الصورة الإلهية في الإنسان

الأب الشماس اسبيرو جبور

القديس غريغوريوس بالاماس
1296- 1395

يعتبر الصوم الأربعيني الكبير فترة تهيئة روحية مكثفة يتمكن المؤمن في نهايتها من ذوق فرح القيامة المجيدة. وقد حرصت الكنيسة الأرثوذكسية بطقوسها على مساعدة الإنسان المصلي ليرسخ في ذهنه العقائد والتعاليم القويمة وبالتالي ليسمو روحياً حتى يبلغ نهاية هذه المرحلة وكلّه رجاء بالخلاص الحاصل بيسوع المسيح.

أما الأحد الثاني من الصوم، فتكرم فيه الكنيسة القديس غريغوريوس بالاماس، الذي عرف كيف يحفظ العقيدة الأرثوذكسية والتقليد الآبائي الشرقي ويحميه من الهرطقات والخضات الفكرية التي كانت تجتاح بيزنطية في أوائل القرن الرابع عشر، بضع عشرات من السنين قبل سقوط الإمبراطورية.

ولد القديس غريغوريوس سنة 1296 في عائلة نبيلة من آسيا الصغرى. كان والداه قد هاجرا إلى القسطنطينية عند الاجتياح التركي. لذلك نشأ في بلاط الإمبراطور اندرونيك (Andronic) الثاني الذي كان من أتقى الحكّام البيزنطيين والذي حققّ التيوقراطية (Théocratie) بتأثير صديقه البطريرك أثناس الأول.

مكنته دراسته من معرفة الفكر الأرسطوطالي الذي يعتبر نوعاً من رياضة فكرية يستطيع المسيحي مزاولتها، لكنه لم يطلع على فلسفة أفلاطون ولا على ميتافيزيقيته المتعارضة والتعليم المسيحي. في القسطنطينية عاشر الرهبان. وبتأثير منهم نما عنده ميل إلى الحياة الرهبانية، فقرر سنة 1316 دخول الدير هو وجميع أفراد عائلته بما فيهم أمه وأختاه وأخواه والخدم، إذ أنه كان هو المسؤول عنهم جميعاً بعد وفاة والده. البعض التحق بأديرة العاصمة، أما هو وأخواه فقد اختاروا جبل آثوس حيث عاش الحياة الرهبانية طيلة 20 سنة.

كان جبل آثوس في القرن الرابع عشر مركز إشعاع روحي وثقافي مهم. لذلك فإن السنوات التي قضاها غريغوريوس هناك كانت بمثابة خبرة روحية مهمة له كما، أتاحت له فرصة التعمق بالأدب الرهباني ومعايشة مشاكل الحياة الرهبانية ومحاولة حلها عن كثب:

هناك تياران متعارضان من الحياة الرهبانية كانا يتجاذبان رهبان جبل آثوس: التيار الجماعي الشركوي الذي أدخله القديس أثناسيوس إلى آثوس في القرن العاشر، بموجبه يعيش الراهب حياة شركة ضمن الجماعة وينذر العفة والطاعة والفقر.

منذ القرن الحادي عشر دمجت الرهبانية البيزنطية التيارين. فكان للمعلم الروحي سلطة على الرهبان في الرهبنات الجماعية، إلى جانب سلطة رئيس الدير، كما أن بعض المتوحدين كانوا يجمعون حول معلم روحي واحد، يتقشفون ويصلون سوية أيام السبوت والآحاد وهم متوجهون إلى دير من الأديرة حيث يشاركون في الخدمة الإلهية.

انتقد بالاماس بشدة التوحد المتطرف الذي لا يقيم وزناً للحياة الليتورجية واتبع طريقة الدمج بين التيارين في جبل آثوس. وهكذا عاش بشكل متقطع وفي جماعات كبيرة، بالقرب من دير Vapépodi ثم في دير Grande Laure ثم في دير Glossia ولكن خوفاً من القراصنة الأتراك قررّ بالاماس مع عدد من الرهبان التوجه إلى الأرض المقدسة وسيناء على الرغم من الاحتلال الإسلامي لهذه المناطق. غير أنه لم يتحقق له ذلك بل بقي في تسالونيك حيث حاول نشر الروحانية الرهبانية خارج الأديرة، وحيث سيم كاهناً سنة 1326. على أثر هذا أسس بضواحي Berrhée ديراً كان رئيساً له وعاش التقشف الشديد طيلة خمس سنوات كان خلالها يتوحد أيام الأسبوع الأولى الخمس أما يومي السبت والأحد فيأتي إلى الأخوة كي يقيم معهم سر الشكر ويتحدث إليهم. وهكذا نلاحظ عنده التوفيق بين الحياة الروحية الفردية والصلاة الجماعية وهو أمر يطبع تعليم بالاماس اللاّهوتي.

