|
يقول
بالماس مرتكزاً على موعظة قديمة قيلت باللغة الدارجة: إن المحبة
تفرض تشابه الأشخاص المحبوبين: (كل محبة حاصلة بالمحبة لها
كَمالُها. أما المبدأ فهو التشابه). نجد مِثْلَ هذا المبدأ عند
هوميروس وأفلاطون وأرسطو. حسب العهد القديم خُلِقَ الإنسانُ منذ
البدء (على صورة الله ومثاله). وقد أعاد تجسدُ كلمةِ الله الصورةَ
والرباط اللذين تشوّها، إلى ارتباطهما بالله، وإعادة الرباط بين
الله والإنسان تركزت على القربى القائمة بينهما منذ البدء. كانت
القربى شديدة بحيث أمكن توحيدها في أقنوم واحد، كما يقول بالماس.
الارتباط الحاصل بالمسيح بين الإنسان والله ألَّف بصورة خارقة كل
علاقة وقربى بشريتين. وباتخاذ كلمة الله جسداً ودماً صار أخاً
للبشر، لا بل صار صديقاً لنا، لأنه اشترانا من العبودية وجعلنا
شركاء ومالكين لأسراره. المسيح ذاته قال لتلامذته: (أنه لا يدعوهم
عبيداً بعد لأن العبد لا يعرف ما يصنعه سيده، بل يدعوهم أصدقاء
لأنه عرّفهم كل شيء سمعه من أبيه). المسيح هو أب أيضاً وأم للبشر
لأنه يلدهم بالمعمودية ويغذيهم كأطفال رضّع لا بدمه بدلاً من
الحليب فحسب، بل بجسده وروحه. بارتباطه بسر الشكر الإلهي مع
المؤمنين بجسد واحد يصبح المسيح عريساً للبشر.
إن
تشبيه محبة الله للبشر بالمحبة الزوجية كان معروفاً ومنتشراً عند
كتبة العهد القديم، وخصوصاً عند لاهوتيي الكنيسة المستيكيين {mystiques
: صوفيون}.
إن بالماس يعتبر المحبة الزوجية أسمى الشكر الإلهي. في الزواج
التصاق جسدين بجسد واحد لا في روح واحد، أما في سر الشكر فالتصاق
لا ينحصر في الجسد بل يتعدى إلى الروح لنصير معه روحاً واحداً. يا
للشركة المتعددة الأشكال التي لاتحد! لقد صار المسيح أخاً لنا،
فناولنا جسداً ودماً وجعلنا أصدقاء مقربين بإعطائه لنا هذه الأسرار
وربطنا ونسقَّنا بالمناولة كما يرتبط العريس بالعروس، وصار معنا
جسدا ًواحداً وكذلك صار لنا أباً بمعموديته الإلهية وأرضعنا من
الأثداء الأليفة كما ترضع الأم الحنون أطفالها.
الإتحاد في المسيح الحاصل بسر الشكر الإلهي ليس إتحاداً شبيهاً
بوحدة كلمة الله مع الطبيعة البشرية. إنه ليس إتحاداً
أخلاقياً فقط. مع أن المسيح يتحد حقيقياً مع كل إنسانٍ يتقدم
بإيمان لهذا السر إتحاداً لا ينحصر في دائرة الأخلاق، إلاَّ أنه لا
يشكل معه أقنوماً واحداً كما حدث في وحدة كلمة الله مع الجسد
المتخذ. هذا الاتحاد السري هو اتحاد حقيقي مع النعمة المؤلهة ومع
فعل المسيح، لهذا يبقى المسيح دائماً واحداً (كذي أقنوم دائم لا
يتجزأ). بينما الذين هم على (شكل المسيح) كثيرون. إن أكندينوس بعكس
بالماس يقول: (الإنسان بالمناولة الإلهية يشترك بالطبيعة الإلهية.
من يعلّم أن الذين يتناولون الأسرار الإلهية لا يشتركون في الطبيعة
الإلهية يقاوم رأي الرسول بطرس وكل الآباء). الموقف الذي يتخذه
أكندينوس موقف خاطئ مبني على ارتكاز خاطئ وعلى فهم خاطئ للكتاب
وللتعليم الآبائي، لهذا جاء يضادّ بجلاءٍ العلم المسيحي
الأرثوذكسي. وهذا التضاد مرتبط بموضوع الشركة في الله وعدم الشركة
برمته. |