3-
مع
أن الإنسان ابتعد عن الله، فالله بقي مهتماً به يبغي خلاصه.
(ماذا لم يفعله الله الجزيل الرحمة من أجلِ تحسين الأخلاق
والسير في طريق الفضيلة ؟). حلَّ أولاً في هذا العالم المحسوس
الذي يقود الإنسان ويرفعه إلى خالقه، لأنه مرآة للأمور الفائقة
العالم. كثيراً ما نرى مثل هذه النظرة عن العالم عند الآباء
والكتّاب الكنسيين الأقدمين وخصوصاً عند أوريجين الذي كان يفسر
لتلامذته العناصر الطبيعية المختلفة ومظاهرها تفسيراً يستهدف
من ورائه إثارة الإعجاب في نفوسهم أمام العظمة الإلهية. أمَّا
الوسيلة الثانية فهو الناموس الأخلاقي المطبوع الذي به ردع
الله الإنسان عن الفساد الكلي، وأهلَّه للتبني والتجدد في
المسيح. ويعتبر بالماس هذا الناموس كديان لا ينخدع وكمعلم لا
يخطئ.
|
أمَّا الكشف الطبيعي الذي وهبه الله للإنسان بمدرسة الطبيعة
وبالناموس الأخلاقي المطبوع، فله، بالنسبة لبالاماس، طابع
تمهيدي وتربوي، قيمته طفيلية بالنسبة للمعرفة التي يهبها الكشف
الإلهي.
اختار الله شعبه المختار بقصد تهيئة العالم للكشف في المسيح.
فأبرز في أحضانه أنبياء ومعلمين، واجترح المعجزات، وأعطاه
أخيراً ناموساً مكتوباً، (معيناً لناموس طبيعتنا العقلية،
وللتعليم المنبث في الطبيعة)، وأظهر الله فائق محبته وطول
أناته بإرسال ابنه الوحيد إلى العالم.
في
موعظة قالها القديس غريغوريوس بالماس في يوم السبت العظيم،
أوضح، بجلاء ومهارة خطابية وعمق لاهوتي، هدف التجسد الإلهي.
(صار ابن الله إنساناً حتى يُظهر لنا إلى أي علوٍ يريد أن
يرفعنا. صارع الانحدار حتى لا نتكبر. صار مثنّى {أي صار يسوع
ذا طبيعتين اثنتين: إلهية وإنسانية} حتى يتجاوب كوسيط مع كل
ناحية من نواحي الإنسان، فيحلَّ رباط الخطايا وينفي الفساد
الحاصل من خطيئة الجسد، ويظهر محبة الله لنا وعمق الشرور التي
سقطنا بها، صار ابن الله إنساناً ليكون لنا مثالاً للتواضع
ودواءً شافياً من الكبرياء وليظهر صلاح طبيعتنا المخلوقة من
الله. صار إنساناً ليكون توكيداً ورئيساً للقيامة والحياة
الأزلية حالاًّ اليأسَ. وبصيرورته إنساناً وقبوله للموت جعلنا
نحن البشر أبناءً لله وشركاء في الخلود الإلهي. وأظهر أن طبيعة
الإنسان، خلافاً لكل المخلوقات، خُلِقت على صورة الله. بهذا
القدر يقترب الإنسان من الله قربى تمكنه من أن يصير معه
أقنوماً واحداً {المقصود هو أن طبيعة المسيح البشرية والطبيعية
الإلهيّة متحدتان في الأقنوم الواحد، أقنوم كليهما}. ويتكرم
هذا الجسد المائت فلا تصبح الأرواح المتكبرة أفضل من الإنسان،
ولا يؤلهها الإنسان بسبب لا جسديتها {أي الأرواح الشريرة}،
وخلودها السطحي. يقرب الطبيعتين المتباعدتين البشر والله
بصيرورته مثنّى في الطبيعة). وأخيراً يتابع بالماس قائلاً: (إن
تجسد كلمة الله أظهر وجود الأقانيم في الثالوث الأقدس، ولم
يترك للبشر أن يروا الله كفعل بسيط تشهد له الخليقة ويُرى
فيها).
