|
الأسرار سبل {الأب شميمن انتقد القول إن الأسرار سبل... اعتبره
دخيلاً غريباً في كتابهWater and Spirit
}
مخلوقة تهب نعمة الله الغير المخلوقة. الإنسان كمخلوق يحتاج إلى
سبلٍ مخلوقة ليقترب ويتناول نعمة الروح القدس الغير المخلوقة. بيد
أن عنصر الأسرار ليس طابعها المادي المخلوق {عرضنا في (المزيفون)
لاهوت المعمودية لدى الآباء} بل الموهبة الروحية الغير المخلوقة
التي تعطى بها. لذلك فالمتقدم إلى الأسرار لا يجب أن ينحصر في رؤية
حجابها المادي. بل عليه أن يحدق روحياً ويتأمل النعمة (الخبيئة في
أعماقها). إن التدبير في المسيح هو النبع الذي تستقي منه الأسرار
النعمةَ. كما قلنا آنفاً: المسيح جدَّد وألّه فيه الطبيعة
الإنسانية المفسودة لأذواق البشر ولكي تثمر النعمة التي انكشفت في
المسيح يجب أن تصبح منظورة في الأشخاص الإيجابيين. هذا لا يحدث
إجبارياً بطريقة آلية سحرية. المسيح لا ينقض حرية الإنسان باسم
خلاصه. مثل ذلك يعني إعادة النظر في هدف الخليقة. خُلِق الإنسان
حراً وابتعد عن الله بحريته. هذا يعني أنه يستطيع أن يبقى إنساناً
إذا ما عاد إلى الله بحريته.
|
إن
أسرار الكنيسة تهب إمكانية التبني الشخصي {للإنسان بداية. إلا أن
اتحاده بنعمة الله التي لا بداية لها ينقله من صعيد الموقت إلى
صعيد الأزل} للنعمة المؤلهة، التي أعطاها كلمة الله لطبيعتنا التي
لبسها. بها يتحد الإنسان الفاسد المنحدر من جذر آدم الفاسد مع أصل
المسيح الجديد، ليصير شريكاً لعدم الفساد والحياة الإلهية. فنعمة
الله الغير المخلوقة الأزلية بسُكناها في الإنسان تجعله لا بداية
له أزلياً { للإنسان بداية. إلا أن اتحاده بنعمة الله التي لا
بداية لها ينقله من صعيد الموقت إلى صعيد الأزل }. هذه التحديدات
الجريئة للإنسان المجدد بنعمة الله لا نجدها لأول مرة عند بالماس.
إن مكسيموس المعترف يستعمل ذات الكلمات ليصف الذين يعيشون في
المسيح من البشر المنقادين بنعمته. في الواقع هذا لا يغير الميزة
الأساسية بين الله والإنسان كخالق ومخلوق، بل يعبر عن الحدث، نظراً
للتجديد الحقيقي الذي يصيب الإنسان بتبنيه للنعمة المؤلهة {الجملة
الثانية توضح الجملة الأولى من هذه الفقرة: الإنسان يتبنَّى...
راجع سر التدبير والمزيفون}. النعمة هذه تجعل الإنسان إلهاً (في كل
شيء ما عدا مساواته (لله) في الجوهر). الإنسان المخلوق يعمل ويحيا
بموجب فعل الله الغير المخلوق القاطن فيه. هذا يجعل الرباط المباشر
مفهوماً بحد ذاته القائم بين الحياة السرية والأخلاقية عند
المؤمنين. إذا بقي الإنسان في الخطيئة فالمعمودية، كما يقول
بالماس، والأسرار الأخرى في الكنيسة لا تفيد في شيء. وهكذا عندما
يأخذ الإنسان نعمة الله ويصبح مالكاً لعدم الفساد والتأله بتناول
الأسرار، يتعرض طوال حياته الأرضية لخطر السقوط بسبب تهاونه
الشخصي. هذا الحدث بدون شك يعطي حياة المؤمن طابعاً مؤسياً. يتضح
ذلك في الحياة النسكية بصورة خاصة حيث الصراع من أجل التغلب على
التهاون المرتبط بالجيل الحاضر، والحفاظ على حرارة الشركة مع الله
ظاهر بشكله العنيف. أما خطر السقوط والموت الروحي في حياة الإنسان
بخوف وجزع. الإيمان بطول أناة الله والشعور بتفوق نعمته ضد قوة
الشرير هو الذي يحل مأساة الوجود البشرية. باشتراك المؤمن في سر
الشكر يتأكد من حضور الله ومن طول أناته ورحمته.
سر
الشكر وسر المعمودية هما، في نظر بالماس، السران الأساسيان. بهما
يتعلق خلاص الإنسان (بهذين السرين يتعلق الخلاص. كل التدبير الإلهي
يتعلق بهما، موقف بالماس هذا لا يشكل تجديداً في التقليد
الأرثوذكسي. الذهبي الفم يقول ما يشابه ذلك. يقول الذهبي الفم وهو
يتكلم عن الجندي الذي طعن جنب المسيح: (لم تخرج الينابيع بصورة
بسيطة ولم تتفجر من الجنب لمجرد التفجّر. لقد قفزت منها الكنيسة
ليجد فيها أولئك الذين يولدون من الماء ويتغذون بالدم والجسد شفاء.
من هنا تأخذ الأسرار وجودها). |
|
لا
يرفض بالماس الأسرار الأخرى، إنه يتكلم عن قدرتها التقديسية كلما
سنحت الظروف، إنه يتكلم مثلاً عن سر المسحة فيقول: (بها تنزرع
النعمة الإلهية في قلوب البشر وتهب ختم النبوة في يوم الخلاص).
ويحرص المؤمنين على أن يكون لهم آباء روحيين وأن يتقدموا إليهم بكل
إيمان وتواضع ليشتروا {ربما: ليستروا} خطاياهم وينالوا الغفران.
النظرية السكولستيكية القائلة بوجود سبعة أسرار، مجهولة في التفكير
الآبائي لذلك بقيت غريبة عن تعليم بالماس مع أنها مقبولة من الوسط
الأرثوذكسي. بقي بالماس ضمن التقليد الآبائي وشدد على سر المعمودية
وسر الشكر اللذين بهما يولد الإنسان من جديد ويصبح مالكاً للنعمة
المؤلهة الغير المخلوقة {بالاماس وسمعان اللاهوتي وكل التراث
الرهباني يشددون على أهمية الاعتراف بالخطايا في توبة حارة صادقة
وعلى الإرشاد الروحي. وهما من أنصار المناولة المتواترة. ويوجب
بالاماس الاعتراف قبل المناولة}. |