الدفاع عن المسيحيين وقيامة الأموات

مؤلفات العلامة أثنياغوروس الفيلسوف

الفصل الأول: أثيناغوراس وعصره
أولاً: المدافعون
اقرأ أيضاً، المدافعون، من نشرة رعيتي

الترجمة من أعمال الكنيسة القبطية

 

ديثنا عن الفيلسوف أثيناغوراس كرئيس مدرسة الإسكندرية يستلزم منا أن نأخذ فكرة سريعة عن " المدافعين The Apologists " لكونه واحداً منهم.

لقد وجد الدفاع – في معناه الواسع – قديماً قدم المسيحية ذاتها، إذ بذل الكارزون بالإنجيل كل جهدهم في البرهنة على حق الإنجيل و الإجابة على الإعتراضات الموجهة ضده 1. كان حديث الشماس الأول اسطفانوس St. Stephen أمام مجمع السنهدريم ( أع 6، 7 ) حديثاً دفاعياً، و هكذا أيضاً خطاب الرسول بولس أمام فستوس Festus ( أع 24 )، و جاءت أعمال الشهداء حية في الدفاع عن الإيمان المسيحي بكل مجاهرة أثناء محاكماتهم.

بقدر ما اتسمت المسيحية – منذ بدء انطلاقها – بالروح المسكونى، فلم ترتبط بثقافة معينة أو أمة خاصة ... وجدت نفوس عطشى للإيمان من أصل يهودى و رومانى و يونانى و مصرى و سريانى الخ. هذا الأمر شكل خطراً يهدد كيان الدولة الرومانية التي و إن أظهرت تسامحاً في ترك الدول التابعة لها أن تمارس عبادتها المحلية و نشاطها الثقافي المحلى، لكنها أرادت أن تسود بعبادتها الرومانية و ثقافتها لكى تضمن ولاء الدول لها، لهذا اتهم المسيحيون بالخيانة للإمبراطور ... خاصة و أنهم كانوا يرفضون السجود لتمثال الإمبراطور و التعبد له. و من جانب آخر، هاجت الجماهير على المسيحيين إذ رأوا فيهم احتقاراً لمشاعرهم الشعبية بسبب احجامهم عن المشاركة في الإحتفالات الدينية العامة. هذا و قد كرس بعض الكتاب و الفلاسفة من يهود و أممين جهدهم للهجوم على المسيحية و المسيحيين، يتهمونهم بالكفر و الإلحاد، و يفترون على إنجيلهم، و ينسبون إليهم إتهامات أخلاقية، بجانب الخيانة للامبراطور و احتقار الجماهير. و لعل أهم هؤلاء الكتاب هم لوسيان الساموساطى Lucian of Samosata و الفيلسوف فرنتو Frento من سيرتو Cirto معلم الإمبراطور مركوس أوريليوس Marcus Aurelius و الأفلاطونى كلسس Celsus ...

و كما تقدم كثير من المسيحيين من كل الفئات و الأعمار و الثقافات للإستشهاد بفرح، انبرى أيضاً بعض الكتاب المسيحيين يدافعون عن الإيمان المسيحي و المسيحيين هؤلاء دعوا " المدافعين ". ظهروا على وجه الخصوص في القرنين الثانى و الثالث، وضعوا أمامهم ثلاثة أهداف 2 :

  1. الرد على الإتهامات العامة، خاصة الاتهام بأن الكنيسة تمثل نكبة على الدولة. فقد أكد هؤلاء المدافعين أن الإيمان المسيحي يمثل قوة تسند سلام الدولة و تعمل على رفاهيتها، لا لصالح الامبراطور و الدولة فحسب بل و الحضارة أيضاً.

  2. كشفوا عن لا أخلاقيات الوثنية و ضلال أساطيرها، كما أعلنوا عن الإيمان المسيحي بكونه وحده القادر أن يقدم فهماً صحيحاً بخصوص الله و العالم و الإنسان. لقد دافعوا عن العقائد الرئيسية مثل وحدانية الله، لاهوت السيد المسيح، قيامة الموتى الخ ... كما حملت كتاباتهم روحاً كرازياً. فأهتمت بجذب القارىء ليقبل الحق و يتفهمه، و دعته بلغة ذلك العصر أى خلال الفلسفة، لقبول الإيمان الجديد و كشفت له عن جمال الحياة المسيحية و عفتها ...

  3. تحدثوا عن الفلسفات بكونها اعتمدت على العقل البشرى وحده، فحملت جانباً من الحق، لكن ليس كل الحق، كما امتزج هذا الجزء بأخطاء كثيرة. أما الإيمان المسيحي فقدم الحق خلال اللوغوس " كلمة الله " الذي نزل على الأرض معلناً الحق الإلهي للبشر. لهذافلا وجه للمقارنة بين المسيحية و الفلسفة اليونانية. فالأولى إلهية و الثانية بشرية.

