تفسير [1]
عظة ربنا يسوع المسيح
على الجبل

للقديس يوحنا الذهبي الفم

العظة الخامسة عشرة: التطويبات
الهروب من حب التظاهر والاستعراض

"ولما رأى (يسوع) الجموع صعد إلى الجبل، فلما جلس تقدم إليه تلاميذه، ففتح فاه وعلمهم قائلاً: طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السماوات" (مت 5: 1-2).

 

1. انظروا كيف كان (الرب) رزينًا بغير تفاخُر، إذ لم يجمع الناس حوله، بل كلما تطلَّب الأمر شفاءهم كان يذهب هو بنفسه يجول في كل مكان، يفتقد المدن والقرى. وإذ أصبح الجمع الآن عظيمًا جدًا، جلس في بقعة محددة، لا في وسط أية مدينة أو ساحة، بل على جبلٍ وفي برية صحراوية، ليعلمنا ألا نفعل شيئًا لمجرد التظاهر والاستعراض، وحتى نعزل أنفسنا عن ضوضاء الحياة العادية، خاصة إذا كنا نتدارس الحكمة، ونتباحث في أمورٍ نحن في أمَسّ الحاجة إلى فعلها.

شوق إلى التعليم لا إلى المعجزات

لكنه حين صعد إلى الجبل وجلس، وتقدم إليه تلاميذه نرى مقدار نموهم في الفضيلة وكيف أنهم في لحظة قد صاروا إلى حالٍ أفضل، إذ كانت الجموع تلهث فقط خلف المعجزات، أما هم فقد اشتاقوا منذ تلك اللحظة أن يسمعوا أمرًا عظيمًا له شأنه. وكان هذا فعلاً هو السبب الذي جعله يجلس ليعلِّمهم، ويبدأ معهم هذا الحديث. لأنه لم يهتم بشفاء الأجساد فقط، بل كان يقوِّم نفوس البشر أيضًا، وما أن ينتهي من العناية بنفوس هؤلاء حتى يهتم بأجساد آخرين. ولهذا قام على الفور بتنويع العون المقدم لهم، وبالمثل كان يمزج التعليم الذي تحويه كلماته بإعلان مجده الذي تظهره أعماله.

يهتم بأجسادنا كما بنفوسنا

كما قام بإسكات أفواه الهراطقة الذين لا يعرفون الخزي، معلنًا أنه يهتم بأجسادنا ونفوسنا معًا، لأنه جابل الخليقة كلها. ومن هنا يدبر بعنايته الإلهية الفائقة كل طبيعة روحية وجسدانية، فيصلح هذه مرة، ويقوِّم تلك مرة أخرى.

يعلم بالصمت كما بالكلام

هكذا كانت طريقته في العمل، إذ قيل في الإنجيل: "فتح فاه وعلَّمهم قائلاً". ونسأل لماذا أضيفت عبارة "فتح فاه"؟ ليخبركم أنه حتى في صمته الكامل كان يعلِّم، وليس فقط حين كان يتكلم، بل مرة حين "يفتح فاه"، وأخرى حين كان ينطق صوته بأعماله.

يعلِّم الجميع من خلال تلاميذه

حين تسمعون أنه علَّمهم، لا تفتكروا أنه كان يعظ تلاميذه فقط، بل كان بالأحرى يعلِّم الجميع من خلال تلاميذه.

لأنه حين كان الجمع عظيمًا جدًا من حشود كبيرة تزحف على الأرض، جعل تلاميذه صفوفًا (خوارس). فكان يسلمهم العظة، وإذ يتحدث إليهم كان يضمن أن ينتقل درسه عن إنكار الذات إلى بقية الحاضرين، الذين كانوا في مواضع بعيدة جدًا عن مكان حديثه. وقد أشار القديس لوقا حقًا إلى هذا الأمر حين قال: "رفع عينيه إلى تلاميذه وقال" (لو 6: 20). أي أنه كان يوجه كلماته مباشرةً إلى التلاميذ. وأعلن أيضًا القديس متى وبنفس الوضوح فكتب: "تقدم إليه تلاميذه، ففتح فاه وعلمهم، قائلاً"، لأنه هكذا كان الآخرون أيضًا يضمنون أن يكون اشتياقهم والتفاتهم إليه أكثر، مما لو وجّه حديثه إلى الجمع مباشرةً.

2. فمتى كان يبدأ حديثه إذن؟ وما هي الأسس التي أرساها لأجلنا حين كان يعلمنا؟ فلننصت بانتباهٍ شديدٍ إلى ما يُقال. لأنه وإن كان هذا الكلام قد قيل لهم، إلا أنه كُتب لأجل الآتين فيما بعد. ولهذا السبب وبالرغم من أن الرب كان واضعًا في اعتباره تلاميذه الأعضاء عندما كان يلقي عظته العامة، إلا أنه لم يحصر أقواله فيهم وحدهم، بل نطق بكل تطويباته بلا تحديد، فهو لم يقل: "طوباكم أنتم يا من صرتم مساكين" ولكن "طوبى للمساكين". بل ويمكنني أن أقول: حتى وإن كان يعنيهم بالذات فيما قال، إلا أن العظة ستظل مشاعًا للجميع.

وبالمثل ما يقوله (الرب): "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (مـت 28: 20)، فالوعد هنا لم يكن موجهًا لمن سمعوه وحدهم، بل أيضًا لكل العالم من خلالهم.

وعندما يطوّب المضطهدين والمطرودين من أجل البرّ، لم يكن يعني تلاميذه وحدهم فقط، بل أيضًا من نال هذا الامتياز مثلهم، فهو يُعد إكليله لأجل كل الذين يبلغون نفس الدرجة من السمو.

لكي يكون هذا الكلام أكثر وضوحًا لديكم، ولكي يحثكم على المزيد من الاهتمام بأقواله، وهكذا أيضًا تفعل البشرية كلها... اسمعوه كيف يبدأ بالكلمات العجيبة: (التطويبات)

 


[1] ملاحظة: هذه الترجمة من أعمال الكنيسة القبطية
اسم الكتاب: تفسير عظة ربنا يسوع المسيح على الجبل.
المؤلف: للقديس يوحنا الذهبي الفم.
ترجمة: دكتور جرجس كامل يوسف.
مراجعة وتقديم: القمص تادرس يعقوب ملطي
الطبعة: الأولى 2005م.
الناشر: كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج.
المطبعة: الأنبا رويس (الأوفست)، بالعباسية القاهرة.