الصورة الإلهية في الإنسان

الأب الشماس اسبيرو جبور

طابع الحياة الأخلاقية

الدخول إلى الكنيسة والرباط في المسيح يقدم للإنسان بدء الحياة الجديدة. النعمة المؤلهة الغير المخلوقة التي يمتلكها لا تنحصر في داخله كهدية مخلوقة بل تنتشر قدرة في الحياة في المسيح. النتيجة الأخلاقية الأولى الفورية التي بها أعاد ارتباطه بنعمة الله هي قطع علاقته بالخطيئة، والخطيئة مرتبطة دائماً بالابتعاد الحر عن الله. بمحافظة الإنسان على شركة لا تنفصم مع الله يبقى غريباً عن الخطيئة. خُلق الإنسان من الله ليعيش بلا خطيئة (على صورة لله) يتبعه الاتجاه نحو تقديم الإنسان ذاته إلى الله، وعدمُ الخطيئة {النص غامض. المقصود: خلق الله الإنسان ليعيش بلا خطيئة، إذ هو على صورة الله. فمن واجبات الإنسان أن يقرّب ذاته لله قرباناً زكياً، وأن لا يرتكب أي خطيئة}. الله ليس بخالق لا للشر ولا لأسبابه، أي الخطيئة. الخطيئة هي نتاج متخلِّف ومخالف للطبيعة. ببقائنا حسب الطبيعة ننوجد في طريق الفضيلة، وبابتعادنا عن الفضيلة ننقاد إلى ما هو مخالف للطبيعة فنفعل الشر.

في التحديد المعاصر غالباً ما ينظرون إلى الحياة الأخلاقية والإنسان الأخلاقي كقيدين للحياة الطبيعية والإنسان الطبيعي. الإنسان الطبيعي هو الذي يتكيف وفقاً لأهوائه وضعفه. والحياة الطبيعية توصف أيضاً كذلك. أما الإنسان الأخلاقي فهو الذي يتنكر للحياة وحياته تعتبر غير طبيعية. هذه النظرة إلى الأمور تعتبر غير طبيعية ومخالفة لتعليم آباء الكنيسة. الحياة الأخلاقية هي الأخلاق الطبيعية في نظرهم والإنسان الأخلاقي هو الإنسان الطبيعي.

ما عدا قوة الإنسان الداخلية لممارسة الفضيلة تقوم منذ البدء إمكانية انعدامه. كإنسان حر إرادياً يمكنه أن يبتعد ساعة يشاء عن الله ويحيد عن الطريق الذي سيقوده لتحقيق مصيره. هذا ما فعله الإنسان منذ تجاوزه لإرادة الله. تاق أن يصير إلهاً فثار على خالقه والتصق بالشرير. كان لهذا الحدث نتائجه المدمرة، إلا أن الطبيعة البشرية بالرغم من ذلك بقيت صالحة بجوهرها. الإنسان الساقط ليس (مسيّراً للشر ذاتياً)، إنه يميل إليه تحت تأثير تجربة الشرير. لا تسبب الموت تجربة إبليس. المساليون {بدعة المصلين} وحّدوا التجربة والخطيئة. الأرثوذكسية تقول بأن الخطيئة تفرض مسبقاً موافقة الإنسان لكي تتحقق.

بخضوع الإنسان للفساد والموت يصبح الإنسان عبداً للخطيئة فتنخره بمنخازها. الإنسان يستطيع أن يفعل الخطيئة إذا كان بعيداً عن نعمة الله. (بدون فعل الله فينا، كل ما نفعله خطيئة) حتى عندما يحاول الإنسان أن يفعل الفضيلة. عمل الفضيلة البعيد عن نعمة الله يقود إلى العجرفة وحب الذات. يعجز الإنسان كما يقول بالماس عن التغلّب على تجارب الجسد والنفس والمجد الفارغ إذا كان بعيداً عن الله. وإذا ما استطاع إلى حين أن يرتفع إلى ما فوق هذه الأمور، فإن الانتفاخ بسبب اعتقاده بصيرورته كاملاً يستولي عليه، وهكذا يسقط في الفساد من جديد.

