عظات للعلامة أوريجانوس

على

سفر إرميا

العظة الأولى

الترجمة من أعمال الكنيسة القبطية [1]

 

متى  بدأ إرميا يتنبأ؟

تحت حكم أي من الملوك كان يتنبأ؟

وما الذي قيل له من قبل الرب؟

1.الله سريع في تقديمه الخير، بطيء في العقاب لمستحقيه. وبالرغم من أنه قادر علي الذين هم تحت الحكم بدون أن يتكلم أو ينذر، إلا أنه لم يفعل شيئًا من هذا؛ بل بالعكس، حتى عندما يحكم فإنه يتكلم، علي اعتبار أن الكلام هو وسيلة لرفع العقوبة عن المحكوم عليه.

يمكننا تقديم أمثلة عديدة لحنان الله في الكتاب المقدس، ولكن يكفي الآن هذا العدد الصغير الحاضر في ذهني حتى يمكننا إدراك غاية الفقرة التي تم قراءتها. صار أهل نينوى خطاة، وقد تم الحكم عليهم من قبل الله: بعد ثلاثة أيام كان يجب أن تنقلب مدينة نينوى (يو 3: 4).

لم يشأ الله توقيع حكمه عليها دون أن ينطق، ولكنه أعطاها فرصة للتوبة (حك 12: 10)، ومجالاً للرجوع، وأرسل لها نبيًا عبرانيًا، حتى متي أبلغها النبي "بعد ثلاثة أيام تنقلب نينوي" لا يصبح أهلها محكوم عليهم ففيما بعد، وإنما بتوبتهم يتمتعون بالرحمة الإلهية.

          سكان سدوم وعمورة كان محكوم عليهم، كما يظهر من كلام الله لإبراهيم؛ ومع ذلك فقد قام الملائكة بواجبهم في البحث عن الخلاص أناس لم يكونوا يريدون ان يخلصوا، حينما قالوا للوط: "من لك أيضًا هنا. أصهارك وبنبك وبناتك وكل من لك في المدينة أخرج من المكان" (تك 19: 12)، لم تكن الملائكة تجهل أن هؤلاء لن يتبعوا لوط[2]. ولكنهم أكملوا عمل الخير والصلاح من قبل الذين أرسلهم.

          2. سوف تجدون نفس الشيء فيما يختص بإرميا. يحدد النص فترة عمله النبوي: متي بدأ يتنبأ وحتى متي. فإذا لم يستخدم القارئ عقله عند القراءة، وإذا لم يبحث عن الفكرة الموجودة في الجزء الذي تم قراءته، فإنه سوف يقول: إن هذا ليس إلا مجرد تاريخ، يحدد النص متي بدأ إرميا يتنبأ ومتي توقف عن التنبؤ: ماذا أستفيد من هزة القصة؟

لقد قرأت وعرفت أنه توقف عن التنبؤ "في أيام يوشيا بن آمون ملك يهوذا في السنة الثالثة عشرة من ملكه" (أر 1: 2) وأنه تنبأ "في أيام يهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا" ثم "إلي تمام السنة الحادية عشرة لصدقيا بن يوشيا ملك يهوذا" وعرفت أن نشاطه النبوي امتد تحت حكم ثلاثة ملوك "إلي سبي أورشليم في الشهر الخامس"

فما هي إذًا المعلومات التي يمكننا أن نستخلصها من هنا إذا استخدمنا عقولنا في القراءة؟

3. لقد حكم الله علي أورشليم بسبب خطاياها، وكان الحكم هو  تسليم أهلها إلي السبي. ومع ذلك ، فحين جاء وقت السبي، أرسل الله بحبه ورحمته، هذا النبي في أيام المُلك الثالث قبل السبي، حتى يعطي الفرصة لمن يريدوا لكي يفكروا ويتوبوا بسبب كلام النبي. ولقد كلف الله النبي أن يتنبأ أيضًا في أيام الملك الثاني بعد الأول، وأيضًا في أيام الملك الثالث في وقت السبي نفسه. لأن الله في طوا أناته أعطى مهلة للناس حتى عشية السبي، وهكذا يمكننا القول أن السبي قد تم بعد أن نصح الله الناس لكي يتوبوا حتى يمحو لهم آلام سبيهم. أيضًا مكتوب أن "إرميا تنبأ حتى سبي أورشليم في الشهر الخامس". وعندما بدأ السبي كان إرميا مازال يتنبأ، وكان يتكلم بهذا الكلام تقريبًا: ها انتم قد أصبحتم سجناء؛ لكن في هذا الحال توبوا حتى إذا ما تبتم فإن آلام السبي لن تستمر طويلاً، ورحمة الله تأتي عليكم.