عام 1331 عاد إلى آثوس إلى دير القديس سابا بالقرب من دير Grande Laure وعاش الحياة الرهبانية ذاتها التي عاشها.

في سنة 1335- 1336 سمي رئيساً لدير يضم 200 راهب. لكنه ما لبث أن اختلف معهم بسبب منهجه الإصلاحي. فعاد إلى دير القديس سابا حيث كانت تنتظره اهتمامات كثيرة منها المناظرة التي أقامها مع برلعام الكالابري والتي حددت مصير المسيحية الشرقية فيما بعد.

حل برلعام اليوناني من كالابرا (Calabre) في القسطنطينية سنة 1330، حيث نال شهرة واسعة كعالم وفيلسوف وحيث شغل كرسي أستاذ في الجامعة الإمبراطورية. في سنة 1333- 1334 مثل برلعام الكنيسة اليونانية أمام اللاهوتيين الدومينيكان اللذين أرسلهما البابا إلى الشرق ليحضرا لوحدة الكنائس. وفي سنة 1339 أرسل إلى Avignon ليمثل الحكم البيزنطي أمام بينوا الثاني عشر. (Bénoit XIII) ولكن سرعان ما لاقى المتاعب عندما ابتدأ يتعاطى اللاهوت.

نشأ برلعام في إيطاليا حيث تأثر بفكر النهضة الذي كان يحاول التحرر من عقلانية القرون الوسطى الممثلة لاهوتياً بمدرسة للقديس توما الأكويني والقائلة أن لا وجود البتة لكل ما لا يحده العقل. وعليه فإننا بإمكاننا أن ندرك الله إدراكاً عقلياً. هذا التوق إلى التحرر كانت نتيجته فيما بعد الإصلاح البروتستانتي.

في القرن الرابع عشر عرف الغرب فيلسوفاً يدعى غيوم أوكهام نادى بالفلسفة الاسمية nominaliste والقائلة أن المفهوم Concept ليس إلاّ اسماً له مدلول حقيقي موجود فعلاً. تأثر برلعام بهذا التيار الفلسفي فرفض الفكر اللاتيني الذي يدعي بقدرة العقل البشري على معرفة الله وقال أن الأمور الإلهية موجودة فعلاً ولكن لا يستطيع الإنسان إدراكها. وبما أن الله لا يمكن أن يُعرف عقلياً، فإننا لا نستطيع أن نناقش انبثاق الروح القدس. لذلك على الكنائس أن تتوحد إذ أن خلافها حول الانبثاق أمر وهمي. كذلك حارب ما يدعي الرهبان عن رؤيتهم الجوهر الإلهي بأعين الجسد وعن صراع الروح مع قوى الشر فقال أن الإنسان المعلى يجب أن يميت جسده.

هنا راح بالاماس يوجه الرسائل إلى برلعام ينتقد فيها هذا التعليم ويقول: الله لا يُعرف بالعقل. هذا صحيح. ولكن الله تجلّى لنا بالمسيح الذي بتجسّده مكّن البشر من معرفته معرفة تفوق الطبيعة. هذه المعرفة هي غير عقلانية، مستقلة كل الاستقلال عن أي معرفة حسية ولكنها كيانية. وبالتالي حقيقية أكثر من أي معرفة فلسفية عقلانية. فالإنسان ككل، جسداً وروحاً يتمكن من معرفة الله بفعل الروح القدس. إذاً هو لا يرى الله بقوته ولا يدركه بعقله بل بنعمة الروح القدس يعرفه يدخل كيانه وهكذا يستطيع الإنسان أن يبدأ بالتأله منذ هذه الحياة الدنيا. فالجسد ليس سجناً للروح كما ورد في الفكر الأفلاطوني والبرلعامي، بل هو يقبل الأسرار التي تغذي النعمة التي فيها وتنميها بداخله وهو يقوم في اليوم الأخير. تجسد المسيح هو أكبر دليل على إمكانية رفع الجسد وتقديس الإنسان ككل: (1 كو 19:6) و (كولوسي 9:2).