ينعتق الإنسان من هذه الحلقة الفاسدة باشتراكه في الحياة في المسيح. بموته وقيامته مع المسيح يعود إلى حالته الطبيعية ويبتدئ من جديد في سيره نحو الله {التراث الآبائي يقول: الخير في الطبيعة والشر هو على خلاف الطبيعة. راجع العرض الرائع في Myrrha Lot-Borodine، la déification de l'homme، éd. du Cerf.}. ميلاد الإنسان من جديد وتغيير سيره من الشر إلى الخير يتم بفعل تحويله النفسي من ضد الطبيعة إلى الطبيعي، وبإحلال العشق الإلهي محل الهوس الشرير. بانعتاق الإنسان بنعمة الله وبقبوله الشخصي أن يتحرر من سلطان الخطيئة وبتحلله من كل رباط مع الشيطان ينتهي إلى مخطط الله الموضوع من أجله بتطبيقه وممارسته للفضيلة، لفعل صورة الله الطبيعية التي تجدَّدت بالمسيح في الإنسان، والمدعوة لأن تصاب بالتأله {بالاماس متأثر هنا جداً بمكسيموس}.

من السهل أن يُساء فهمُ معنى الاقتداء بالمسيح الذي نصادفه كثيراً في الأخلاق والعلم عنه. إذا قلنا أن الإنسان يمكنه من ذاته أن يقتدي بالإله المتأنس فإننا نقيم وزناً لقوى الإنسان أكثر مما تستحق، فنتبع بذلك هرطقة بلاجيوس وميسليانوس. أما إذا طرحنا جانباً الاقتداء بالمسيح فإننا نقطع معنى (العمل المشترك) ونهمل تعليم الكتاب وآباء الكنيسة. إن الاقتداء بالمسيح حسب التقليد الأرثوذكسي وبالماس يدرك (كتعاون)، كعمل مشترك يقوم به الإنسان المجدد بالمسيح مع فاعل التجدد للحصول على التشبّه بالله.

إن التشبه بالله لا يتحقق عن طريق تقليد طبيعي فقط بل بقدرة الروح القدس التي تعطى للإنسان عند المعمودية. المعمودية تهب بدء حياة التجديد في المسيح وهذه الحياة تنمو بالنعمة وبنعمة المسيح والأسرار التي ترافقه طوال حياته على الأرض {لوسكي انتقد مفهوم الاقتداء بالله (اللاهوت الصوفي، ص212). إلا أن مكسيموس وسمعان وبالاماس ركّزوا عليه جداً}.

ليست نعمة الله سبيلاً مخلوقاً تُخْلَقُ به بعض النقاط المعينة لتماسٍّ بين الله والإنسان، بل فعلاً إلهياً غير مخلوق يروي كل إنسان ويخترقه. وهكذا يربط الإنسان كل حياته بالمسيح. هذا الرباط يتحقق سرياً. أسرار الكنيسة تقدم الأساس والمنطلق وشبكة هذا الرباط السري. يستحيل الخلاص بدون الاشتراك بأسرار المسيح، لا بل إن الخلاص لا يتحقق بدون طواعية الحياة والعيش حسب منطوق النعمة والأسرار. الإنسان لا يعيش سرياً كشريك فقط بل كشريك في أسرار المسيح.

اشتراك الإنسان في موت وقيامة المسيح لا ينحصر في مراحل معينة من الحياة فقط بل يتسع بالقدرة ويغطي كل مراحل حياة الوجود البشري وأشكاله. جسد يسوع المصلوب المقدم لمأكل المؤمنين لا يغذي فقط، كما يقول بالماس، بل يعلمهم شركة فضائل وآلام المسيح المصلوب. إنه يرشد إلى المحبة والتواضع والطاعة وموت الأهواء وإلى الحياة في الله. الشركة في أسرار الكنيسة والحياة الأخلاقية يؤلفان سر الحياة المسيحية.