إذا فنحن نجد شيئًا مفيدًا في الجزء الخاص بأوقات التنبؤ؛ فلقد علمنا أن الله في حبه لفعل الخير ينصح الذين يسمعونه حتى لا يقاسوا من آلام السبي. ويوجد شيئًا مشابهًا بالنسبة لنا أيضًا: فإذا أخطأنا، فإننا نصبح نحن أيضًا مسبيين، لأن يسلم مثل هذا للشيطان (1كو 5: 5) لا يختلف عن تسليم أهل أورشليم إلي نبوخذنصر: فكما أُسلموا إلي نبوخذنصر بسبب خطاياهم، هكذا نحن أيضًا نسلم إلي الشيطان الذي هو نبوخذنصر بسبب خطايانا؛ ويقول الرسول كذلك حينما يتحدث عن خطاة أخرىن: هؤلاء الذين أسلمهم للشيطان حتى يتعلموا ألا يجدفوا.

4. أنظر إذا أي شقاء عظيم أن يخطئ الإنسان فيسلم إلي الشيطان، الذي يسبي (يأسر) النفوس التي تخلي عنها الله؟! لليس بدون سبب يترك الله هؤلاء الخطاة. فإنه يرسل المطر علي الكرمة ثم لا تعطيه هذه الكرمة سوى شوكًا بدلاً من العنب، ماذا يفعل بها الله إلا أن يأمر السحب بألا تمطر عليها؟

إذًا فنحن أيضًا مهددون بالسبي بسبب خطايانا إن لم نتب يجب أن نُسلم إلي نبوخذنصر وإلي البابليين حتى يعذبونا بالمعني الروحي. أمام هذا التهديد، تدعونا كلمات الأنبياء، وكلمات الشريعة وكلمات الرسل وكلمات إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح إلي التوية وإلي الرجوع. فإن سمعنا لهم نؤمن بالذي قال: "ندم الله علي الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه" (يونان 3: 10).

5. هذا بالنسبة للمقدمة[3]؛ وبعد المقدمة مكتوب أن "كانت كلمة الرب إليّ" أي إلي إرميا بلا شك. فماذا قالت له كلمة الرب؟ قالت له شيئًا مميزًا جدًا ومختلفًا عما قيل للأنبياء الآخرين، إننا بالفعل لا نجد مثل هذا الكلام موجهًا إلي أي من الأنبياء: فقد دعي إبراهيم نبيًا في الآية: "انه نبي وهو يشفع لك" (تك 20:7)، ولم يقل له الله: "قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك" (أر 1: 5)؛ كما تقدس إبراهيم بعد فترة من الزمن حينما خرج من أرضه ومن عشيرته ومن بيت أبيه، ووُلد اسحق بوعد دون أن توجه إليه تلك الكلمات. لقد حصل إرميا علي عطية خاصة وهي: "قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك".

6. ونحن لا نفكر أن البعض يعتقدون أن تلك الكلمات قد تتعدي إرميا، وهم في اعتقادهم هذا ينسبونها إلي ربنا ومخلصنا. يجب أن نعرف أنه إذا كانت معظم العبارات التي سوف أذكرها تتلاءم أو تنطبق علي مخلصنا، فإنه يوجد عدد صغا من الكلمات التي قيلت لإرميا والتي تعتبر محيرة في هذا الشأن، إذ أنها في نظر عدد كبير من الناس لا يمكن أن تنطق علي المخلص.

فما هي إذًا هذه العبارات التي يمكن أن تنطق علي المخلص؟

"إلي كل من أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به. لا تخف من وجوههم لأني أنا معك لأنقذك يقول الرب" (أر 1: 7-8) .

لا يظهر هنا بوضوح أن تلك الكلمات تنطق علي المخلص، ولكن يتضح من التكملة:

"ومد الرب يده ولمس فمي وقال الرب لي ها قد جعلت كلامي في فمك. أنظر. قد وكلتك هذا اليوم علي الشعوب وعلي الممالك لتقلع وتهدم". فأين هي الشعوب التي قلعها إرميا؟ وأين هي الممالك التي هدمها؟

لأنه مكتوب بكل وضوح: "قد وكلتك اليوم علي الشعوب وعلي الممالك لتقلع وتهدم". وأي سلطان كان لإرميا حتى يهلك، إذا افترضنا أن هذه الكلمة موجهة لإرميا :"وتهلك" ، وهل يوجد أعداد كثيرة من الناس بناهم إرميا حتى يقال له : "وتبني".

يعلن إرميا: "لم أعمل صلاحًا" فكيف إذًا يكلف بالبناء والغرس؟ هذه الكلمات إذا طبقناها علي المخلص فلن تحير أو تقلق المفسرين، لأن إرميا هنا هو رمز للمخلص؛ أما هذه التي سوف أذكرها فإنها تدعو كثيرًا للحيرة في تفسيرها، ولكن هذا التفسير بدا أكثر ذكاءً حينما أراد أن يوضح إمكانية انطباقها هي أيضًا علي المخلص: "فقلت آه يا سيد الرب إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد". هو الذي هو الحكمة، هو الذي هو قوة الله: كيف إذًا تنطبق عبارة إني لا أعرف ان أتكلم علي المخلص؟ فضًلا عن أنه غير مسموح بتطبيق كلمات "لأني ولد" علي المخلص، الذي يُفترض هنا انه قال شيئًا غير صحيح (غير سليم) لأن الرب يجيب: "لا تقل" ، فمن المؤكد أنه ينهي هذه العبارة لأنها لم تكن سليمة.

