ صاقبه، بتدبير إلهي، فسافر إلى
اسطنبول لدراسة اللاهوت باليونانية في معهدها اللاهوتي بجزيرة
خالكي. إنما درس اليونانية الحديثة لا يونانية الكتاب المقدس
وآباء الكنيسة. ومع هذا بقي حظه كبيراً. فاليونانية الحديثة
حافلة بالترجمات عن اليونانية القديمة والمصنفات الحديثة. غرق
الياس في تراثنا اللاهوتي والرهباني بشغف كبير حتى صار هوايته.
فانكبّ عليه بشغف حتى نقله الله إلى حِجَاله {جمع حَجَلة: بيت
يزيَّن للعروس. راجع نشيد الأناشيد 4:1}. لا أعرف عن أي بطريرك
أنطاكي قبل الياس أنه ترك لنا تراثاً ثميناً سوى سلفه العظيم
البطريرك أنسطاسيوس الأول (القرن 6). هذا العظيم كان في يوم من
الأيام قبلة أنظار العالم المسيحي شرقاً وغرباً {سر التدبير
الإلهي، ص154}. فكان الياس خير خلف عظيم لذلك السلف العظيم،
وإنْ تباينت ظروفنا كثيراً منذ القرن 6 حتى القرن 20. |
|
أصدر الياس (نشرة بطريركية الروم الأرثوذكس). حفلت بمواضيع
شائقة، إلاّ أنه كان ينقصها حسن التنويع، والتخطيط للمدى
البعيد، وحسن توزيعها، بثمن، على كل الرعية. في عدد كانون
الثاني 1973 حفلت بمقال رائع من 11 حلقة انتهت في آذار 1974.
عنوانه: (الصورة الإلهية في الإنسان كما يراها بالماس) (أو
بالاماس لسهولة اللفظ). وقد نوهت به في حاشية الصفحة 73 من (سر
التدبير).
|
بالاماس هو أكبر آباء الكنيسة في أواخر القرون الوسطى. هو
البحر الذي صبَّت فيه جداول الأرثوذكسية، وعلى الأخص مكسيموس
المعترف (662) وأسلافه وروحانية رهبنات جبل آثوس (اليونان).
اهتمَّ به في عصرنا كثيرون. إلاّ أن السبّاق (في تهيئة الأذهان
لفهمه وفهم متانة ارتباطه بمكسيموس المعترف) هو فلاديمير لوسكي
المتوفي في 7/2/1958. وقد اعترف له الأب جان مايندورف بهذا
السبق، مع أن مايندورف من أكبر الاختصاصيين ببالاماس {(1)Vision
de Dieu،
Pre'face}.اهتم
العالم ببالاماس بمناسبة مرور ستمائة سنة على وفاته (1359-
1959). فتألفت لجنة دولية لتحقيق مخطوطاته، ونشرها في بلاد
اليونان، فصدرت عدة مجلات هي من عيون التراث الروحي العالمي
المدهش. الياس تابع الحركة اللاهوتية المعاصرة فطالع بالاماس
بشغف. والدليل هو كتابنا الحاضر الذي يطرق بعض الجوانب
اللاهوتية الهامَّة من فكر غريغوريوس بالاماس. وقد عالجها
مطولاً في سفر ضخم الأب كبريان (كبريانوس) كيرن باللغة
الروسية، بعنوان (أنثروبولوجية بالاماس). الأخ الحبيب عدنان
طرابلسي دفع إليَّ بحثاً شائقاً بعنوان (الرؤية الأرثوذكسية
للإنسان) يعتمد كثيراً على بالاماس. إلاّ أنه مكثَّف لا يفقه
مغاليقه إلاّ نفر أقل من ضئيل. متى ذاب جليد كثافته تمّ نشره.
ففيه الكثير من تفكير مكسيموس المعترف العسير الهضم حتى على
كبار اللاهوتيين في العالم أجمع {بالاماس تأثر جداً بمكسيموس}.
إلا أن سمعان اللاهوتي الحديث (الأب الروحي البعيد لبالاماس
وجبل آثوس بعد مكسيموس) أسهل عبارة.
هذا الكتاب يحتاج إلى توضيحات وتعليقات واستدراكات ليعود جزيل
الفائدة العميمة، ويستحق المطالعة مراراً وتكراراً
بالشروط الثلاثة التي وضعها الناسك الروسي الكبير إغناطيوس
برينتشنينوف المتوفي في30/4/1867. فقد أوصى بمطالعة تراثنا
الآبائي بتبصّر كبير، وبنظام، وعلى الأخص بدون عجلة.
الكتب اللاهوتية والروحية لا تشيخ ولو حفظها المرء غيباً. تبقى
جديدة دوماً.