الحياة المسيحية تولد من النعمة وتنمو بالنعمة الإلهية. في شخص المسيحي يحيا ويعمل المسيح ذاته. إن عمل وموعظة تلامذة المسيح يشكل بالجوهر إعلاناً وتعبيراً عن المسيح القاطن فيهم وبالتالي كل فضيلة بالتجديد في المسيح هي في الحقيقة هدية من الله. هذا الحدث لا يثبت معنى تعاون الإنسان في عمل التأله بل يرفعه أكثر فأكثر لتناسق كامل مع النعمة المؤلهة {أي نعمة الله وإرادة الإنسان الحر تلتقيان: كما التقت الإرادتان والفعلان الإلهي والبشري في شخص يسوع (راجع سر التدبير)}.

عدم خطيئة الإنسان المسيحي هو نتيجة واستمرار للتجدد في المسيح (وشركته مع كنيسة الأبكار). (كل معمد يريد أن يحظى بالغبطة المرجوة وبالخلاص يجب أن يعيش خارج كل خطيئة). بإعادة ارتباط الإنسان بنعمة الله وببقائه فيها يحيا في عصمة من الخطيئة. لقد سبق يوحنا الإنجيلي وكتب في رسالته الأولى: (من يبقى في المسيح لا يخطئ) من يفعل الخطيئة ففعله من الشيطان لأن الشيطان أخطأ منذ البدء. البقاء في المسيح والمعبّر عنه في حياة المؤمن بطرق عديدة يظهر كعصمة من الخطيئة، أي كتلك المرحلة من التشبه بالله والتطور الروحي التي فيها يميز الإنسان بالغريزة الشر والخطيئة ويتجنبهما. رباط الحياة المسيحية والعصمة عن الخطيئة يمكن أن يجدهما المرء بسهولة في تعاليم الآباء والكتبة الكنسيين مثل اغناطيوس المتوشح بالله وأقليمس الإسكندري وأريجينس حتى مكسيموس المعترف ويوحنا السينائي {هو كاتب (السلّم إلى الله) (ترجمة دير الحرف)} وسمعان اللاهوتي الحديث.

والحالة هذه يمكن أن يتساءل المرء بحق: ما هي العلاقة الممكنة بين المسيحي والخطيئة ؟ إذا كان الإنسان يتحرر من الفساد والموت باشتراكه في موت وقيامة المسيح ويصبح غالباً للخطيئة والشيطان ويحصل من جديد على عصمته الطبيعية من الخطيئة التي وهبها الله له ويتجه بالنعمة الإلهية العاملة فيه للتشبه بالله، فكيف نفسر حالته الخاطئة ؟

في الواقع الخطيئة تعني انقطاع الشركة مع الله والخضوع للشيطان. أما الشركة مع المسيح فبالعكس، ويعبر عنها بعدم الخطيئة والقداسة. بابتعاد الإنسان الحر عن الله يخضع للشيطان. إلاّ أنه بالتجسّد الإلهي يدخل الإنسان الجديد إلى العالم، يبتدئ بعصر ملكوت الله. بقبول الإنسان لبشارة المسيح بحرية وبصيرورته عضواً في جسده يدخل عصر اللاخطيئة الجديد والقداسة، ومع ذلك يبقى في العالم الخاطئ هذا ويحيا متقبلاً هجمات القوى الشيطانية. إنه يشترك في حياة المسيح وعدم الفساد، بيد أنه يستمر حاملاً جسداً ميتاً قابلاً للآلام. يشترك في نعمة المسيح الغير الفاسدة المؤلهة التي تقوم مقام العربون، لذلك تنتظر كمالها وظهورها عند ظهور المسيح ولكي تستأهل هذا الظهور تخضع لتوجيهات الله.

