تفسير
عظة ربنا يسوع المسيح
على الجبل

للقديس يوحنا الذهبي الفم

الإصحاح السابع - العظة الثالثة والعشرون
22. كيف نميز الأنبياء الكذبة

7. ففي قوله "قليلون هم الذين يجدونه" [ع14]

يكشف عن إهمال الغالبية ويرشد سامعيه إلى عدم الانتباه لآثام الأكثرية بل إلى أتعاب الأقلية. ويقول الرب أن معظم الطريق إذا ساروا فيه- ليس هو باختيارهم والأمر يشكل جرمًا شديدًا- ولكننا يجب أن نهتم بالأغلبية فلا تزعجنا تهديداتهم، بل أن نقتدي بالأقلية وأن نستعد بكل وسيلة إذا ما أردنا الخوض في الطريق الضيقة، لأنه بجانب أنها ضيقة، فإن هناك الكثيرين الذين يريدون إلقاءنا في الطريق الأخرى لهذا يضيف الرب قائلاً:

8. "احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة" [ع15]

فهناك بجوار الكلاب والخنازير فخ آخر منصوب لنا بمؤامرة أشد خطرًا من غيرها - لأن أولئك معرفون وعلى الملأ، أما هؤلاء فهم مخفون لهذا يحذرنا منهم - وكيف للجميع أن يحترسوا باهتمام بالغ، فإنه من الصعب علينا أن نراهم عند أول اقتراب لنا منهم، ولهذا السبب أيضًا يقول: "احترسوا أو احترزوا" ليرشدنا أن نميزهم. عندئذ ولئلا يفرقوا في كمٍ من ارتباكات حين يسمعون أن الطريق كرب وضيق، وأن عليهم السير في طريق معاكس لطرق الكثيرين، حافظين أنفسهم من الخنازير والكلاب ومن النوع الأكثر وحشية من الذئاب. فإنه يذكرهم بما تم في أيام آبائهم حتى لا يدركهم القلق - نستخدم تعبير "الأنبياء الكذبة" إذ لم يحدث آنذاك أمور أقل من هذه - هكذا يقول السيد الرب: أرجوكم ألا تضطربوا، فلن يصيبكم شيء جديد أو غريب. لأن الشيطان دائمًا يبدل الحقيقة كلها سريًا بخداعاته المناسبة. وبتشبيه "الأنبياء الكذبة" هنا، لا أظن أن السيد الرب يشير إلى الهراطقة، بل إلى الذين يعيشون حياة فاسدة، ومع ذلك يضعون أقنعة الفضيلة، وهم الذين يسمونهم الغالبية باسم الدجالين لهذا يقول: "من ثمارهم تعرفونهم" [ع16]. فقد يجد الإنسان صلاحًا فعليًا بين الهراطقة، أما بين أولئك الفاسدين فلا يجد صلاحًا أبدًا. ورُبّ قائل: "ماذا إن كانوا يخدعون في هذه الأمور أيضًا؟ كلا، بل سيتم كشفهم بسهولة. إذ هكذا هي طبيعة هذا الطريق، مؤلمة ومضايقة، ولن يختار المرائي احتمال الآلام بل أن يتباهى فقط. لهذا تسهل إدانته. هكذا وبقدر ما قال السيد الرب "وقليلون هم الذين يجدونه" فإنه يكشف عن الذين لا يجدونه، ومع ذلك أولئك الذين يتظاهرون أنهم وجدوه - وذلك بأمره لنا ألا ننظر إلى الذين يضعون الأقنعة فقط، بل إلى الذين يسعون في الحقيقة وراء هذا الطريق - وقد يقول قائل: ولكن لأي سبب لا يجعلهم الرب ظاهرين لنا بل يحثنا على البحث عنهم؟ حتى نبقى ساهرين ومستعدين دائمًا للقتال، محترزين من أعدائنا المتنكرين وكذا العلنيين أيضًا. وهذا ما كان يشير إليه بولس الرسول قائلاً: "بالكلام الطيب والأقوال الحسنة يخدعون قلوب البسطاء" (رو 16: 18). فلا نضطرب حين نرى الكثيرين منهم الآن، كلا، لأنه لهذا أيضًا سبق المسيح وتنبأ منذ البدء. وتأملوا رقته: كيف أنه لم يقل "عاقبوهم" بل "لا يلحقكم منهم ضرر" ولا تقفوا بينهم غير محترسين أو منتبهين". وحتى لا تقولوا أنه من المستحيل تمييز هذا النوع من الناس، يوصي السيد الرب ثانية مثالاً بشريًا بقوله: "هل يجني الناس من الشوك عنبًا أو من الحسكِ تينًا؟ "هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارًا جيدة. وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارًا ردية. لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثمارًا ردية، ولا شجرة ردية أن تصنع أثمارًا جيدة" [ع16-18].