إن
غنى التعابير وكثرة المعاني اللاهوتية في هذه المقطوعة دليل
على الرؤية المتعددة النواحي لهدف التجسد الإلهي. يشدد بالماس
في أقواله بصورة عامة وكلَّما سنحت له الفرصة، على المعنى
الخلاصي لوحدة الطبيعتين الإلهية والبشرية الأقنومية، دون أن
يهمل النواحي الأخرى من عمله الخلاصي والإشارة إليها.
يتكلم بالماس بنوعٍ من التفاصيل عن عملِ المسيح كمعلمٍ وكمثالٍ
للمؤمنين. المسيح في رأي الآباء وبالماس هو المعلم الوحيد.
أمّا المسيحيون كتلامذة لكلمة الله المتجسد فهم مثقفو الله.
مقابل مشورة الشيطان الخبيثة يقدم لنا المسيح مشورة التواضع
الصالح والطاعة لله. يجابه المسيح الضلال الذي أضله الشيطان
بالحقيقة، ويصف التوبة كقوة للنهوض. لا يمارس الضغط ولا يفرض
إرادته على الإنسان، بل يعلم وينصح الإنسان احتراماً لحريته،
وكمعلمٍ كاملٍ يجعل من شخصيته مثلاً لتعليمه اللفظي.
تعليم بالماس عن المسيح كمعلم للبشر، يذكرنا بالتقليد
الإسكندري اللاهوتي وخاصة بإقليمس وأُرِيجين. ولا حاجة بنا
للقول بأن عمل المسيح كمعلمٍ للبشر قد أشير إليه منذ القدم في
تعليم الكنيسة. |
|
يشدد بالماس بصورةٍ خاصة على الوحدة الأقنومية بين الطبيعتين
الإلهية والبشرية في شخص المسيح. كلمة الله أخذ من العذراء
جسداً بمنتهى النقاوة قابلاً للآلام والموت. يقول في إحدى
المناسبات: إن الموت الطبيعي لا يليق بالمسيح، لا لأن بالماس
يشاطر من شبَّه بهم بأفكارهم الشبيهة الغير الفاسدة، بل لأنه
يربط فوراً الموت بالخطيئة. لذلك لم يكن لا السابق ولا
القديسون مدينين للموت الطبيعي. تعليم بالماس ينفي كل رؤية
شبهية في التجديد في المسيح، أمَّا ما يقوله بصورةٍ خاصة عن
الكرامة التي أعطاها كلمة الله للجسد المائت بتجسده، فهي، كما
يقول كيرن، نشيد النسك المسيحي للإنسان وجسده {النص غامض. قد
يكون المقصود أن طبيعة المسيح البشرية طاهرة. وكان يجب،إذاً،
أن تكون غير قابلة للآلام والاعراض والموت والبلى. إلا أن يسوع
ارتضى – من أجل خلاصنا – أن تكون كذلك أي قابلة للآلام وو...}.
|
-
4-
إن
كلمة الله باتخاذه للطبيعة البشرية، وهبها كمال نعمته، وأعتقها
من رُبُط الفساد والموت. نتيجة هذه الوحدة الأقنومية للطبيعتين
في المسيح، كان تأله الطبيعة المتخذة: (الكلمة صار جسداً
والجسد صار كلمة). هكذا تحقق في المسيح تجديد الصورة وارتفاعها
إلى المثال الأول.
محل بالماس يقوم فوق الخط المدعو بخط (التعليم الطبيعي للتأله
{بالفرنسية physique}).
هذا التعليم يُنبع تأليه الطبيعة البشرية من هذا الاتحاد
الأقنومي بكلمة الله في التجسد. وقد لحظ ذلك ايريناوس وطوَّره
فيما بعد أثناسيوس الكبير وغريغوريوس نيسس وكيرلس الإسكندري
ومكسيموس المعترف ويوحنا الدمشقي {نسي سمعان اللاهوتي الحديث
الرائع}، وصار ملكاً عاماً للتقليد الأرثوذكسي. إن غريغوريوس
نيسس بنقله عقيدة التثليث إلى ساحة العلم عن الإنسان{المقصود (الأنثروبولوجيا)}
يقول: إن طبيعة البشر واحدة بيد أنها تتميز بكيانات متعددة.