تبشير بالماس كما يلاحظ كيرن تبشير صراع لتحسين شخصي وتهيئة لاستقبال المجد المزمع. آلام الحياة والمصائب والموت أيضاً لا تثني عزيمة المؤمن بل تقويها لأنها تقدم فرصاً لتحسين روحي وتقوده إلى الغبطة. إن الموشور الذي به يرى الألم وعلى الأخص الاستشهاد من أجل حقيقة هو شهادة لها معنى أخروي {eschatologique}. هذه المتاعب تتحول إلى نار مطهرة تزداد بها نقاوة النفس وتصبح وعاء للروح أكثر قابلية وسعة. الخطيئة هو الشر الذي يجب أن يخشاه الإنسان في هذا العالم. الخطيئة وحدها تستطيع أن تبعد الإنسان عن الله. كل شيء يمكن أن يعمل لتوبته وعودته وإصلاحه. (لا شيء شرير غير الخطيئة في الحياة. إنها تسبب كل الشرور حتى الموت).

لهذا السبب بالذات يلاحظ بالماس ويقول: مع أن الله يعيد ولادة الإنسان بالمعمودية ويختمه بنعمة الروح، فإنه يترك جسده ميتاً قابلاً للآلام ويسمح للشيطان أن يمتهنه من الخارج فيتمرن على الفضيلة وعمل الخير وفي الوقت نفسه يستعد لقبول عدم الفساد والتأله في الجيل الآتي. وحيث أن الإنسان بقلة إيمانه وبخداع الجيل الحاضر ينجرّ ويخضع للخطيئة. لذلك أعطي سر التوبة الذي به يتحصّن عمل الكنيسة الخلاصي من أجل البشر في وجودهم بين الجيل الحاضر والمستقبل ومن ناحية أخرى تبقى نقاوة جسد المسيح بدون دنس. ما دامت حياة الإنسان كلها خاضعة للخطيئة فمن الضروري إذاً أن يعيش الإنسان حياة يقظة، حياة توبة، طالباً الفرح الإلهي.

مساهمة الإنسان في عمل الله التجديدي والتألهي لها طابع وجودي لا عقلاني. إن بالماس بعكس بارلام. هذا يعتبر أن الفلسفة فرض ضروري لكمال الإنسان، الإنسان كله يحاول بكل قواه طوال حياته أن يعمل ويسهم مع الله لتحقيق مصيره. وذاك يعتبر أن وجودها لا يقدم ولا يؤخر في تقويم الإنسان، بل يمكن أن تصبح هدّامة إذا تحولت إلى هدف بحد ذاتها. لو كانت الثقافة الخارجية ضرورية لتقويم الإنسان ولمشابهته بالله، لكان الحكماء اليونانيون أكثر كمالاً وأكثر رؤية من الأنبياء والبطاركة. وهؤلاء كانوا يفتقرون إلى ثقافة بشرية. يؤكد بالماس بصورة خاصة على يوحنا السابق، قمة الأنبياء والرسم القديم للمتوحدين ويقول: أنه أحرز كماله بعيداً عن أية ثقافة واهتمامات عالمية.

التقويم وتجديد الإنسان، حسب تعليم بالماس، لا يتعلقان بالنمو والإمكانات العقلية أو بدقة معرفة الأمور الطبيعية، بل بنقاوة القلب وتطبيق إرادة الله. بقبول المؤمن نعمةَ الروح القدس المجدِّدة المؤلِّهة، وبمحافظته على شركة الله الحية بتطبيق وصاياه، يجد نفسه على الطريق الراسخ للكمال والتألّه. أولئك الذين يقولون بإمكانية العثور على الصورة والثقافة الإلهيّة على أساس المعرفة الفلسفية يسميهم بالماس ساخراً (بعارِفي الصور) {بالاماس أورد نصوص الآباء (منذ باسيليوس) التي تتهكَّم على حكمة العالم}.