إلاّ أن البطريرك الياس لم يكن متمرّساً بطرائق أوروبا في
التأليف والنقد والتحقيق والتمحيص. وكانت تنقصه الثقافة
التاريخية والحقوقية لتعميق نظراته الشمولية وترابطها وتوسيع
آفاقها. وكان عصبي المزاج وحادّه. ولذلك كان يستعجل. وكان يفهم
اليونانية القديمة على ضوء معرفته للحديثة والتحليل اللغوي
للألفاظ. لذلك تفتقر بعض الفقرات والألفاظ إلى الدقة. وترجماته
جزئية لا تشمل كامل النص غالباً. وقد لا يذكر المصادر، ولا يضع
الاستشهادات بين قوسين، ولا يعود إلى ترجمات الكتاب المقدس.
فيترجم من عنديّاته نصوص العهد الجديد. وقلما علّق أو وضع
حواشي لتوضيح الغوامض. وهكذا نراه في هذا الكتاب لا يذكر اسم
الكاتب، ولا اسم المترجم، ولا مكان طبع الكتاب ولا لغته
الأجنبية التي ترجم عنها.
ما
تعوّد الناس عندنا على النقد العلمي البريء، بنزاهة، فيتوهمون
أن النقد المذكور طعناً. آفتهم الكبرى الهوى والتحزب. قيل
قديماً: (آفة الرأي الهوى). رجل الحقيقة يقف فوق الأهواء
والأطماع والشهوات. الهوى الوحيد المسموح هو أن يهوى المرء
الحق أي يسوع الذي هو مصدر كل خير وحق. فقد كنتُ أقرب الناس
إلى قلب البطريرك الياس. إن انسَ لا انسَ: 1- رؤيتي له في
22/9/1978 خارجاً من شاغورة دير صيدنايا درويشاً مثل أبسط
الرهبان، متذَلّلاً خاشعاً مثل النسّاك. 2- قوله لي مرة: أنا
كل تفكيري محصور بالكنيسة. كان ذلك في حلب. 3- تألّق وجهه في
7/5/1966 بعد أن وضعتُه في الصورة الوحيدة للإنقاذ، واطمأن
قلبه إلى سلامة الحل وما فيه من فروسية في الإنجاز. |
|
فبعد أكثر من 35 سنة من الصدق والنزاهة في المحاماة كان شعاري
وبقي: العلم هو العلم، الحقيقة هي الحقيقة، النزاهة هي
النزاهة، في نور الرب ورضوانه.
يبقى في الكتاب عيب خاص بالمصنِّف اليوناني لا بالمترجم.
بالاماس (بوق آباء الكنيسة) لاهوتي شخصاني يفهم الثالوث
الأقداس والتجسد الإلهي والإنسان انطلاقاً من مفاهيم لاهوتية
فلسفية شخصانية تركز على كون الله 3 أشخاص ويسوع شخصاً في
طبيعتين والإنسان شخصاً في روح وجسد. هذا هو العصب الحسَّاس في
كتابي (سر التدبير الإلهي)، كما استخلصته من المصادر
اللاهوتية. فات الكاتب اليوناني أن يعرض موضوعه في هذا الإطار
اللاهوتي الشخصاني.
البطريرك الياس هو اليوم في حِجال الله. فالمداراة والعواطف في
الكتابة عنه ممنوعة. الصراحة والصدق أثمن الجواهر.
صارت كتبه مراجع دينية في اللغة العربية. لا نستطيع أن نتعامل
معها إلاّ بحياد النقّاد من الأدباء. وإن درسه ونقده، بنزاهة،
صحبة المقربون، وضعوا الأمور في نصابها الصحيح وأراحوا الأجيال
القادمة من التخبط العشوائي بسبب نقص المعلومات أو عدم اتصالهم
الشخصي به. عايشته منذ 1943- 1944. وسأبقى صديقه الوفيّ إلى
الأبد. وله الفضل في تناولي القلم للتصنيف اللاهوتي. أليس هو
أبو النهضة اللاهوتية في الكرسي الأنطاكي الذي فهم علم اللاهوت
رهبانية وصلاة ودروشة لا حذلقة وتفلسفاً، فِهمَه رسالةً
وتكريساً لله لا ادعاء فارغاً وتباهياً. كان يحلم بجيش من
اللاهوتيين المتربين على ذلك، المكرّسين، والرهبان الأُصلاء.
ولا قيامة لكنيستنا بدونهم، وإلاّ كنَّا مرتزقة وكوارث وعالات.
إنها بحاجة إلى العمق الروحي الرهباني الكافر بالحال والمال
والجاه والطعام واللباس.
ألا رحم الله البطريرك الياس أوسع الرحمات وتقبَّله في حضنه مع
الرسل والشهداء والأبرار، وألهمنا الصبر والسلوان، وأبقانا على
عهد الوفاء. فقد كان البطريرك الياس وفيّاً لصحبه محباً
متسامحاً. فليكن ذكره إلى الأبد.
21
حزيران 1983
اسبيرو جبور