هذه الكلمات إذًا لا تنطق علي المخلص، بينما التي سبقتها لم تبدُ محيرة في نسبتها إلي المخلص. وسوف يكون من الأسهل أن نقول أن بعض هذه الكلمات تنطبق علي إرميا والبعض الآخر علي المخلص.

ولكن في هذه الحالة سيكون كل إنسان ذو عقل راشد حائرًا جدًا في هذه الفقرة علي اعتبار أنه يجب عليه أن يتجرد من عقله ويقوم بعمل تمايز في هذا النص المترابط بين كلمات موجهه لإرميا وأخرى موجهه للمخلص، وليقول أن بعضها لا ينطق علي السيد المسيح ولكن علي إرميا، وأن البعض الآخر الذي يتعدى إرميا لا ينطبق عليه وإنما علي السيد المسيح.

لنقبل إذًا أن الفقرة كلها منسوبة لإرميا، والذي يبدو متجاوزًا لإرميا دعونا نقوم بشرحه.

7. من مِن الناس أخذ كلامًا من عند الله وله نعمة الكلمات الإلهية، ومع هذا يقوم بقلع وهدم شعوب وممالك؟

ولكن عندما نقول أن من أخذ كلام من الله يقلع ويهدم شعوب وممالك، فأرجوك لا تأخذ كلمات شعوب وممالك بالمعني المادي؛ ولكن علي اعتبار ان الخطية تملك علي النفوس البشرية بحسب كلمات الرسول: "إذًا لا تملكن الخطية في جسدكم المائت" (رو 6: 12)، وبما أن هناك أنواعًا عديدة من الخطايا، فسوف نفهم أن المعني الرمزي لشعوب وممالك هو  الشرور الفظيعة الموجودة في نفوس البشر، والتي تُقلع وتهدم عن طريق كلام الله المعطي لإرميا أو لغيره من الأنبياء.

وهكذا يمكننا أن ننسب لإرميا الكلمات الأولي التي اعتبرت محيرة حينما طبقت علي المخلص، وفي الوقت نفسه ننسب لإرميا أيضًا الكلمات الثانية إذا فسرناها بطريقة رمزية.

  سوف يقول لي الحاضرون: اشرح لنا أيضًا العبارة الأخرى، وحاول أن تفسر الفقرة كلها مطبقًا كلامها علي المخلص؛ بالنسبة للجزء الثاني لا توجد صعوبة، فمن الواضح أن المخلص قد أقتلع ممالك الشيطان وهدم الشعوب حينما أباد الحياة الوثنية؛ وأما بالنسبة للعبارة التي تبدو كأنها نوع من التجديف حينما ننسبها إلي المخلص، فأشرح لنا كيف يمكن للرب أن يقول: "إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد".

إذا ترون أن هذه الفقرة المحيرة: فنحن نعلم أن المخلص هو الرب؛ ونتساءل كيف يمكن ان ننسب هذه الكلمات إلي المخلص بطريقة تليق بكلمة الله المتجسد وفي الوقت نفسه تطابق الحقيقة. يجب أن نأخذ الكتابات بشاهد. لأنه بدون شهادات فإن اعتقاداتنا وتفسيراتنا تصبح بلا قيمة، وأن القاعدة: "علي فم شاهدين أو علي فم ثلاثة شهود يقوم الأمر" (تث 19: 15)، تنطبق بالأكثر علي تفسير النصوص والكتابات منها علي البشر؛ وتستلزم أن أبني كلمات تفسيري علي شاهدين هما: في العهد الجديد وفي العهد القديم، آخذًا ثلاثة شهود: من الإنجيل- من كلام نبي- من كلام رسول، لأنه هكذا فإن كل كلمة سوف تكون قائمة. فكيف إذًا يمكننا أن ننسب للمخلص تلك العبارة السابقة؟ هاهي شهادة من العهد القديم: "لأنه قبل أن يعرف الصبي الخير والشر سيرفض الشر ليختار الخير" (اش 7: 16). وبمنتهي الوضوح قيل عن المخلص في إشعياء: "ها العذراء تحبل وتلد إبنًا وتدعو اسمه عمانوئيل" (إش 7: 14). فهنا إذا وردت كلمات: "قبل أن يعرف الصبي".