ما هو الطريق الذي يجب أن يسلكه الإنسان لينقِّي قلبه تنقية ناجعة وينسِّق إرادته وفقاً لإرادة الله ؟ في الواقع أن البشر كلهم كعبيد للخطيئة ينوجدون في حالة مرضية متشابهة غير طبيعية نوعياً. مع ذلك كل إنسان، كشخصية حرّة مستقلّة يعبّر عن عادة أخلاقية خاصة تماماً وحرّة. ولكي يصبح الشفاء ناجعاً ويفسح المجال لإمكانية نمو وتحسين الإنسان فيما بعد يجب أن تبتدئ التربية الشافية من حالته المرضية الإيجابية. لذلك فالتوبة هي الطريق الراسخ لشفاء وتقويم الإنسان.

ليست التوبة قابلية وقتية بل طريقة حياة. التوبة هي سير الإنسان عائداً إلى الله الذي ابتعد عنه بسبب الخطيئة. بدء التوبة هو الاعتراف بالخطايا. لا شك أن الإنسان يتوب إذا ما اعترف والتوبة لا تعني إعلان الخطايا صراحة أمام الأب الروحي {الاعتراف جزء من التوبة. التائب يعترف بخطاياه في عزم قاطع ملتهب على تبديل سلوكه جذرياً ونهائياً}. عملية الاعتراف تشكل المرحلة الأساسية الجوهرية لطريقة حياة الإنسان الجديدة ما دام ينال بها شفاءه وتنقيته نفسياً. بعد الاعتراف تبتدئ مرحلة الحياة الفاضلة في المسيح.

بشعور الإنسان بمرضيته الشخصية الأكيدة وبقبوله غفران ورحمة الله يشق خط إبحارٍ يُحدَّد سلبياً بالابتعاد عما حرّمه الله وإيجابياً بالمحبة والالتصاق بالمسيح. يقول بالماس: رأس التوبة هو الابتعاد عما حرّمه الله. أما تطبيق إرادة الله كتعبير عن محبة المؤمن ومحاولته لإنماء الشركة معه والمحافظة عليها نامية، يشكل أيضاً عنصراً أولياً من عناصر حياة الإنسان الجديدة. إرادة الله تُرى واضحة أمام أعين الإنسان في الوصايا التي أعطاها الله وفي رسم حياة المسيح على الأرض. التشبّه بحياة المسيح يشكل شرطاً لازماً للمؤمن. المسيح الجالس في مجد أبيه يدعو مؤمنيه ليتقيدوا بمسلكه على الأرض ويتبعوا طريق المحبة والتواضع {سمّى سمعان التواضع (التواضع المؤلِّه) (المواعظ 117:20): رائع} والطاعة {أنظر السلّم إلى الله:5} والقداسة وعدم الخطيئة التي كان هو أول من اتبعه.

بعض القضايا المعينة ذات الطابع العملي لا تشكل حيِّزاً خاصاً في مؤلفات بالماس اللاهوتية. يعالج بالماس في مؤلفاته القضايا اللاهوتية الكبرى التي طرحها أخصامه على طريق البحث. إلاّ أنه كرئيس أساقفة سالونيك، كان على اتصال دقيق بحياة المؤمنين العملية ومشاكلهم وشعر كراعٍ بضرورة إعطاء الأجوبة الناجعة. نجد مادة غزيرة من هذا النوع في مواعظه التي كان يوجهها إلى مؤمني سالونيك.

كتابه (الوصايا العشر وفقاً لشريعة المسيح، أي العهد الجديد) هو موجز للأخلاق المسيحية ينطلق من وصايا موسى العشر وينتهي ليكون ثمرة من ثمار حياة بالماس الرعائية.