إلاَّ أن الطبيعة، كما يلاحظ الدمشقي، يمكن أن تفهم أولاً
(كرؤية عارية). وفي هذه الحالة لا توجد بحد ذاتها، ثانياً،
يمكن أن ينظر إليها في الفرد. في هذه الحالة هي ذاتها مع طبيعة
النوع، دون أن تحوي كل كياناته. إن كلمة الله بتجسّدهِ لم يتخذ
الطبيعة البشرية بالمعنيين الأولين. في الحالة الأولى ليس
التجسد هو المقصود، أمَّا في الثانية فلنا تجسد في كل
الكيانات. ما أخذه كلمة الله في تجسده كان جبلتنا الأولى.
الطبيعة في الفرد التي لم تكن سابقاً، بل أخذت وجوداً في
أقنومه {راجع (سر التدبير) (ص130- 132) فإنه أوضح وأكمل}.
يعلم غريغوريوس بالماس خطياً، أن التجديد في المسيح ليس
تجديداً للكيانات البشرية، بل للطبيعة البشرية المسؤولة التي
اتحد بها كلمة الله بأقنومه. (لم يأخذ منَّا أقنوماً، بل
حدَّده باتخاذه له متحداً به بخواص أقنومه. في شخص المسيح
وُحدّت كل الطبيعة البشرية المنظورة فردياً، فتألهت باتحادها
أقنومياً مع كلمة الله، وأخذت كمال فعل الألوهة). إن جسد
المسيح كجسد كلمة الله المتجسد هو بالنسبة لبالماس والتقليد
الأرثوذكسي نقطة تماس بين الإنسان والله، ويهب الطريق الذي
يقود إلى ملكوت السموات. نجد عند أثناسيوس الكبير الصيغة
المثيرة لهذا الموقف. يلاحظ أنه بعد تجاوز آدم، انقاد كل البشر
إلى الهلاك. جسد المسيح هو أول ما خلص وتحررّ كجسدٍ لكلمة
الله. (أمَّا نحن كشركاء في جسده، نخلص. وهو الذي يقودنا إلى
الملكوت السماوي وإلى أبيه).
بتأله الطبيعة البشرية في المسيح تألهت بداية طبيعتنا، وخلق
(جذر جديد) كفيل أن يهب الحياة وعدم الفساد إلى ما ينبت منه.
هذا الجذر المالك لكمال النعمة يهب للبشر ذاتياً، ويعطيهم.
لأنه، كما يلاحظ بالماس، لا أحد بين المخلوقين يستطيع أن يسع
قوة الروح الغير المتناهية، ما عدا المولود في الحشا البتولي،
بحضور الروح القدس الذي يظلل وقوة العلي. لذلك وسع ذاك كمال
الألوهة، ونحن أخذنا من كماله.
الحالة الجديدة المخلوقة بالمسيح للجنس البشري ليست بعودة
بسيطة إلى الحالة التي كانت قبل السقطة، بل حدثاً رفيعاً جداً.
إنها نقله إلى السموات. حوَّل الله بحكمته الانحراف الإرادي
عند آدم، إلى فرصة لارتفاعه. (وهكذا عرف الله انحراف إرادتنا،
وسقطنا، فرمَّمها بحكمته وأعاد تركيبها بصلاحه إلى الأفضل). |
|
بيد أن رباط البشر مع الجذر الجديد في المسيح يتأتى عن سبب
طبيعي كرباطهم بأصل آدم العتيق. أي كما أن سلالة البشر من آدم
تربطهم عفوياً بالأصل القديم، فإن وحدتهم مع الأصل الجديد
تتحقق بالاشتراك الشخصي الحر في البعث في المسيح. وهكذا
فالتعليم الطبيعي عن التأله الذي شرحه آباء الكنيسة
الأرثوذكسية وبالماس لا يدعو إلى تحويل البشر تحويلاً
ميكانيكياً، بل إلى تجديد فعلي للطبيعة البشرية في أقنوم كلمة
الله. يراه كل إنسانٍ يشترك شخصياً وبملء حريته في حياة
المسيح.
