|
بين
الأعوام 1341 و1347 نشب في بيزنطية صراع سياسي وحرب أهلية. يوحنا
بطريرك القسطنطينية كان طرفاً فيها. أما غريغوريوس بالاماس فكان
رجل العناية الإلهية. تسامت نفسه الكبيرة فوق كل العنعنات
والحزازات. كان رجل الحقيقة المطلقة. كان رجل الصدق والنبل. تحوَّل
إلى داعية سلامٍ، فكان محطَّ ثقة المتنازعين على السلطة، كان
الوطني الأكبر الممتلئ نبلاً وشرفاً. قطر وراءه رهبان جبل آثوس
العظام وجمهور الشعب التقي. ألم يكن الرهبان والشعب قوة الكنيسة
عبر التاريخ ؟
|
لأسباب
تاريخية، أضحى بطاركتنا، منذ أيام الصليبيين، هم وبطاركة القدس
مرتبطين جداً ببطاركة القسطنطينية. ومازال الموضوع بحاجة إلى دراسة
مستفيضة يقوم بها مستشرقون ضليعون من لغات العصر ذاك.
في
4/11/1344 حضر اغناطيوس الثاني بطريرك أنطاكية وبعض أساقفته مجمعاً
للباطل عقده يوحنا بطريرك القسطنطينية. أصدر هذا المجمع الذميم
حرماً ضد بالاماس ما لبث جراسيموس بطريرك أورشليم أن وافق عليه
منضماً إلى قافلة الضلال.
رفض
بالاماس الحرم وطعن فيه بكتابات لاهوتية تفنّده. وكان بطريرك
أنطاكية اغناطيوس ملكياً أكثر من الملك، فزاد على قرار مجيمع الزور
والبهتان والباطل تصريحاً مكتوباً يندد ببالاماس. ودخل بالاماس
السجن.
ولكن
سرعان ما تبدّل الزمان. فانعقد في 2/2/1347 مجمع الحق، فأسقط
البطريرك يوحنا والأساقفة المتخاذلين، فسقطوا من مناصبهم. وتم ملء
الشواغر سريعاً، فأنعم الله على سالونيك (اليونان) ببالاماس رئيس
أساقفة لها.
بالاماس رجل الحقيقة الكاملة بدون مساومة. دان خصومه من بطاركة
وسواهم بجرأة الشهداء. اعتبرهم ساقطين من عضوية الكنيسة، لأنهم
وضعوا أنفسهم خارج الحقيقة. واعتبر قراراتهم لاغية لأنها مخالفة
للحقيقة {الدكتور أسد رستم، تاريخ الكنيسة الأنطاكية 327:2- 329،
نشرة بطريركية الروم الأرثوذكس، عدد نيسان 1973، ص19-20. إنما كتاب
الأب جان مايندورف، المعنون المدخل إلى دراسة بالاماس، هو أصحّ
وأكمل: راجع ص95-134 و145- 146 و74 و94 و96- 97 من ترجمته
الإنكليزية}.
في
اللغة الحقوقية المعاصرة نقول: المجيمع وقراراته غير موجودين
Inexistants،
كأنهم لم يكونوا قط. وكل أرثوذكسي مكلَّف أن يرفضهم ويعتبرهم
منعدمي الوجود، أياً كان مُصْدِرُهم. ففي الحقوق المعاصرة، إن كان
قرار محكمة ما منعدم الوجود رفضت دوائر التنفيذ وكل السلطات تنفيذه
بدون حاجة لقرار معاكس من محكمة أخرى.
وللقضية في التاريخ شواهد. وقف الحكام ورجال الدين ضد أثناسيوس
أسقف الإسكندرية. ولكن الكنيسة دانتهم واحتفظت به قاعدة للإيمان.
مجيمع الباطل المنعقد ضد يوحنا الذهبي الفم تحت السنديانة دان
الذهبي الفم، فدانت الكنيسة مجيمع الباطل، ولمع في التاريخ يوحنا
فم الذهب. ورفضت مجمع 449 لأنها لم ترَه ذا استقامة إيمان.
|
|
وما
كانت أزمة القرن السابع بأقلّ ضراوة من سابقتها. ولكن قيَّض الله
لكنيسته الراهب صفرونيوس {دمشقي المولد. صار بطريكاً على أورشليم}
الذي زلزل الدنيا من تحت سرجيوس {كان سوري الأصل على المذهب
اليعقوبي} بطريرك القسطنطينية. وخلف مكسيموسُ المعترفُ أستاذَه
صفرونيوسَ المذكور في المعركة، فكان شهيداً حياً. كان عليه أن يفصل
نقطة وجدانية: إنقاذ العقيدة الأرثوذكسية أو إنقاذ الإمبراطورية
بفضل هراطقة الفعل الواحد والمشيئة الواحدة. تدبَّر الأباطرة
السلطات الكنسية إجمالاً، إلا أنهم فشلوا وزلمهم في شراء سكوت
مكسيموس الراهب.