وما يقوله هو هكذا: ليس عندهم شيء لطيف أو حلو، إنهم حملان فقط عند طبقة الجلد ولهذا يسهل تمييزهم، ؟؟ولئلا يكون عندكم أدنى شك، فإنه يقارنه بضروريات طبيعية معينة، بأمور لا تحتمل إلا نتيجة واحدة. فبأي معنى قال الرسول بولس أيضًا: "الاهتمام الجسدي هو موت، إذ ليس هو خاضعًا لناموس الله، لأنه أيضًا لا يستطيع" (رو 8: 6-7). وهو لا يكرر الأمر مرتين على سبيل الحشو (Tauto 1094)، بل لئلا يقول قائل "رغم أن الشجرة الرديئة تحمل ثمرًا رديًا، فهي قد تحمل الجيد أيضًا، ومن الصعب التمييز. فالمحصول طيب ورؤى في آن واحد. ويقول السيد الرب: كلا ليس الأمر كذلك، فالشجرة لا تحمل إلا الثمر الرديء فقط، ولا يمكنها أن تحمل ثمرًا طيبًا مثلما هو الحال مع الشجرة الطيبة. فلماذا إذن؟ ألا يمكن للصالح أن يصبح شريرًا؟ والعكس صحيح. والحياة حولنا تزفر بهذه الأمثلة. لكن السيد المسيح لا يقول هذا، لأنه ما من سبيل للتغيير عند الشرير، والصالح من الصعب انحرافه أو سقوطه. لأن الشرير ببقائه في الشر لا يعطي ثمرًا طيبًا، ماذا إذن؟ ألم يحمل داود وهو الرجل الصالح أثمارًا ردية؟ بلى إن داود لم يستمر صالحًا لكنه تبدل من الخير إلى الشر، لأنه ودون شك قد ظل على حاله الرديء لهذا لم يثمر ثمرًا طيبًا، أما لو بقى في الفضيلة لما اقترف ما اقترفه. بهذه الكلمات يسد الرب أفواه الذين يتكلمون بالشر عشوائيًا فيضع لجامًا على كل المفترين بكلام فارغ، بينما يرتاب كثيرون في الخير بسبب الشر، فإن السيد الرب يحرمهم من أيّ عذر، لأنك لا يمكن أن تقول لقد خُدعت وضُلِّلت، فقد أعطانا السيد طريقة التميز بينهم من أعمالهم. فالوصية تخصهم هم ولا تخص الجميع هكذا بشكل عشوائي.

9. وإذ لم يأمر بالعقاب، بل أن يكونوا على دراية به، ولكي ينذر المتحيرين ويغيرهم وضع أمامهم العقاب كمانع لهم قائلاً: "كل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا، تُقطع وتُلقي في النار" [ع19].

وحتى يقلل من شدة كلماته أضاف "فإذن من ثمارهم تعرفونهم" [ع20] حتى لا يبدو وقد أظهر التهديد كموضوع أساسي في حديثه، بل حتى يثير ذهنهم بطريقة النصح والإرشاد. ويبدو لي هنا أنه يلمح لليهود الذين كانوا يُظهرون مثل تلك الأثمار. ولهذا السبب أيضًا يذكرهم بأقوال يوحنا وبنفس الألفاظ يؤسس عقيدتهم، لأنه هو أيضًا قال نفس الشيء، إذ ذكر لهم "الفأس" و"الشجرة التي قُطعت" و"النار التي لا تُطفأ" ورغم أن الأمر يبدو كدينونة واحدة. وإذ تم حرق الشجرة، لكن إذا أوجز المرء الأمر بشيء من الدقة، فإن هناك عقوبتين:

من جهة، حرق الشجرة قد تم وهذا معناه طبعًا أن يُطرح الشرير من جهة أخرى من ملكوت الله. وهي عقوبة أكثر شدة من الأخرى. وأعرف أن كثيرين الآن يرتعدون من ذكر الجحيم فقط، لكنني أؤكد أن فقدان المجد لهو أشد صعوبة من الجحيم ذاته. وليس عجيبًا أن الكلمات تعجز عن إظهار هذا الأمر.

 لأننا لا نعرف بركات هذه الأمور الصالحة، حتى ندرك من جهة أخرى تعاسة حرماننا منها. وإذ كان بولس الرسول يدرك هذه الأمور جيدًا، فقد وعيَّ أن الحرمان من مجد المسيح هو أبشع الأمور كلها. وهذا ما ينبغي إدراكه في ذلك الزمان حينما نقف أمام الحكم الفعلي. لكن نتوسل ألا يكون هذا هو حالنا أبدًا يا ابن الله الوحيد ولا تدعنا نختبر أبدًا هذا العقاب الذي لا علاج له، لأنه ما أعظمه من شر أن نسقط عن هذه الأمور الجيدة التي لا يمكننا وصفها بركة.