إذاً بالأسرار وبنعمة الروح القدس يدخل المسيح إلى أجسادنا النعمة ليست مخلوقة هي أزلية، معطاة لنا. ونقبلها أو نرفضها، ندخلها إلى أجسادنا فتفعل فيها أو نبقيها خارجاً. فإن نحن قبلناها تتقدّس أجسادنا وتلتصق بجسد المسيح بواسطة سر الشكر. وهكذا لا يعود الله خارجنا بل نكتشف بداخلنا نور جبل ثابور الذي شاهده الرسل خارجاً عنهم لأن المسيح لم يكن قد مات وقام بعدُ. أما اليوم فإننا كلنا أعضاء جسده، الكنيسة.

لذلك فإن الروحانية المسيحية التي تقول بالرجوع إلى الذات Retour en soi تختلف عن المقولة الأوسطوطالية (اعرف نفسك) Connais-toi، toi-même الرجوع إلى الذات هو الرجوع إلى الداخل لمعرفة النور الإلهي الذي فينا. عندها نشعر بفرح روحي. هذا الفرح لا يفسده الجسد بل بالعكس يعمل في الجسد يروضه، لأنه يطرح عنه كل شهواته ويرتفع به، بحيث يصبح الإنسان كلّه روحاً حسب ما كتب:

Celui qui est né de l'Esprit est esprit. (Jean III-6-8) وهكذا يعيد بالاماس إلى الجسد والمادة اعتبارهما.

كذلك هناك هوة عميقة بين التيار الرهباني الروحي والنرفانا الهندية: المسيحي يعمل من أجل حياة جديدة في المسيح. هذه الحياة توفرها له نعمة المعمودية ونعمة سر الشكر. لذلك فهو لا يدعو إلى تصوف فردي ذاتي، بل إلى شركة في الأسرار مع الجماعة. (نلاحظ عند القديس غريغوريوس تشدده على الاشتراك بالقداس الإلهي لأن من يهمل الاشتراك في الذبيحة كمن يبتعد عن الله).

ثم إن نظرته إلى التاريخ تختلف عن النظرة الهلينية: المسيح الآتي هو المسيح الصاعد إلى السماء، الممجّد: (أعمال 2:1) وهكذا يتكلم بالاماس عن روحانية ترتكز على حدثين تاريخيين: تجسّد الكلمة كحدث ماض وقيامة المسيح كحدث آتٍ. لذلك هو لا يتجاهل التاريخ كما فعل الفلاسفة الهلينيون عندما تكلموا عن السعادة محصورة بالمكان manière spatiale إذ أنها معرفة بهذا العالم وذاك العالم الآخر au-delà بينما الكتاب المقدّس يتكلّم عن زمن حاضر وزمن مستقبل. المسيحي لا يسعى لأن يتحرر من التاريخ لأنه لا يسعى إلى خلع الجسد ولا يحتقر العالم المادي ولكنه يعطي للتاريخ معنى ويرفع العالم المادي عندما يسعى إلى هدف محدد ألا وهو التأله الكلي أي الاندماج بالمسيح. الإنسان المتقدّس يتمكّن بواسطة الروح القدس من مشاهدة الملكوت الآتي مشاهدة مسبقة.

هذه النفحة النبوية للرهبانية الشرقية تجعلها مسؤولة ليس عن خلاص الرهبان الذاتي وحسب بل عن سلام الكنيسة جمعاء. وهذا ما دفع بالاماس إلى الخروج من عزلة جبل آثوس والاهتمام بشؤون الكنيسة جمعاء وبتعاليمها.

أول مستند رسمي نشر ضد برلعام كان سنة 1340 – 1341 كتبه بالاماس ووقعه رهبان جبل آثوس مجتمعون.

