الدفاع عن الإيمان المسيحي

العلامة ترتلّيانوس

حياة العلامة ترتلّيانوس [1]

راجع أيضاً "العلامة ترتليانس" عن نشرة رعيتي التي تصدرها مطرانية جبل لبنان للروم الأرثوذكس

 

1. نسبه
اسمه الكامل كوِنتوس سبتيموس فلورنس ترتلّيانوس  وُلد في عائلة وثنيّة، بين سنة 155و106، وفي مدينة قرطاجة (تونس). وكان والده قائد مئة في الجيش الخاص بالوإلي الرومانيّ. تلقي تعليمًا جديًا منذ نشأته. فدرس اللغة اللاتينيّة وتعلم الخطابة، كما درس اللغة اليونانيّة وأتقنها كلامًا وكتابةً. وتعلّم فنون الفلسفة والطب والقانون خاصة وربّما مارس مهنة المحاماة.

 2. سفره إلي رومة وإهتداؤه إلي المسيحيّة
حملته دروسه على السفر إلي رومة في زمن شبابه، فقضي فيها أخصب سنوات عمره، وقد كانت حياته مضطربة بالرغبات، ويبدوأنّه ترك رومة نهائيًا في حوإلي السنة 195، ورجع إلي وطنه في أفريقيا، وحدث تحوُّل عميق في حياته الأخلاقيّة، إذ أنّه أصبح مسيحيًًًًّا.

نجهل تمامًا أسباب إهتدائه إلي المسيحيّة. ولكنّنأنّستدلّ من كتاباته الشخصيّة أنّه تأثَّر بمشاهد البطولة التي أظهرها الشهداء المسيحيّون في رومة، وبقَّوة الأشفية التي كانت تتمّ عن أيدي المسيحيّين في تلك المدينة. وبعد إهتدائه إلي المسيحيّة، كرس حياته للدفاع عن إيمانه الجديد بكلّ قوّة وحماسه حتّى النهاية.

 ونتساءل هنا هل أصبح كاهنًا أم لا. يؤكد القديس هيرونيمس أنّه رُسم كاهنًا، وأنّ هذه الرسامة جرت بعد روجوعه من رومة مباشرة. ولكنّ هذا التأكيد غير مدعم تاريخيًا حتّى الآن. وفي جميع الأحوال، سواء أكان رُسم كاهنًا أم ظلّ علمانيًا، فإنّه سخَّر كلّ علمه ونشاطه لخدمة المسيحيّة والدفاع عنها من البدع، وذلك حتّى آخر لحظة من حياته.

 

3. ابتعاد ترتليان عن الكنيسة
 مرَّ ترتليان بأزمة حادّة في الكنيسة في ما بين السنة 203و212. فإبتعد شيئًا فشيئًا عن الكنيسة. وهذه الأزمة لايعرف المؤرخون تفاصيلها، وهولا يتحدّث عنها في مؤلفاته. ومن المعروف أنَّ آراءه تطوّرت مع الوقت، واتّجهت نحو المونتانيّة ذات الصبغة النبويّة.

ومن الثابت أنّه، منذ عام 204 تقريبًا، أخذ يتحدّث بإعجاب ملحوظ عن عمل الروح القدس في الكنيسة، وعن الأنبياء والرؤي، كما بدأ يثني على الممارسات الزهديّة الجامدة عند الجماعات المونتانيّة في ذلك الزمن، وعلى نقيض ذلك، كان ينتقد "التسامح" الذي وجده في الكنيسة الأرثوكسية في ما يختص ب "لباس النساء" وحجاب العذاري، والزواج الثاني، والصيام، لابل ذهب في ما بعد إلي أقصي الحدود في إنتقاد الكنيسة الأرثوذوكسية ليميّزهم عَّمن حصلوا على أنوار الروح القدس المحفوظة والذين كان ) يسمّيهم "الروحانيّين" فكان يتحدّث عن أعضائها تحت اسم "النفسانيّين"