|
وكان
الباب فيتاليوس قد أرسل رسالة مجمعية إلى بطرس بطريرك القسطنطينية
بدون أن يتعرض فيها للمسائل العقائدية. توهّم بطرس أن فيتاليوس قد
وافق على البدعة. وكان بطاركة الإسكندرية وأنطاكية والقدس موافقين
على البدعة. توهم بطرس، إذاً، أن البطاركة الخمسة متحدون.
وكان
مكسيموس سجيناً. فأتى بطرس السجن ودخل قاووش مكسيموس، ثم قال له:
(من
أية كنيسة أنتَ ؟ أَمِنْ كنيسة القسطنطينية أم روما أم أنطاكية أم
الإسكندرية أم أورشليم ؟ أنظرْ: إنهن وأبرشياتهنَّ قد اتحدّن {يقصد
بطرس الاتحاد في الإيمان بالمشيئة الواحدة}. فإن كنتَ من الكنيسة
الجامعة، فاتحد أيضاً). فأجابه مكسيموس: (إن إله الكون، إذ أعلن
بطرس (الرسول) مغبوطاً لأنه اعترف به أصولاً، قد أبان أن الكنيسة
الجامعة هي الاعتراف به (أي بالله) اعترافاً مستقيماً خلاصياً) {Migne
grec 90 col 132 A}.
أجاب:
(ما حدّده الله منذ ما قبل الدهور، فليجدْ فيّ نهايته، رافعاً إليه
مجده الذي يعرفه منذ ما قبل الدهور) {Migne
grec 90 col 132 C}.
وفي
العام 622 انعقد مجيمع الهراطقة وحكم على مكسيموس بالجلد. ثم تمّ
اقتلاع لسانه وقطع يمناه. فتوفاه الله في العام 622 عن 82 عاماً {Migne
grec 90 col 169 C-172 B}.
مكسيموس كان لبقاً. أفهم بطرس أن الكنيسة الجامعة قائمة على
الاعتراف القويم الخلاصي لا على البطاركة والمطارنة والأباطرة.
أفهمه أن هؤلاء يصبحون خارج الكنيسة الجامعة إن انحرفوا عن
تعليمها. إنما هو يعترف بالإيمان ولا يبالي بالعقوبات ويتمنى أن
تجد مقاصد الله الأبدية تنفيذاً شاملاً.
في
العام 680 انعقد المجمع المسكوني السادس، فالتقى الشرق والغرب تحت
راية مكسيموس. ومكسيموس هو المعلم البعيد لبالاماس. ومرقس الأفسسي
أَبْدَى في العام 1439 وما تلاه، بطولاتٍ مشابهةً لبطولة مكسيموس.
فأطاعته الكنيسة، وخذلت الإمبراطور والسلطات الكنسية المستزلمة له.
الشعب أيَّد مرقس فانتصر الإيمان الحق.
فالمبدأ قاطع في الكنيسة: الإيمان القويم هو المعيار. ومن خرج عليه
سقط خارجاً، سواء كان إمبراطوراً أم بابا أم بطريركاً أم مطراناً
أم فيلسوفاً أم عالماً أم فرداً من أفراد الشعب أم جماعة واسعة من
الشعب. فالمسألة ليست منصباً أو عدداً، بل اعترافاً قويماً
بالإيمان ولو تحمل المؤمن من أجله العذاب والموت شهيداً.
لا
مساومات في الإيمان بل ميتة الشهداء. سمعان اللاهوتي استبسل للحفاظ
على إعلانه قداسة أبيه الروحي. |
|
بقي أن
نجلو مسألة الصراعات اللاهوتية في عهد بالاماس. خصومه قالوا إن
النور الإلهي الذي ظهر في جبل ثابور هو نور مخلوق. بالاماس مثَّل
تيّار آباء الكنيسة، فقال: إنه غير مخلوق وصادر من جوهر الآب.