وإذا كان لابد لنا ان نأخذ أيضًا مثلاً آخر من الإنجيل، فقبل أن يصير يسوع رجلاً، وهو بعد طفلاً صغيرًا، ولأنه "أخلى نفسه" (فيلبي 2: 7)، "كان ينمو" (لو 2: 52)، فليس من أحد ينمو إذا كان قد بلغ درجة الكمال، ولكن الإنسان حينما يكون محتاجًا للنمو، كان "ينمو" إذًا "في العمر"، كان ينمو "في الحكمة"، كان ينمو "في النعمة أمام الله وأمام والناس" (لو 2: 52). لأنه "أخلي نفسه" عندما نزل هنا إلي أسفل، فإذا كان قد استعاد من جديد ما قد تركه حينما أخلي نفسه لأنه أخلي نفسه بإرادته فما العجب أو الغرابة في أنه كان "ينمو في الحكمة والعمر والنعمة أمام الله وأمام الناس"، وفي أن تتحقق بشأنه عبارة: "لأنه قبل أن يعرف الصبي الخير والشر، يرفض الشر ويختار الخير" (إش 7: 16)، وأيضًا عبارات إشعياء الأخرى التي ذكرتها.

          8. ولكن قد يقول قائل: حتى إذا كنت قد تمكنت من نسبة عبارة أنا لا أعرف إلي المخلص، وحتى إذا كنت قد استطعت ان تقول شيئًا مثل هذا علي المخلص باعتباره صبي صغير، أفلا تصدم وأنت تستخدم لغة مثل هذه مع "الوحيد الجنس"، مع "بكر كل خليقة" (كولوسي 1: 15)، مع الذي قبل أن يُحبل به في البطن أعطي هذه البشارة المفرحة: "الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك" (لو 1: 35)، ومع كل هذا يقول "إني لا أعرف أن أتكلم"! أنظر: إذا كنت لا تستطيع أن تجد في هذه الفقرة شيئًا كريمًا أو عظيمًا يوافق المخلص، آخذًا في الاعتبار أنه عندما لا يعرف بعض الأشياء يكون أعظم مما لو عرفها. وعندي لذلك السند والبرهان من كلماته هو نفسه معترفًا أنه لا يعرف بعض الأشياء. فمثلاً بالنسبة للقائلين له: "أليس باسمك أكلنا، وباسمك شربنا، وباسمك أخرجنا شياطين وصنعنا عجائب كثيرة؟"، فيجيب: "اذهبوا عني إني لا أعرفكم". هل عبارة إني لا أعرفكم التي قالها هنا السيد المسيح قد أنقصت من قدرته؟ ألم تعظم من شأنه بالأكثر وتجعله موضعًا للإعجاب من حيث أنه لم يعرف الأشرار والضالين؟ إنه لم يعرف حقيقة سوي المختارين: "يعلم الرب الذين هم له" (1تي 2: 19)، "الذي يجهله يصير مجهولاً" (الذين لا يعترفون به لا يعترف بهم)

          يعتبر إذًا الخاطيء مجهولاً بالنسبة لله. قد يقول الحاضرون: إنك أوضحت أن الله لا يعرف الخطاة، وأنه لا يعرف الذين يفعلون الإثم، لأنهم لا يستحقون أن يكونوا معروفين عنده، ولكن كيف ستقول أن عبارة "إني لا اعرف أن أتكلم" هي عبارة عظيمة ومجيدة إذا قيلت من المخلص؟

إن الكلام هو من البشر؛ إن الكلام هو الاستعانة بلغة، كأن نتكلم لغة العبرانيين مثلاً أو لغة اليونانيين وغيرها من لغات البشر. إذا ارتفعت إلي المخلص وعرفته أنه الكلمة الذي "في البدء كان عند الله" (يو 1: 2)، فسوف تدرك أنه لا يعرف أن يتكلم، لأن اللغة هي لغة بشرية، وأن الأشياء التي يعرفها تتعدى اللغة؛ وإذا قارنت لغة الملائكة بلغة البشر، وعرفت أن الله أيضًا أعظم من الملائكة، كما شهد الرسول أيضًا في رسالته إلى العبرانيين (عب 1: 4-5)، فسوف تقول أنه كان يتعدى ويفوق حتى لغة الملائكة عندما كان الكلمة عند الآب. إذًا فقد تعلّم بطريقة ما، ليس علم الأشياء العظيمة، ولكن علم الأشياء السفلى الصغيرة المحدودة؛ تمامًا كما أغِصب نفسي على المناغاة (التمتة) حينما أتحدث إلى أطفال صغار، لأنه إذا لم أكن أعرف أن أتكلم لغة أتكلم بلغة الأطفال الصغار، فيجب عليّ أنا البالغ أن أضغط على نفسي لكي أتحدث معهم. كذلك المخلص، حينما كان "في الآب" (يو 14: 10) وحينما كان في عظمة ومجد الله، لم يكن يتحدث بلغة بشرية، ولا يعرف أن يكلم الناس الأرضيين، ثم حينما جاء في الجسد قال في البداية: "إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد" وَلَد بمقتضى ميلاده الجسدي، ولكنه كبير جدًا في الأيام بما أنه بكر كل الخليقة: وَلَد لأنه جاء "عند انقضاء الدهر" (عب 9: 26).