 ومع هذا، وبقدر استطاعتي. سأحاول أن أوضح الأمر لكم، وإن كان بدرجة غير كاملة تمامًا؛ فلنتخيل إذن طفلاً عجيبًا، لديه بجانب فضيلته السيادة على العالم كله، وهو صالح في كل شيء، حتى أنه قادر أن يضع كل الناس في دائرة محبة الآب، فماذا تظنون في والد هذا الطفل، وما يمكنه أن يعانيه في مرة، هل يتخلى عن شعبه؟ وأيّ شر مهما كان قليلاً أو كبيرًا، هل يرحب به؛ بشرط أن يري ابنه ويتمتع به - فلنفكر في الأمر بخصوص مجده أيضًا - لأنه ما من طفل حتى لو لم يكن صالحًا، لا يمكن لأب أن يكرهه ولا يشتاق إليه. هكذا هو الحال في نصيبنا من تلك الخيرات وأن ننطلق ونكون مع المسيح" (في 1: 23).

وما من شك أن الجحيم والعقاب ليست من الأمور التي يمكن احتمالها. ولو افترض المرء عشرة آلاف جحيم، فلن يقدر على وصف ما سيكون عليه الحرمان من ذلك المجد الطوباوي أو أن يكون مكروهًا من المسيح، مثل سماعه "أنا لا أعرفكم" (مت 25: 12) أو أن يتهمه بأنه لم يطعمه حينما رآه جائعًا (مت 25: 42). أجل، فإنه من الأفضل أن يُصعق بمائة ألف صاعقة عن أن يري ذلك الوجه الرقيق يبتعد عنا، وعينه السلامية لا تحتمل النظر إلينا. فإن كنت وأنا عدو وأكرهه، قد تبعني ولم يتركني بل ولم يشفق حتى على نفسه، بل بذلها لأجلى حتى الموت، أبعد هذا كله لا أعطيه رغيفًا في جوعه، فبأي عينين أقدر بعد ذلك أن أنظر إليه؟

 لكن انتبهوا هنا إلى لطفه ورقته في أنه لم يتحدث أبدًا عن خيراته، ولا قال "لقد اضجرت أيها الإنسان كثيرًا من فَعل لك الخير الكثير". ولا حتى قال "أنا الذي أتى بك من العدم. الذي نفخ فيك نفْسًا حية، وجعلتك تتسلط على كل كائنات الأرض، الذي لأجلك خلق الأرض والسماء، والبحر والهواء، وكل الموجودات. لقد احتقروه لأجلك، بل حسبته مستحقًا لكرامة أقل من الشيطان!. ولم ينسحب هو من كل ذلك، بل كانت لديه عدة أفكار من أجلك. الذي اختار أن يصير عبدًا، الذي ضُرب بالقصبة وبُصق عليه، الذي قُتل، والذي مات أكثر الميتات خزيًا، الذي يشفع أيضًا في الأعالي لأجلك، الذي يهبك روحه القدوس مجانًا، الذي يمنحك الملكوت، الذي يقطع وعودًا كهذه لك، الذي يشاء أن يكون لك رأسًا وعريسًا وثوبًا وبيتًا وخدرًا وطعامًا وشرابًا وراعيًا وملكًا. الذي أُخذت لتصير معه وريثًا وشريكًا، الذي أخرجك من الظلمة إلى سلطان النور". أقول إن هذه الأشياء وأكثر منها، يمكن أن يتكلم الرب عنها لكنه لا يذكر أيًا منها، إنه يتحدث عن الخطيئة فقط.

وحتى في هذا المجال، يظهر محبته، وأنينه لأجلنا فلا يقول: ادخلوا إلى النار المعدة لكم، بل استعدوا لمواجهة الشيطان، وهو يقصد أن يخبرهم بما هو خطأ في أفعالهم ولم يذكرها كلها بل بعضًا منها. وقبلها تحدث عن الذين يفعلون الصلاح مشيرًا إلى أنه يلومهم بعدل، فأي عقاب أشد من هذه الكلمات؟

 فإن أيّ فرد لن يهمل إنسانًا جائعًا كان يومًا ينفعه، وحتى لو أهمله لن يتحرر من عذاب الضمير، بل إذا رأى صديقين أو ثلاثة على علم بما فعل تمنى لو أنه غاص في باطن الأرض، فماذا يكون شعورنا لو حدث هذا على مسمع من العالم كله وأمام الرب، الذي يحكم على أعمالنا، فمهما حاول الدفاع عن نفسه، فإنه لن يُخفي تباهيه بالأمر. ولهذا يسمع الرب يقول "اذهبوا عني" والمسيح هنا يلومنا لمنفعتنا حتى ننتبه.