إنَّ آباء الكنيسة وبالماس بِرَبطهم تألهَ الطبيعة البشرية في
المسيح بوحدتها الأقنومية مع كلمة الله لا يقلّلون من قيمة
المعنى الخلاصي التجددي لموته وقيامته، بل يجعلونهما الأساس
المتين الذي عليه يرتكزان، فيصيران ينابيع تجددية ثابتة
للإنسان. إن الآباء وبالماس يواجهون التجسد لا كلحظة زمنية، بل
كموت إيجابي تمَّ في شخص المسيح الذي عاش وعلَّم واجترح
العجائب ومات وقام وصعد إلى السموات.
إن
اتخاذ كلمة الله للطبيعة البشرية من والدة الإله العذراء يشكل
أساس وبدء التجسد وتأليه الطبيعة البشرية. ويقوم تمامها في
الآلام والقيامة بين كل الحوادث للتدبير الإلهي {هذا رد ضمني
على لوسكي في مقاله (الفداء والتأله) (في كتابه (على الصورة
والمثال)). الرد مصيب (أثناسيوس، في التجسد 20 و 21، وسواه)}.
تجسد ربنا وسيدنا يسوع المسيح هو أميز عمل ولا يضاهيه عمل.
ونهاية هذا التجسد الآلام الخلاصية والقيامة. (آنذاك كل شيء
صار جاهزاً لخلاصنا)، صليب المسيح كان أقوى معركة وأقساها ضد
الشيطان. لقد قضى على الخطيئة وتمجَّدت طبيعة المسيح البشرية
بالقيامة. وأخيراً إن صعود المسيح كسقفٍ لتدبير كلمة الله قاد
البشرية إلى مجد الآب.
ظهرت حقيقة هذا الوضع الجديد أولاً في شخص البتول. صارت حدوداً
بين الطبيعة المخلوقة والغير المخلوقة {بالاماس قال في العذراء
إنها التخوم الفاصلة بين الخالق والمخلوق (مين 472:151)}.
وصارت الطريق والمثال لأولئك الذين صاروا في طريقهم نحو الله،
لأنها أول من عاشت حَدَث تأله البشر.
يتضح من كل ما قلنا أن كل امتهانٍ للطبيعة البشرية في المسيح
لا يشكل قضية لاهوتية فقط، بل فيه انحدارات بشرية عقلية. حارب
أثناسيوس الكبير الآريوسيين، لأنهم أهانوا ألوهة المسيح
وخرّبوا أساس تأليه الإنسان. لو كان المسيح خلقة لما تمكن أن
يوحِّد خلائقَ الله مع الله، ولكان هو بحاجة إلى من يوحِّده مع
الله. كذلك فعل لاهوتيو الكابادوك ضد أتباع أبوليناريوس الذين
كانوا يرفضون وجود نفس عاقلة في المسيح. لم يكن بالإمكان تحقيق
تأله الإنسان ككل، إذاً كان المسيح ليس بإنسان تام. (لأن الغير
المدرك الذي لا يشفى باتحاده مع الله يخلص) {النص غامض ومبتور.
المقصود غالباً هو قول غريغوريوس اللاهوتي: (ما لم يتخذه الله
لم يشفَ) أو مع كيرللس: (لم يخلص)}. خصوم بالماس ما أهانوا بكل
تأكيد طبيعة المسيح الإلهية رأساً، إلاَّ أنهم اعتبروا النعمة
المؤلِّهة كمخلوقة. أمَّا بالماس فاعتبر، وهو القائم فوق خط
التقليد الآبائي، إن حقيقة الإنسان الإلهية تُهان بالصميم بسبب
الزعم الجديد. كيف يمكن أن تتأله المخلوقات بطريقة مخلوقة ؟ لو
كانت النعمة المؤلِّهة خِلْقِةٌ أيضاً. لذلك لم يتردد بالماس
من تسمية خصومه بالآريوسيين المكملين لعمل الهراطقة القدماء
وأصحاب البدع.
طبيعة المسيح البشرية حسب تعليم بالماس تألهت بسبب وحدتها
الأقنومية مع كلمة الله، وأصبحت نبعاً لا يجفّ، لأنها تحوي
وحدها كمال الفعل المؤلّه الغير المخلوق. يُعطَى للبشر
ويؤلههم.