 

و فيما يلي صورة مختصرة جداً عن أهم المدافعين المسيحيين الأولين :

  1. القديس كوادرانس St. Quadrans: يعتبر أقدم المدافعين المسيحيين، كتب دفاعه عن الإيمان المسيحي في آسيا الصغرى، موجهاً إياه للإمبراطور هادريان 3.  في هذا الدفاع هاجم آلهة اليونان و مصر الوثنية، كما ذم الأخلاق اليونانية الوثنية. يرى هاريس J. R. Harris أن الدفاع قدم للامبراطور أنطونيوس بيوس Antonius Pius ( 138 – 136 م ) في بداية حكمه.
    عرفه القديس جيروم
    Jerome 4 كأسقف لأثينا، عاش في أيام حكم أوريليوس، و هو أمر مرفوض تماماً 5.

  1. أرستيديس Aristides: من رجال القرن الثاني، فيلسوف مسيحي و مدافع من أثينا. قرر يوسابيوس Eusebius 6 أنه كالمدافع السابق له، قدم دفاعه لهادريان Hadrian، و لو أن البعض يرى أنه قدمه لأنطونيوس بيوس Antonius Pius.
    في دفاعه أوضح أن المسيحيين لهم ادراك لطبيعة الله بطريقة أكمل مما للبرابرة و اليونان و اليهود، و أنهم وحدهم يحبونه حسب وصاياه، دافع فيه عن وجود الله و أبديته، كما شمل التماساً وجهه إلى جميع الذين ليس لهم معرفة الله أن يقتربوا إلى الإيمان المسيحي ليكونوا مستعدين للظهور أمام الله
    7.

  1. أرسطون Ariston of Pella: يبدو أنه أول مسيحي دافع عن المسيحية ضد اليهود كتابة. و قد جاء دفاعه ( حوالي عام 140 م ) في شكل حوار بين جاسون Gasson المسيحي من أصل يهودي و بابيسكوس Papiscus يهودي اسكندري.  

  1. الشهيد يوستين St. Justin the Martyr: ( حوالي 100 م – 164 م ). ولد فلافيا نابوليس Flavia Napolis بفلسطين من أبوين وثنيين. التحق بمدارس فلسفية لعلها تقدر أن تشبعه حتى انتهي بحه بالإيمان المسيحي.
    فتح مدرسة في روما تتلمذ فيها تاتيان
    Tatian و ربما أيضاً ميلتيادس Militiades. كتب دفاعين و حوار مع اليهودي تريفو. و في كتاباته لم يفرق القديس بين اللاهوت و الفلسفة بطريقة دقيقة 8 .

  1. تاتيان السرياني Tatian the Syrian : ولد عام 120 م من أبوين وثنيين، و تعلم البلاغة و الفلسفة، و قبل الإيمان المسيحي في روما ما بين 150 و 165 م، و تتلمذ على يدي القديس يوستين Justin، لكنه اختلف عنه في آرائه.
    عرف بالتطرف في آرائه، فقد علم بالرفض التام لكل فلسفة يونانية، و أظهر امتعاضه حتى للحضارة اليونانية من فن و علم و لغة، لكنه لم يقدر أن يتخلص من الفكر اليوناني تماماً. و إذ عاد إلى الشرق سقط في بدعة فالنتينوس
    Valentinus الغنوسي، ثم عاد و انتمى إلى طائفة الانكراتيين Encratites الذين يمتنعون عن شرب الخمر معتبرينه أنه مادة نجسة بحد ذاتها حتى استعاضوا عنه بالماء فقط، في سر الافخارستيا و يحرمون أكل اللحوم كنجاسة طقسية مصنوعة من إله الظلام و ينظرون إلى الزواج كزنى، و يحرمون على النساء استخدام الحلي.
    كتب " مقالاً لليونانيين " في هذا المقال لم يهدف الدفاع عن المسيحية بقدر ما كان يدعو لمدرسته.

  1. ميلتيادس 9 Miltiades : خطيب ولد في آسيا الصغرى، معاصر لتاتيان Tatian، و ربما كان تلميذاً للقديس يوستين Justin. وضع عدة أعمال دفاعية : واحد ضد اليونانيين، و الآخر ضد اليهود، و ثالث " للسلاطين الحاكمة " مدافعاً عن الفلسفة التي اتبعها، كما كتب أيضاً ضد الغنوسية و المونتانية.

  1. القديس أبوليناريس 10 St. Claudius Apollinaries : أسقف هيرابوليس Hierapolis بفريجيا. من رجال القرن الثاني. مدحه معاصروه كثيراً بسبب سمو معرفته و فضائله 11. كتب سلسلة من الكتب الدفاعية.

