|
إن
النعمة المعطاة إذاً بالمعمودية توجه إلى كل إنسان ولها طابع
(العربون). المعتمد يصبح ابناً لله وينتظر التبني ومتحداً يرجو
الاتحاد ويتأله وينتظر التأله. من المفروض أن يتم تعميم التبني
والتجديد وتأله الإنسان في الجيل الآتي بالقيامة الثانية قيامة
الأموات وبتتميم مواعيد الله. كما أن الطفل المولود كاملاً يملك من
أبويه إمكانية صيرورته رجلاً يرث والديه ولا يملكها بسبب صغر سنه،
كذلك الإنسان المجدد بالمعمودية، فإنه مؤهل للتبني المذكور والتأله
في الجيل الآتي مع أنه يعطي القوة ليصير ابناً لله ووارثاً للمسيح
{أي أن كمال التبني والتأله والاتحاد يظهر في الجيل الآتي}.
مرحلة
حياة الإنسان بعد المعمودية تعطي الإنسان إمكانية النضوج في الحياة
في المسيح وإنماء الشركة مع الله بمعونة نعمته. وكما سنقول فيما
بعد، كل مسيحي يجب أن يتشبه قدر طاقته بحياة المسيح، فالمعمودية
كأول لقاء بين الإنسان والله، تتحقق باشتراك المعتمد في موته
وقيامته، وتشكل بدء قبول التشبه بالمسيح. موت الإنسان من أجل
الخطيئة وحياته مع المسيح وبه يجب أن يتحققا عملياً في حياة
الإنسان على الأرض.
كل
الذين يأخذون ويحافظون على نعمة المعمودية المجددة، يمكنهم أن
يميزوا داخلياً تجددهم، وأن يمتلكوا خبرته المستيكية {mystique
صوفية}.
جدير بالاهتمام ما يقوله سمعان اللاهوتي الحديث عن ضرورة وجود مثل
هذه الخبرة عند المسيحيين. يركز سمعان على قول الرسول بولس (أنتم
الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم)، فيقول (كل مسيحي معمَّد يلبس
المسيح. من هو المسيح الذي لبسناه ؟ إنه بكل تأكيد الله والإنسان
الكامل الذي بألوهته أَلَّه الطبيعة التي اتخذها والتي بها يؤله
البشر. كيف يمكن أن يتجاهل الإنسان الشيء الذي لبسه ؟ عندما يلبس
العريان فوق جسده فإنه يشعر بالحدث الذي تم ويميز نوع لباسه. كيف
يمكن للعاري نفسياً أن يبقى عديم الشعور عندما تلبس نفسه المسيح ؟
إذا حصل ذلك فهناك تفسيران ممكنان: إما أن الله غير موجود أو أن من
لبسه هو عديم الشعور أي مائت. إني أخاف أن يكون الذين يدعون أنهم
يملكون المسيح إنما يملكونه بدون أن يشعروا به. في هذه الحالة هم
أموات وعراة النفوس).
يصعب
علينا أن ندرك بصورة صحيحة نظرية سمعان اللاهوتي وبالماس وغيره من
الهادئين {رهبان في جبل آثوس (اليونان)، دافع عنهم بالاماس. يقولون
إن نعمة الله غير مخلوقة. يركزون على الهدوء والصلاة المتواصلة
مرددين صلاة يسوع} وتعليمهم عن النور غير المخلوق، إذا نسينا أن
أعماقه اللاهوتية قائمة في التقليد الأرثوذكسي عن الأسرار. تجديد
الإنسان الحقيقي بالمعمودية وبالتالي دمج الوجود البشري كله مع جسد
المسيح المتأله في سر الشكر يعطيان الأساس اللاهوتي المتين للرؤية
السوية للنور غير المخلوق.
موت
الإنسان بعد المعمودية بطاعته لسلطان الخطيئة ليس مظهراً نادراً.
لا يعود هذا إلى ضعف وعدم كمال المعمودية، كما يقول مرقس الناسك،
بل إلى الإهمال ومحبة الإنسان للشهوة. المساليون {المصلون: فرقة
سورية من الرهبان في منطقة الفرات: مرفوضون}، بالعكس، يشددون على
أن المعمودية لا تجتثّ أسباب الخطيئة المرتبطة ارتباطاً جوهرياً
بنفس الإنسان. يعتبر بالماس أن التنكر لإرادة الله بعد المعمودية
هو ممقوت أكثر مما هي ممقوتة سقطة آدم. يقول (يتهمون آدم أن مشورة
الشيطان قد أقنعته بسهولة، فتنكر لإرادة الله، وهكذا صار سبباً
لموت البشر. ألا يساوي من أراد قبل الخبرة أن يتذوق فاكهة سامة ذاك
الذي أكل منها بعد خبرة الموت ؟ إنه أكثر شقاوة من ذاك الذي أكل
دون أن تكون له الخبرة). |