أخذت
المسألة في الغرب تطورات. لم يكن بالاماس عدواً لللاتين كما يزعم
بعض متطرفي الأرثوذكس. هو أكبر من ذلك. هناك من أساء الفهم. كان
اللاتين يقولون مثلنا إنَّ كلام يسوع في متى28:16 {حاشية متى28:16
في الطبعة الكاثوليكية اليازجية، ص472 من طبعة 1960} ينطبق على
تجلي المسيح، بعد أيام، أمام تلاميذه {Chrysostome،
P.G.58 col 549; André de Crète،
P.G.97 col 937 A…،
Palamas،
triades،
I p 166 (texte et n. 6) et II،
p496 (texte et note 3).
} تبدل
الرأي فقيل إنه ينطبق على خراب أورشليم {Fillion،
Vie de notre Seigneur J.C.،
II p496،
n.1.،
et 496-7.; Bible de Pirot،
in Mat 16:28.
}.
غاريغ {Juan Miguel Garrigues،
Maxime}
يحرف التأله لدى مكسيموس إلى موضوع غير النعمة المؤلهة (غير
المخلوقة). غيره واجهها واعترف بها لديه {De
Gross،
la divinisation du chrétien،
p 321}.
وثالث أثبت أن القديس أوغسطين قال بذلك وأن توما الأكويني لم يكن
بعيداً عن هذا المفهوم. ثم تعقَّدت الأمور {Dict.
de Spiritualité،
VI،
col 709-712
}.
وهذا فتح كبير على طريق التقارب. فالعلماء الأوروبيون يعملون بجد،
بينما صرنا نحن لمتحف التاريخ القديم، أقامنا الله.
وقد
استنفد بالاماس إلى حد كبير حججه ضد خصومه. فقال في نص ورد في متن
الكتاب:
(فكما
أن جسد المسيح الإلهي عند تجلّيه أنار تلامذته خارجياً، إذ كان بعد
لم يدخل إلى أجسام البشر، فإنه الآن باندماجه وبوجوده في داخلهم
ينير أرواحهم داخلياً).
لقد
عقدت في مجلة (النور) الغراء مقالاً حول الموضوع (1979). فقبل
العنصرة كان النور الإلهي والمجد الإلهي يتلألآن خارج البشر (على
وجه موسى لا في داخله، كما قال الذهبي وسواه). أما في يوم العنصرة،
فقد سكن نور الله في داخلنا {يكرر راهبان آثوسيان معاصران لبالاماس
الرأي نفسه هما كاليستوس واغناطيوس: المئوية الروحية،5}. بالاماس
عامل الرسل قبل العنصرة كما عامل آباء الكنيسة أنبياء العهد القديم
وآبائه: قبل العنصرة الروح القدس ورد إلى البشر من الخارج بما فيه
الرسل القديسين. في العنصرة سكن في البشر {Jean
Meyendorff،
Introduction à Palamas،
p 216. Vladimir Lossky،
Vision de Dieu،
P.134.
}.
القديس ابيفانيوس ذكر في عظته عن السبت العظيم أن يسوع شاهد في
الجحيم حتى يوحنا المعمدان الذي هو أعظم مواليد النساء. فأخرجه
منها. في أيقونة العنصرة نرسم مريم العذراء جالسة في وسط التلاميذ
وعلى رأسها ألسنة نارية. فهي نفسها شريكة في نعمة العنصرة المجيدة.
ولكن
كيف شاهد الرسل النور على جبل ثابور وهو نور إلهي سرمدي ألمع من
الشمس ؟
ترانيم
عيد التجلي تتحدث عن إظهار الرب يسوع نوره. مكسيموس المعترف يقول:
(إن (الرسل) عبروا من الجسد إلى الروح (القدس)، قبل أن يغادروا
الحياة بحسب الجسد، وذلك بتحول نشاط حواسهم، الحادث فيهم بالروح
(القدس)) {Maxime،
Migne 91 col 1125 D-1128 A.}.
وهذا ما كرره بالاماس بتوسع {Palamas،
Triades،
I،
3:11،
43;II،3:22
et 25;et III،1:15،
15،20
et 22; Migne 150 col 433 B.}
فقد أثَّر الروح القدس على عيونهم الجسدية، ليبصروا النور السرمدي
الذي ليس مادياً: فالرؤية روحية عقلية جسمانية أي رأى الرسل النور
بأرواحهم وأجسامهم، وذلك بفعل الروح القدس عليهم {قلنا في (سر
التدبير) اعتماداً على لوسكي قولاً يؤيد نصوص بالاماس المنوه بها
في الحاشية السابقة. قلنا: (وقد حجب نوره الإلهي إلا يوم التجلي
على جبل ثابور، مع أن نوره الإلهي موجود دائماً في جسده) (ص98).
ولكن يبدو لوسكي مناقضاً نفس في ص221 من كتابيه (اللاهوت الصوفي) و
ص134 من (رؤية الله)}. |