الموضوع الأول من حيث الأهمية في كتابه هذا هو محبة الله الثالوثي الأقانيم. المحبة هذه هي السبب في إتمام الإنسان لوصايا المحبوب. محبة الإنسان لله يجب أن تكون كاملة ونابعة من كل وجوده. أحبب الرب إلهك وحده من كل قلبك وذهنك وقوتك، ولتكن أوامره وأقواله في قلبك، فتعمل بها وتدرسها وتهذ فيها. محبة الله هي أصل كل الفضائل، بعكس محبة العالم التي تسبب كل الشرور. محبة الله ومحبة العالم هما قطبان عكسيان يحددان سلبياً وإيجابياً مضمون حياة الإنسان الأخلاقية. سبب محبة الإنسان للعالم ينبع من محبته لجسده، ومحبة الإنسان لروحه تولد بالعكس محبته لخالقه {تحتل المحبة لدى مكسيموس أهمية كبرى. سمعان ألحَّ على حفظ الوصايا. الكاتب اليوناني أهمل الصلاة التي هي لدى كثيرين: قائد جوقة الفضائل وأمها...}.

بين الفضيلة ومحبة الله يوجد طباق ثابت. بمحاربة الإنسان لأهوائه وبممارسته للفضيلة يحرث المحبة نحو الخير، المحبة نحو نبع وسبب الصلاح، نحو الله. المسيح ذاته يقول: من أحب الله يحفظ وصاياه ومن حفظ وصاياه أحبه. إن محبة الله هي بدء وسبيل وقمة حياة المؤمن الأخلاقية.

ثمار محبة الله هي محبة القريب. محبة القريب دليل على محبة المؤمن للمسيح. وهكذا نرى التعليم المسيحي عن المحبة لا يتبخّر في تأملات سلبية لاهوتية بل تعود إلى الله الحي إلى إله المحبة وتعطي شهادتها للعالم عن طريق محبة القريب.

بانطلاق بالماس من الوصية الموسوية الثانية، (لا تصنع لك تمثالاً...)، يتكلم عن السجود المكرّم للأيقونات والذخائر المقدّسة. يقول بالماس: نسجد (لمن صنعنا أولاً على صورته وثانياً لصورته التي رسمها فينا مسروراً برحمته التي لا تحد). أما السجود للذخائر المقدسة فإنه يرتكز على علاقتها بالنعمة المؤلهة التي باتحادها مع الإنسان ككل الذخائر لا تنفصل عن جسده بعد الموت بل تبقى فيه، كما أن ألوهة المسيح لم تبتعد عن جسده المحيي حتى عند موته على الصليب بل بقيت متحدة به.

وبانطلاقه من الوصية الموسوية الثالثة، (لا تحلف باسم الرب...)، وبذكره لوصية المسيح المكتوبة، (لا تحلف البتة)، ينتهي إلى رفض القَسم رفضاً باتاً. الذي يحلف يتعرض دائماً لخطر تجاوز قسمه والحلف يعني جوهرياً نكران الله. يقترح بالماس على الذين يقسمون أن يتموا ما يفرضه القسم بأمانة وصدق وحتى في هذه الحالة يكونون قد تجاوزوا وصية الله.

كما أن اليهود كانوا في العهد القديم مجبرين على تقديس يوم السبت، كذلك توجب على المؤمنين أن يقدسوا يوم الأحد. كان يوم السبت يوم استراحة الله. صار الأحد بدلاً من السبت لأن فيه قام المسيح توكيداً لقيامة البشر العامة. لمعنى الأحد حسب بالماس وحسب الترتيب القديم معنى وراثي. (إنه اليوم الذي يتوقف به كل ترابي عن العمل). إنه رسم بدء الجيل الآتي الذي ترسمه بكماله المرحلة الخمسينية {أي من الفصح حتى العنصرة}، بعكس مرحلة صوم الأربعين التي تعني ابتعاداً عن الطعام وصراعاً وحزناً وتمثِّل الجيل الحاضر. كرسم لبدء الجيل الآتي يدعو يوم الأحد المؤمنين للاستعداد لاستقباله. ويتحقق الاستعداد بإعادة تحصين المؤمن أخلاقياً بمناولة سر الشكر وبدء حياة دقيقة.