          إذً فهو يقول: "اني لا أعرف أن أتكلم"، إني أعرف أشياءً أكبر وأعظم بكثير من أن تقال، أعرف أشياء تفوق هذه اللغة البشرية. أتريدوني أن أتحدث إلي الناس؟ إني لم أعرف بعد لغة البشر؛ إن عندي لغتك أنت أيها الآب إني كلمتك أنت يا الله؛ معك أعرف ان أتكلم، أما مع الناس"لا أعرف ان أتكلم"،

          9. "لأني ولد". "لا تقل إني ولد لأنك إلي كل من أرسلك إليه تذهب"، ثم أن الرب مد يده ولمس فمه وجعل كلامه في فمه، وأعطاه كلامًا من أجل الممالك حتى يقتلعها. إن المخلص لم يكن في حاجة إلي كلمات تقتلع حينما كان "عند الآب"، لم يكن في حاجة إلي كلمات تهدم وتنقض الأشياء الشريرة، لأنه لم يكن هناك شيئًا يستحق الهدم أو القلع.

          وكما أنه شيء عظيم للمخلص أن يقول: لا أعرفكم لأنكم فاعلي ظلم، كذلك هو شيء عظيم أن يقول: "اني لا أعرف أن أتكلم" وذلك بسبب عظمة مجده الفائقة غير المحدودة، والتي يعني بها: اني لا اعرف ان أتكلم بلغة البشر.

          10. أما بالنسبة للكلمات: "قبلما صورتك في البطن عرفتك"، سواء قيلت لإرميا أو المخلص، اقرأ سفر التكوين، ولاحظ ما قيل عن خلقة العالم، وسوف تري أن الكتاب المقدس يتحدث بطريقة جدلية جدًا عندما يتحاشي أن يقول: قبلما"علمتك" في البطن عرفتك. في الواقع حينما خُلق الإنسان "علي صورة الله" :"وقال الله نعمل الإنسان علي صورتنا كشبهنا" (تك 1: 26) ولم يقل "نصور" ؛ ولكن عندما أخذ طينًا من الأرض، لم يعمل الإنسان، ولكنه "صورة" (تك 2: 7)، "وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها" (تك 2: 15). إذا استطعت، لاحظ ما يفرق بين الكلمات "يعمل" و "يصور" ، ولماذا تجنب الرب في حديثه سواء لإرميا أو للمخلص أن يقول: قبلما عملتك في البطن عرفتك: السبب هو الذي عمل ليس في بطن، ولكن الذي صُور من خلال الطين الذي من الأرض هو الذي خُلق في البطن.

          "قبلما صورتك في البطن عرفتك" ؛ لو أن الرب عرف كل الناس يجب أن تكون كلمات "إني لا أعرف أن أتكلم" قريبة من ذهننا هنا لمل كان قد اختص إرميا بالقول "عرفتك". إذًا فالله يعرف الأبرار الذين يكونون مستحقين أن يُعرفوا منه "يعلم الرب الذين هم له" (2تي 2: 19)، وعلي العكس من ذلك فإن الرب لا يعرف غير المستحقين، والمخلص أيضًا لا يعرفهم إذ يقول لهم: "إني لم أعرفكم قط" (مت 7: 23). نحن البشر، نستطيع أن نحكم أي من الأشياء تستحق أن نعرفها: فتوجد أشياء لا نود حتى ان نسمع عنها حتى لا نتعرف عليه، وتوجد أشياء أخرى نريد معرفتها. الرب الذي هو إله كل الأشياء يريد أن يعرف فرعون، يريد أن يعرف المصريين ولكنهم ليسوا مستحقين أن يُعرفوا منه؛ أما موسي فكان مستحقًا هو وكل الأنبياء الذين كانوا مثله. يجب عليك أن تعمل أعمال صالحة كثيرة حتى يبدأ الرب في معرفتك، لأنه إذا كان قد عرف إرميا قبلما صوره في البطن، فإن هناك أشخاصًا أخرى، يبدأ في معرفتهم عندما يبلغون الثلاثين أو  الأربعين عامًا.

          توجد إذًا عبارات غامضة، التي إذا نسبناها إلي المخلص فإنها لا تثير أي تساؤل، بينما إذا نسبت إلي إرميا فإنها تجذب انتباه كل الذين عندهم

11. أذنان للسمع: كيف يمكن للرب ان يقول: "قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك"؟ إن الله يقدس لنفسه بعض الناس؛ ولكنه في حالة إرميا لم ينتظر حتى وقت ولادته ليقدسه، ولكنه قبل ان يخرج من الرحم كان فعلاً قد تقدس. إذا طبقت هذا الكلام علي المخلص، فإنه لا توجد صعوبة في القول بأنه قبلما يخرج من الرحم كان قد تقدس، بل وأكثر من ذلك، فإن المخلص لم يتقدس فقط قبلما خرج من الرحم وإنما قبل ذلك بكثير. أما إرميا فقد تقدس قبل خروجه من الرحم.

