الصورة الإلهية في الإنسان

الأب الشماس اسبيرو جبور

الكنيسة كشركة تأله

قلنا أن الإنسان بمناولته أسرار المسيح يشترك بنعمته الغير المخلوقة ويتحد معه في جسد واحد وروح واحد. وينتج عن هذا الرباط الشخصي المباشر الفردي بالمسيح وحدة حقيقية وشركة فيما بين المؤمنين. وهكذا تقوم قرابة جديدة فائقة الطبيعة وشركة بين المسيح والبشر. تقول الكنيسة: (الجميع بنعمته واحد في الإيمان به، ونكون جسداً واحداً في كنيسته، ولنا رأس واحد، وروّينا بروح واحد من روحه القدوس، وأخذنا معمودية واحدة، ورجاؤنا واحد، وواحد هو الله الذي فينا كائن فوق الجميع ومن أجل الجميع وفي الجميع) (أفسس3:4- 6).

الكنيسة هي الخليقة الجديدة التي أسسها المسيح المتجسد (ولخّص فيه الكل) {اللفظة اليونانية تعني في رومية 9:13 (لخّص) وفي أفسس 10:1 (أعاد). هنا تعني (أعاد). ترجمة أفسس 10:1 الدقيقة هي: (لكي يجمع كل ما في السموات وعلى الأرض، تحت (رئاسة) رئيس واحد (أي)، المسيح) (هكذا في سيغولد الفرنسية والروسية الحديثة). يسوع رأس الكنيسة ونحن جسده. ايريناوس ليون أعار اللفظة كل اهتمامه}. في المسيح التقت الأرض بالسماء، فتأسست الكنيسة الواحدة ذا الطابع السموي والأرضي، لا تحوي البشر المؤمنين فقط بل الملائكة الصالحين أيضاً. هدف الكنيسة هو تأله أعضائها لذلك يعتبر بالماس الكنيسة شركة تأله. إن خصوم بالماس بعدم قبولهم بوجود نعمة غير مخلوقة توحّد البشر مع الله يهينون أساس التعليم الكنسي الأرثوذكسي.

تأسيس الكنيسة يرتكز على شركة الله مع البشر بواسطة النعمة الإلهية الغير المخلوقة. نعمة الله تربط أعضاء جسد الكنيسة مع الرأس وفيما بينهم، وهكذا تضم إليها كل الكنيسة. لو كانت نعمة الله مخلوقة، كما يقول أخصام بالماس، لما وجدت شركة حقيقية بين الله والبشر، وبالنتيجة لما كانت هناك كنيسة حقيقية. إذا كان البشر أيضاً لا يشتركون بالنعمة بل بجوهر الله فالشركة ليست بشركة تأله، بل شركة آلهة. باشتراك المؤمنين بنعمة الله يشتركون مع الله وينالون التأله كهدية. إنهم لا يشتركون بجوهر الله لأنهم ليسوا آلهة بالطبع ولا في الطبيعة الإلهية.

وحدة الإيمان هي التعبير عن وحدة الكنيسة. الوحدة هذه لا تركز على الرسل فقط بل على الأنبياء {أنبياء العهد الجديد كما في رسائل بولس إلى أفسس وكورنثوس...}، أما المسيح فهو حجر الزاوية. لا يقلل بالماس من قيمة معنى التسلسل الرسولي في الجهاز الكنسي ولكنه لا يضحي في الوقت ذاته بالموهبة النبوية. عندما ينسى خلفاء الرسل اتجاههم نحو حجر الزاوية يسوع المسيح ويبطلون أن يكونوا ممثلين له حقيقة لا ينالون كمكافأة القوة الفائقة الطبيعة التي تقف ضد كل ما يبطل إمكانية إنارة وخلاص البشر، ويمنعون نفوسهم عن أن تكون في الكنيسة {راجع الملحق}. عندما يرتبط الإنسان في الأسرار وفي الحياة في المسيح ويلتصق بكنيسة الأبكار عن طريق الشركة السرية يكون عضواً باراً في جسد المسيح، حتى لو صدر ضده قرار كنسي من قبل الذين يدعون أنهم يمثلون التسلسل الرسولي. ماذا إذاً أليس الذهبي الفم أباً؟ ألا يقف في كنيسة الأبكار كاتباً بوضوح وصفاء عن التقوى؟ وماذا عن أوريجينس؟ لم يحكم عليه وهو يكتب ويفكر؟