  1. ثيؤفيلس Theophilus أسقف أنطاكية 12 : اجتذبته القراءة في الكتاب المقدس إلى الإيمان المسيحي. كتب دفاعه حوالي عام 180 م في ثلاث كتب وجهها إلى صديقه الوثني أوتوليكس Autolucum، حيث أظهر الفكر المسيحي لله و سمو التعليم بالخليقة. مندداً بالأساطير الدينية الامبلبية.

  1. ميليتو Melito أسقف ساردس : أحد أقطاب الكنيسة في القرن الثاني 13 غزير في علمه. وجه دفاعه للامبراطور مركوس أوريليوس Marcus Aurelius ما بين عامين 170، 171 م

  1. الرسالة إلى ديوغنيتس Diognetus: هي دفاع عن المسيحية في شكل رسالة موجهة إلى أحد الوثنيين، ذي شأن، يسمى ديوغنيتس Diognestus. لا يعرف على وجه التحديد من هو الكاتب، و لا من الذي ارسلت إليه. و هي تحمل اتجاهات أرستيديس Aristides، كما استخدم الكاتب عبارات وردت في القديسين ايريناؤس Irenaus و هيبوليتس Hippolytus  الروماني.

  1. مينوكيوس فيلكس Minucius Felix : أفريقي، من رجال القرن الثاني أو الثالث. كتب باللاتينية دفاعاً عن المسيحية في شكل حوار بين أوكتافيوس Octavius المسيحي و كاسليوس الوثني، انتهي بقبول الأخير الإيمان. في هذا العمل يفند الكاتب الاتهامات الموجهة ضد المسيحيين، مهاجماً الاساطير الوثنية .
    و لفيلكس
    Felix عبارته المشهورة : " ليست بلاغة أعظم من الحياة "، معلناً أن الحياة المسيحية هي أعظم شهادة للحق و فوق كل بلاغة .
    يرى بعض المؤرخين أن فيلكس
    Felix جاء بعد ترتليان Tertullian و اعتمد عليه.

  1. ترتليان Tertullian : أحد آباء الكنيسة الأفريقية، نشأ في قرطاجنة، حيث تعلم الأدب و البلاغة و مارس المحاماة. قبل الإيمان المسيحي قبل عام 197 م. لكنه سقط في البدعة المونتانية 14. أخذ موقفاً معادياً للفلسفة، إذ يقول في دفاعه : " أي شركة بين الفيلسوف و المسيحي ؟! بين تلميذ يوناني حليف الباطل و تلميذ السماء عدو الباطل و حليف الحق ؟! " ( دفاع 46 ) .
    هرمياس Hermias : لا نعرف شيئاً عن حياته. وضع مقالاً قصيراً يسمى إريسس Irrisis أو " سخرية بالفلاسفة الوثنيين ". فيه ينقد آراءهم في النفس و في العناصر الأساسية للعالم .
    أقوال سكتوس Sextus : قام روفينوس Rufinus بترجمة 145 قولاً له إلى الاتينية قدمه كفيلسوف فيثاغوري صار أسقفاً لروما و شهيداً ( 257 – 258 م ). لكن القديس جيروم Jerome نفى ذلك بشدة. و قد مالت أقواله بالأكثر إلى الجانب الأخلاقي التي تحكم الحياة، و هي تذكرنا بفلسفة الحياة عند القديس أكليمنضس السكندري Clement of Alex. 15.

+     +     +

بعد عرضنا في اختصار لحياة بعض المدافعين المسيحيين الأول نتحدث عن الفيلسوف أثيناغوراس Athenagoras كرئيس لمدرسة الإسكندرية و أحد المدافعين الأول.

 



1 Lebreton، p. 443

2 Quasten : Patrology، vol. p. 186، 187

3 Oxford Dict. Of the Christian Church، p. 1149،84 . Eusebius : H.E. 4:3:1،2

4 St. Jerome : De Viris Illustribus 19 : Epis، 70 : 4.

5 Quasten : Patrology، vol. 1، p. 191

6 Euseb : H.E. 4:3:3

7 F.L. Cross : The Early Christian Frs. London 1969، p.47

8  د. وهيب عطا الله ( نيافة الأنبا غريغوريوس ) : الفلسفة المسيحية، ص 6.

9 Euseb : H.E. 5:17:5

10 Ibid، 4:27

11 Rev. B. Schmid : Manual of Patrology. 1903، p: 99

12 Euseb : H.E. 4:50.

13 Ibid 5:24:5 Sehmid، p: 100

14 ادعى مونتانيوس أنه البارقليط الموعود به في الإنجيل.

15 Quaston : Patrology، vol. 1، p: 171