          12. "جعلتك نبيًا للشعوب"، إذا قمت بتفسير هذه العبارة ناسبًا إياها إلي إرميا، فسوف تلاحظ في الأصحاحات التالية انه أعطي الأمر بالتنبؤ لجميع الشعوب، وسوف نجد هذا العنوان: النبوات التي قالها إرميا لكل الشعوب، لعيلام، لدمشق، لمؤآب، إذا بما أنه قد تنبأ لكل الشعوب إذًا فالكلمات "جعلتك نبيًا للشعوب" تنطبق عليه بالمعني الحرفي.

أما بالنسبة للمعني الروحي، إذا كان الأمر يتعلق بإرميا فقد سبق لنا الكلام فيه، أما بالنسبة للمخلص، فما حاجتنا للحديث؟ فهو قد تنبأ بالفعل لكل الشعوب، كما أنه ضمن الأسماء (الصفات) المتعددة لله، له اسم النبي، وكما أنه الكاهن الأعظم، والمخلص والطبيب فإنه أيضًا النبي. والواقع أن موسي في تنبؤه بشأن المخلص قد قدمه، ليس فقط كنبي، وإنما كنبي فائق، بقوله: "يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من إخوتك مثلي. له تسمعون. ويكون ان الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه" (تث 18: 15، 19) إذًا فإنه هو الذي جُعِل نبيًا للشعوب، والذي آخذ من الرب نعمة منسكبة علي شفتيه (مز 45: 2). حتى أنه يتنبأ، ليس فقط في الفترة التي كان موجودًا فيها بالجسد، لكن أيضًا الآن بالروح فهو يتنبأ لكل الشعوب حتى يحقق من خلالهم نبوته ويرد الناس إلي الخلاص.

          13. "فقلت آه يا سيد الرب إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد. فقال الرب لي لا تقل إني ولد لأني إلي كل من أرسلك إليه تذهب".

لقد قلنا أنه يمكننا أن نكون أولادًا صغارًا بحسب إنساننا الداخلي رغم كوننا شيوخ بحسب الجسد. ويمكن أن يحدث أيضًا أن يكون الإنسان ولدًا صغيرًا من الخارج ومن الداخل ناضج. هكذا كان إرميا، الذي كا قد أعطي نعمة من الله وهو بعد في عمر ولد صغير بحسب الجسد؛ ولهذا قال له الرب: "لا تقل إني ولد لأني إلي كل من أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به. لا تخف من وجوههم". إن كلمة الله يعرف المخاطر التي يتعرض لها شهوده وأنبيائه من قبل الذين يسمعونهم، فعندما يعاتبون يكرهونهم، وعندما يوبخون ويلومون يضطهدونهم؛ ويتحمل الأنبياء كل الآلام الممكنة: "ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته" (مت 13: 57).

فالله إذًا عندما أرسل النبي كان يعرف جميع المخاطر التي سيواجهها فقال له: "لا تخف من وجوههم لأني أنا معك لأنقذك يقول الرب"، الذي قاساه إرميا نقل إلينا: لقد وضع في دار السجن (في بئر الوحل)، وبقي فيه وكان يأكل رغيف خبز فقط كل يوم (إر 37: 20)، هذا إلي جانب الآلام الكثيرة التي تحملها والتي ذكرت كلها في سفره. "أي من الأنبياء لم يضطهده آبائكم؟"، كما قيل لليهود. وأنه لا مفر من أن "جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون" من قِبَل القوات المضادة المعادية التي تستخدم كل الوسائل الممكنة لديها في اضطهاد المؤمنين. كذلك فإن المضطهَدين يتحملون كل الآلام بدون تذمر، مُتَمَنين أن يُضطهدوا بلا سبب وليس بسبب خطأ ارتكبوه، وإذا حدث أن اضطهدنا من أجل الحق فلنسمع هذا التطويب: "طوبي لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين افرحوا وتهللوا. لأن أجركم عظيم في السماوات. فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم" (مت 5: 11).

          14. "لأني أنا معك لأنقذك يقول الرب. ومد الرب يده ولمس فمي وقال الرب لي...". لاحظ الفرق بين إرميا وبين إشعياء: يقول إشعياء: "فقلت ويل لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين وانا ساكن بين شعب نجس الشفتين لأن عينَّي قد رأتا الملك رب الجنود" (إش 6: 5). وبما أنه من خلال هذا الاعتراف كانت لديه، إن لم تكن أفعال نجسة فعلي الأقل بعض كلمات قليلة نجسة فهو لم يكن مخطئًا إلا إلي هذه النقطة ومع ذلك فإن الرب لم يمد يده ولكن واحد من السيرافيم لمس بيده شفتيه وقال: "ها قد نَزَعت إثمك"، أما أرميا فعلي العكس من ذلك، لأنه بما أنه كان قد تقدس من الرحم، فلم يُرسَل غليه لا ملقط ولاجمرة من علي المذبح لم يكن به شيء يستحق النار لكن يد الله نفسه لمسته. فهو لهذا يقول: "ومد الرب يده ولمس فمي وقال الرب لي ها قد جعلت كلامي في فمك. انظر. قد وكلتك اليوم علي الشعوب وعلي الممالك لتقلع وتهدم".