إن تقديم واجبات الاحترام للوالدين ضرورة أساسية للمسيحي. على الإنسان أن يحب والديه بعد الله. الوالدان هم علة وجوده بعد الله. محبة الوالدين يجب أن تخضع لمحبة الله وتتقوَّى بها. عندما تصبح محبة الوالدين ثقلاً على حساب محبة الله، فالمسيحي مدعو لتفضيل محبة الله على محبة الآباء، لا بل يدعى ليتجنَّب ويكره كل قرابة جسدية وصداقة من أجل اسمه. إذا كان المؤمنون مجبرين على محبة واحترام والديهم بالجسد، فإنهم مجبرون أكثر على احترام آبائهم الروحيين الذين قادوهم من الفساد والخداع إلى القيامة والحقيقة المسيحية.

يتكلم بالماس استناداً على الوصية (لا تزن) عن علو ومعنى حياة البتولية. تقدمة المؤمن الإجماعية لله تصبح إجماعية عن طريق هذه الحياة. في نظر بالماس عدم الزواج له طابع أُخروي لأنه تشبُّه بحياة السماء واشتراك مسبق في طريق حياة أبناء الجيل الآتي. (الإنسان يريد أن يكون ملاك الله وأن يجعل حياته هنا كحياة أبناء القيامة وفوق كل اختلاط جسدي). حياة البتولية لا ترقى إلى الملائكة فقط بل إلى الله الثالوثي الأقانيم. (من يعشْ حياة البتولية يشبه الآب الوالد بالبتولية قبل كل الأجيال والابن الذي جاء ولادياً من الآب البتول والروح القدس الذي جاء من الآب لا ولادياً بل انبثاقاً). بعد أن دخل الزواج إلى العالم بسبب معصية الجدين الأولين بورك من الله {بالاماس على رأي القائلين بأن آدم وحواء كانا بتولين في الجنة (راجع سر التدبير، ص8 ونهج البلاغة وشرحه للإمام محمد عبدو، ص23). والبحث طويل وهام لدى مكسيموس}. إلاّ أنه ليس الطريقة المثلى للكمال البشري لأنه يربط الإنسان باهتمامات الحياة ويجعل تطبيق الفضيلة صعباً.

تطبيق وصايا الله يرفع المؤمن إلى خالقه ويعمل على مشابهته، أمّا تجاوزها فإنه يبعد الإنسان عن الله ويجعله مشابهاً للشيطان. القتل والنميمة يُعتبران تجاوزاً لإرادة الله ويقودان للامتثال لإرادة إبليس. من يقتل يبرهن بعمله أنه غريب عن الله الذي يحيي الأموات. ويصح ابناً لقاتل الإنسان بدءاً {أي إبليس}. وكذلك النمام يشبه إبليس لأنه هو أول من نمّ لحواء ضد الله.

لكي يُخضع الإنسان إرادته لإرادة الله وينسّق حياته وفقاً لأوامره يجب عليه أن يقهر نفسه. ومع أن الامتثال لإرادة الله بالقهر هو مطلب لازم وضروري للبدء في الحياة بالمسيح، إلاّ أنه ليس الطريقة المثالية للحياة الأخلاقية. بتطبيق وصايا الله وبتعوّد الإنسان الملحّ على محبته لله وبابتعاده عن الشرير تتولد عادة ممتازة، هي عادة عدم الآلام {الأصحّ: عدم الهوى apathia} التي يحوز عليها النساك.

هذه العادة لا يمكن أن تتحقق لا خارج العالم ولا داخله إلا بالمران والصلاة.