سنة 1341 حرم المجمعان اللذان عدا في كنيسة القديسة صوفيا في القسطنطينية الفيلسوف برلعام الكالابري الذي غادر الشرق وعاد إلى إيطاليا حيث سمي أسقفاً على جيراس (gérace).

بالرغم من هذا التماسك الظاهري للحكم البيزنطي والإخلاص لتعاليم المجامع المسكونية السبعة كان داخل الإمبراطورية صراع داخلي بين تيّارين: تيّار هيليني فلسفي يدعو الكل أن يقبل على دراسة العلوم الهيلينية لأن الجهلة أناس ناقصون وآخر روحاني لاهوتي متميز عن الفلاسفة القدامى والذي يقول أن ليس بالمعرفة العلمية أو الفلسفية نكتمل بل بمعرفة المسيح وتعاليمه إذ لا حياة ولا نشاط فكري إلاّ في المسيح يسوع. هو يجعل حياتنا أفضل ويملأنا بحكمة الله فنصير حقاً على صورة الله ومثاله (فيليبي 14:3- 15).

أما الكنيسة فكانت تتمسك بتعاليم المجامع السبعة لتحمي نفسها عقائدياً. وكانت تحرم كل من تخول له نفسه أن يوفق بين الفلاسفة الهيلينيين والإنجيل. (الأحد الأول من الصوم هو أحد الأرثوذكسية فيه كان يحرم كل من يعتنق الفكر الأفلاطوني أو كل من يتبين فكر الفلاسفة الغير المسيحيين). هذا التزمت هو حمى الكنيسة من الخضات والهرطقات التي أتت بها العصور الحديثة والتي زعزعت الكنيسة الغربية كما حصل في عصر النهضة أو بسبب حركة الإصلاح البروتستانتي.

ومن جهة أخرى وبسبب بعض الانقلابات السياسية والخضات التي حصلت داخل الإمبراطورية البيزنطية والتي دانها بالاماس لأنها أفقدت البلاد السلام الذي كان يعني له الكثير، أوقف واتهمه البطريرك زوراً بالهرطقة لتبرير سجنه سنة 1343. وفي سنة 1344 قطع من الشركة وسيم أكندينوس، الذي كان بالاماس قد حارب تعليمه سابقاً، كاهناً. لكن الإمبراطورة آن التي كانت تعتبره عدواً سياسياً ولكن تقدر فيه اللاهوتي ورجل الكنيسة، وقفت ضد البطريرك وأبعدته سنة 1347 على أثر هذا عاد كانتاكوزان Cantacuzène عدو البطريرك إلى العاصمة وأعاد الاعتبار إلى بالاماس. وفي سنة 1347 عين أسقفاً لتسالونيك.

ومنذ مجمع 1351 أصبحت تعاليم بالاماس هي تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية وطقوسها.  

في تسالونيك رعى شعبه بحكمة. ولكنه وعندما كان يقوم برحلة من تسالونيك إلى بيزنطية وقع في أسر الأتراك حيث قضى ما يقارب العام. رسائله في هذه الفترة تدل على تأثره بمعاملة الأتراك للأسرى المسيحيين ورحمتهم لهم. كما تدل على اهتمامه بالدين الإسلامي الذي اطلع عليه من خلال نقاشه مع ابن أمير أورخان حتى أنه كما كتب (كان يأمل أن يأتي يوم يكون التفاهم بيناً على أحسن وجه).

لم يمنعه تمسكه بتعاليم الأرثوذكسية من الانفتاح على الآخرين والتحاور معهم. هذا التدين الصادق والقابلية للحوار ساعد فيما بعد وبقدرة إلهية على بقاء المسيحية الشرقية بالرغم من الاحتلال التركي الذي دام 400 سنة.

توفي القديس بالاماس سنة 1359 في تسالونيك. وفي سنة 1368 كرسه تلميذه وصديقه البطريرك المسكوني فيلوتي (Philopthée) قديساً.

وهكذا يعتبر القديس بالاماس، كما هو وارد في الطروبارية التي ترتل له، مشعلاً للأرثوذكسية ومثالاً للرهبان وسائداً لا يُقهر للاهوتيين.

سعاد دبس                              
(عن كتاب القديس غريغوريوس بالاماس للأب جان مايندورف)