مَن يكون أكثر سعادة من الإنسان حينما يقلع الممالك العديدة التي يظهرها الشيطان: ممالك القوات المقاومة، ممالك الخطايا، يقلعها عن طريق الكلمات التي يعطيها له الله كما هو مكتوب "ها قد جعلت كلامي في فمك.انظر. قد وكلتك اليوم علي الشعوب وعلي الممالك لتقلع"؟ وكما انه توجد ممالك، فهناك أيضًا شعوب.

توجد مثلاً مملكة للفجور، وشعوب الفجور يمثلون الأفعال الفردية للفجور. الطمع والسرقة اللذان هما خطايا من نفس النوع، لا يمثلون سوي مملكة واحدة، بينما هناك عدة ممالك حيث توجد أنواع متعددة من الخطايا؛ ثم أنظر إلي الخطاة واحدًا واحدًا حتى تدرك ما هي الشعوب الخاضعة للمالك: فيمكننا القول أن هذا الإنسان مثلاً عنده شعوب عديدة خاضعة لمملكة الفجور، وهذا الآخر عنده شعوب عديدة خاضعة لمملكة السرقة، أو لمملكة الإدانة أو الغضب.

وكلام الله المرسل إلي هذه الشعوب والممالك يعمل علي القلع والهدم. ولكن ماذا يقلع؟ لقد أجاب المخلص علي هذا السؤال حينما قال: "كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يُقلع" (مت 15: 13). ويوجد في داخل النفوس أشياء لم يغرسها الآب السماوي قط: "أفكار شريرة، قتل، زني، فسق، سرقة، شهادة زور، تجديف" (مت 15: 19)، كل هذه غروس لم يغرسها الآب السماوي. وإن أردت أن تعرف من غرس هذه الأفكار، فاسمع: "انسان عدو فعل هذا" هذا الذي "زرع الزوان في وسط الحنطة". فإن الله يقف هنا إذًا ومعه بذاره، وكذلك أيضًا يقف الشيطان: فإذا تركنا "البيت مكنوسًا ومزينًا" للشيطان، فإن العدو يزرع غرسًا لم يغرسه الآب السماوي قط، بينما إذا تركنا البيت مكنوسًا ومزينًا لله بدلاً من الشيطان، فإن الرب يزرع زرعه بفرح في داخل قلوبنا. فلا تظن إذًا أن إرميا قد نال عطية محزنة عندما وُكل علي الشعوب وعلي الممالك ليقلع. لا، فإن الله في صلاحه يقلع بكلامه الشرور، يقلع ممالك العدو من وسط ملكوت السماوات، يقلع شعوب الأعداء من وسط شعب الله.

          15. "لتقلع وتهدم" (إر 1: 10). يوجد بناء من الشيطان ويوجد بناء من الله. البناء الذي"علي الرمل" هو من الشيطان، لأنه غير مؤسس علي شيء صلب صلد، أما البناء الذي "علي الصخر" فهو من الله. أنظر ماذا يُقال للمؤمنين: "أنتم فلاحة الله، بناء الله" (1كو 3: 9).

          إذًا يوجه كلام الله "علي الشعوب وعلي الممالك ليقلع ويهدم، ليهلك وينقض". إذا قلعنا ولم نقم بإهلاك الشيء المقلوع، فإن هذا الشيء يبقى؛ وإذا هدمنا ولكن بدون أن نُزيل حجارة الأساس فإن ما تهدم يظل باقيًا. فمن مظاهر صلاح الله وحبه أنه بعدما يقلع يهلك، وبعدما يهدم يبيد ما قد هُدم. أما فيما يختص بالأشياء المقتلعة والمهلكة، فاقرأ بعناية كيف يتم إهلاكها: "احرقوا القش بنار لا تُطفأ، واجمعوا الزوان حرقًا والقوها في النار". هذه هي طريقة الإبادة والإهلاك بعد القلع؛ أتريد أن ترى أيضًا الهلاك الذي يحدث للأبنية الفاسدة بعد هدمها؟ فإن ذلك البيت الذي  كان يهدم بسبب البَرص يتحول إلي تراب، ثم يُؤخذ هذا التراب ويُلقي خارج المدينة (لا 14: 41)، حتى لا يبقي حجر واحد، كما في العبارة: "سوف أبيدهم كما وَخل الشوارع" أو(سوف أساويهم بالأرض).