وفي حوإلي عام 213، فقد ترتليان كلّ إتّزان في علاقته مع الكنيسة، وكان السبب الظاهر قبول بعض الجنود المسيحيّين "إكليل الغار" بحسب التقاليد المعمول بها في الاحتفال المسمّي "دوناطيوم". وإنتقد كذلك تشجيع الأساقفة لهرب كثير من المسيحيّين في أثناء الاضطهادات. هذا وإنّ إنخراط المسيحيّين في وظائف الدولة جعلهم، في نظره، متواطئين مع عبادة الأصنام. كلّ هذه الأشياء جعلت ترتليان ينتقد الكنيسة. ففي رأيه، لامجال للحلول الوسط، إذ على المؤمن أن يختار بين اﷲ والعالم. ولاحلول وسط بين الفضيلة والرذيلة. ولذلك رأي أنّ الكنيسة، بوضعها الذي وصفناه، أصبحت مكانًا لا يؤمّن خلاصه كما يري هوهذا الخلاص.

 

4. نهاية حياته
لزم ترتليان الصمت في آخر حياته. فلمَّا تقدًّم في السنّ، تعب من الجهاد. وكان يخرج بين الحين والحين عن صمته، ليوجه نقدًا لاذعًا إلي الكنيسة الأرثوكسيّة. ويرجَّح المؤرّخون أنّ آخر كتاب وضعه يرجع إلي عصر البابا كلّسْتُس  (217-222). وأثبت تاريخ لوفاته هو220.

وقد قال القديس أوغسطينس فيه أنّه كان قد ترك مجموعة صغيرة من أتباعه تسمَّت على اسمه، وظلَّت حيّة حتّى بداية القرن الخامس. وإستطاع أوغسطينس نفسه أنّ يضمّ هذه المجموعة إلي حضن الكنيسة الأرثوكسيّة.

 

5. طباع ترتليان
كان متطرفًا في مواقفه بشكل لا يعرف حدودًا. فحينما كان مقتنعًا بفكرة، فإنّه كان يتابعها إلي آخر مدي، بدون مراعاة لمتطلّبات الواقع. فكان يعتبر أنّ لا وجود لحدّ وسط بين الخير والشرّ وبين الحقيقة والضلال. ولما كان يكتشف أنّه وقع في خطإ ما، لم يكن يتردّد في حَرق كلّ ما صنعه حتّى ذلك الوقت. وعند ما إهتدي إلي المسيحيّة، هاجم الوثنيّين بشكلّ لا هوادة فيه، كما أنّه هاجم اليهود والهراطقة. وهذا التطرُّف في المواقف جعله غير صبور وكثير المبالغة في مواقفه وكثير التناقضات في أفكاره.

 

6. أسلوب ترتليان في الكتابة والخطابة
كان فصيح الكلام وقويّ الأسلوب أكثر من أيّ أحد من معاصريه. وكانت لديه الأدوات اللازمة لذلك، لأنّه درس الأساليب الأدبيّة في المدارس وإستخدم كلّ مصادره في اللغة والجدل والبلاغة. ولم يكن يتقيّد بقواعد اللغة، فكان يبتدع الكلّمات الجديدة ليعبر عن فكرته. ولكونه قد درس القانون، لم يتردّد في إستخدام جميع الحجج القانونيّة التي كانت في جعبته. وأمّا مؤلّفاته ففهمها صعب للغاية، علمّا بإنّه كان يتمعَّن في كتابة الجمل القصيرة المشحونة بالمعاني والدلالات، وهذا ما أدّي إلي الغموض. ويتميز ترتليان بإنّه كاتب عظيم. وهو الذي نصّر وطوّع اللغة اللاتينيّة عن المسيحيّة، في نهاية القرن الثاني.



[1]  
دراسة موّسعة قام بها الأب وليم سيدهم اليسوعي ننقلها كما هي.