ما دامت الكنيسة (عموداً وركيزة للحقيقة) {تيموثاوس الأولى15:3}، كما يقول الرسول بولس، فإن الشركة بها هي شركة مع الحقيقة. (أولئك الذين يملكون الحقيقة هم في كنيسة المسيح. أما الذين لا يملكون الحقيقة وليسوا فيها فهم ليسوا في الكنيسة). الشركة في الكنيسة تعني الرباط مع الحقيقة، شركة مع النعمة الإلهية المؤلهة، حياة في شركة التأله. إذا قطع الإنسان رباطه مع الحقيقة لا ينقطع رباطه عن الشركة في نعمة الله فحسب بل ينقطع أن يكون عضواً في الكنيسة {راجع الملحق}.

هذه النظرة للكنيسة ليست بنظرة تجددية في التعليم الكنسي الأرثوذكسي بل نظرة مرتكزة على روح التقليد الآبائي والبيزنطي. قبل بالماس بكثير يشدّد نيقيطا أستيثاتوس، التلميذ البار لسمعان اللاهوتي الجديد، على طاقة وموهبة طابع الكنيسة، فيصل إلى حد توحيد درجات النقاوة وشركة الإنسان مع الروح بدرجات الرتب الكنسية {اغناطيوس الأنطاكي، هو صاحب أول إشارة إلى ذلك. ثم وسَّعها ديونيسيوس المنحول. إنما نيقيطا المذكور هو على خطى مكسيموس المعترف الذي نعرض أمره في الملحق. وقد صوَّر صراع معلمه سمعان (مع كاتب المجمع استيفانوس ومحازبيه) بصورة مصارعة القديس ثيوذوروس الستوديتي لمحاربي الأيقونات. فسمعان قاوم الكاتب أولاً والمجمع ثانياً، تمسكاً بتقديسه أبيه الروحي سمعان التقي (نيقيطا، حياة سمعان: 72- 100)}.

يتكلم بالماس بسبب موقف اغناطيوس الثاني، بطريرك أنطاكية الموالي لبرلعام في تفكير حول النعمة الإلهية، (يتكلم) بعنف مرموق ضد رعاة الكنيسة الذين يبتعدون عن الحقيقة الكنسية، (هؤلاء البشر المدعوون رعاة ورؤساء رعاة ليسوا كذلك وليسوا حتى أعضاء في الكنيسة. إذا كانوا خارج الحقيقة فهم خارج الكنيسة. المسيحية ليست بأشخاص بل حقيقة وصدق إيمان).

اشتراك الإنسان في الكنيسة ليس، حسب بالماس، مظهراً ثابتاً جامداً بل حقيقة فعلية. ليست نتيجة لموهبة مخلوقة يملكها الإنسان مرة ويحتفظ بها فيما بعد كحق من حقوقه، بل ثماراً لشركة حقيقية مع النعمة المؤلهة الغير المخلوقة. بالمعمودية والمسحة وسر الشكر يتجدد الإنسان وينغرس في جسم الكنيسة في الوقت الذي يكون فيه مخادع هذا العصر يوحي بما يهدد بخطر السقوط والقطع منها.

خطر السقوط هذا لا يوجد فقط لأعضاء الكنيسة بل لكل الرعية المسيحية. الطريق الوحيد للعودة هو طريق التوبة، أي التنكر للكذب وعودة الارتباط بروح الحقيقة {النص غامض. يحتاج إلى الحاشية التاريخية التالية التي جعلناها ملحقاً للكتاب فراجعها}.