          يجب ألا تبقي الأشياء الفاسدة مطلقًا؛ إنما يتم إهلاكها لتجنب استخدام بقاياها في بناء أبنية جديدة يعملها الشيطان، كما أنه يتم اقتلاع الأشياء الفاسدة حتى لا يجد الشيطان فيها بذارًا أخرى يزرعها من جديد، لذلك يتم إهلاكها حتى لا تُوجد فرصة للشيطان لكي يزرع الزوان مع الحنطة.

          16. ولكن لا يقف كلام الله عند هذا الحد، عند القلع والهدم والإهلاك.

فلنفترض مثًلا أنه قد تم اقتلاع الأشياء الفاسدة والشريرة من داخلي، فماذا أستفيد من ذلك إذا لم تزرع أعمال صالحة بدلاً من تلك الفاسدة التي اقتلعت؟ لذلك فقد عالجت كلمات الله هذا الموضوع بتنسلسل، فلابد في البداية أن: "تقلع وتهدم وتهلك" ثم بعد ذلك: "تبني وتغرس".

ولقد لاحظت في الكتاب المقدس أن الأشياء التي تبدو حزينة (محزنة) في مظهرها، تُذكر دائمًا في بداية الحديث، ثم تليها بعد ذلك الأشياء التي تبدو مفرحة: "أنا أميت وأنا أحيي" : لم يقل الله أنا أحيي ثم بعد ذلك أنا أميت، لأنه من المستحيل أن ما أحياه الله يتم إبادته سواء من الله نفسه أو من أي أحد، لكن: "أنا أميت وأنا أحيي" احيي مَن؟ بولس المشتِِِكي، بولس المضطهد للكنيسة، سوف أحييه حتى يصبح بولس رسول يسوع المسيح (2كو 1: 1). لو أن الهراطقة المساكين كانوا قد فهموا هذا، لمل كانوا يعارضوننا باستمرار قائلين: [ انظروا كيف أن رب الشريعة قاسي عديم الشفقة والرحمة بالبشر، وكيف هو يقول :"أني أميت وأحيي"!]

ولكن انتم يا من تعارضون، ألا ترون في الكتاب المقدس الوعود الإلهية بإقامة الأموات؟ ألا ترون أن القيامة من الأموات قد تحققت فعلاً في كل إنسان: "مدفونين معه بالمعمودية" وقائمين أيضًا معه بقوته. (1كو 6: 14)

          يبدأ الله إذًا بالكلمات الأكثر حزنًا، ولكنه ضرورية؛ فمثلاً: "أنا أميت" ثم بعدما أمات "أنا أحيي. سحقت ةإني أشفي" (تث 32: 39).

لأن "من يحبه الرب يؤدبه وكأب بابن يسر به" (أمثال 3: 12). يسحق في البداية ثم يشفي. فكذلك الحال هنا: "قد وكلتك هذا اليوم علي الشعوب وعلي الممالك لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض وتبني وتغرس".

لذا فإن أول شيء هو أن نستأصل ونقلع كل ما هو شرير من نفوسنا؛ فإن الله لا يستطيع أن يبني حيثما توجد مباني فاسدة وشريرة "لأنه أية شركة للحق مع الباطل. أية شركة للنور مع الظلمة؟" يحب أن يقتلع الشر من أساسه. يجب أن يهدم بناء الشرير تمامًا من نفوسنا، حتى تقوم كلمات الله بعمل البناء والغرس فينا.

لأنه لا يمكنني أن أفهم تلك العبارة بطريقة أخرى: "ها قد جعلت كلامي في فمك" لماذا؟ "لتقلع وتهدم وتهلك". نعم إنها كلمات تقلع شعوب. كلمات لهدم ممالك، ولكن ليست الممالك المادية التي في هذا العالم، وإنما يجب عليك أن نفهم بطريقة سامية المقصود بالكلمات التي تقلع والكلمات التي تهدم.

وعند ذلك تمنح قوة من الله كما هو مكتوب: "الرب يعطي كلمة للمبشرين بعظم قوة"، قوة تقلع ما تصادفه من عدم الإيمان (الرياء) أو الرذيلة. قوة تهلك وتهدم إذا ما تواجدت أوثان مقامة في داخل القلب، حتى إذا ما هُدم الوثن يُقام مكانه للرب، في هذا الهيكل يترآى مجد الله ويظهر، ولا يعود ينبت زوان، وإنما فردوس لله في هيكل الله، في المسيح يسوع، الذي له المجد الدائم إلي أبد الآباد. آمين.


 

[1] إعداد: القمص تادرس يعقوب ملطي،  ترجمة: جاكلين سمير كوستي

[2] نصح لوط أصهاره بالخروج من المدينة، ولكنهم رفضوا أن يسمعوه، ففي الغد أخرج الملائكة لوط وبناته، تاركين أصهاره.

[3] ليس المقصود هنا مقدمة العظة، وإنما مقدمة سفر إرميا.