10. لهذا أيها الأحباء، فلنرتعد حتى لا نسمع هذه الكلمات المخيفة، فالحياة ليست لهوًا، وحياتنا الحاضرة ليست عبثًا، والأمور العتيدة ليست كذلك. ولا تحسبوا حياتنا لهوًا وحسب، بل هي أسوأ من ذلك، لأنها لا تنتهي بالضحك، بل تجلب دمارًا شديدًا على الذين لا يفكرون في تقويم طرقهم بشكل حاسم. أرجوكم أن تعرفوا الفارق بيننا وبين أطفال يلعبون في بيوت تحت الإنشاء، حينما نبني بيوتنا الغالية الثمن. والفارق بينهم وهم يعدون طعام غذائهم وبيننا نحن في ارتحالنا الثمين؟ لا شيء، سوى أننا نفعل ذلك لأننا تحت العقاب، وينتهي بنا الحال دون أن ندرك إلى فقر كامل. فلا عجب أننا لم نعد بعد رجالاً، لكن حين نصبح كذلك، سندرك أن كل هذه الأمور صبيانية. وحين نبلغ مرحلة الرجولة والنضج سوف نحتقر ما كنا نحياه. بينما لما كنا أطفالاً حسبنا هذه الأمور شيئًا مميزًا يستحق منا القلق لأجله. وحينما كنا نجمع معًا كسر الخزف المكسور والطين، لابد أن نحسب أنفسنا أقل من الذين يشيدون الأسوار العظيمة، فهي حتمًا زائلة سريعًا. وحتى وهي قائمة لا جدوى منها لنا، مثلما هو الحال مع تلك البيوت الفخمة. لأن المواطن السماوي لا يقبلها ولا يريد أن يبقى فيها؛ لأن له موطنًا علويًا. لكننا حين ندوسها بأقدامنا، هكذا سيفعل هو أيضًا بالبروج الشاهقة. ومثلما نضحك على الأطفال الذين يبكون إذا انسكب منهم شيء، هكذا أولئك أيضًا، حينما ننوح على كل شيء، لا يضحكون فقط، بل يبكون أيضًا، لأن أحشائهم أحشاء رأفة. ولأن خاتمة أفعالهم ردية. لهذا فلنصر رجالاً، وحتى متى نزحف على الأرض ونتباهى بالأحجار والمباني والأرصدة، حتى متى نلهو ونلعب؟

وهل سنظل نلعب فقط؟ بل إننا نعبث بخلاصنا ونخونه الآن، وكأطفال يهملون تعليمهم ويجدون أنفسهم يلهون في أوقات فراغهم، يعانون من ضربات قاصمة متلاحقة، هكذا نحن أيضًا، ننفق كل حماسنا هنا، ونهمل دروسنا الروحية المطلوبة في أعمالنا، فلا نقوى على أدائها، فنستحق حينئذٍ لعقوبة قاسية، ولا أحد يقدر أن يخلصنا، لا أب ولا أخ ولا أيّ إنسان آخر.

لكن حينما تزول كل هذه الأشياء يظل عذابها إلى الأبد، بلا توقف، وهو نفس ما يحدث مع الأطفال حين يحطم أبوهم لعبهم الطفولية، بسبب تكاسلهم فيبكون بلا توقف.

11. وحتى نقنعكم بهذه الأمور، فلنتأمل حال الثروة والغنى، والتي تبدو من أكثر الأمور إيلامًا لنا، ولنضع في مقابلها فضيلة النفس، والتي ينبغي أن نطلبها مهما كان الأمر، وسترون مدى تفاهة الثروة. أقول:

لنفترض أن هناك رجلين - ولست أتكلم عن الضرر الناجم عن الغنى الفادح، بل عن الغنى المتوسط - وليجمع أحد الرجلين مالاً وفيرًا، ويسافر بحرًا. ويفلح الأرض، ويختبر طرقًا أخرى عديدة في التجارة - مع أنني لا اعرف تمامًا إن كان سيجني من عمله هذا أرباحً نظيفة، ومع هذا فليكن ما يكون- ويفترض أن أرباحه قد حصل عليها بأمانة واستقامة، وأنه اشترى حقولاً، واقتنى عبيدًا، وكل ما شابه، وأنه لم يمارس ظلمًا في معاملاته. لكن دع الرجل الآخر، يملك أموالاً طائلة ويبيع حقولاً وبيوتًا وآنية ذهبية وأخرى فضية، ويعطي المساكين صدقة، ويطعم المحتاجين، ويشفي مرضى، ويحرر المكروبين، ويطلق سراح المقيدين ويسرح العاملين في المناجم في السخرة، ويخلص الذين وقعوا في الشراك، ويحرر الأسرى، ويخلصهم من العقاب، فإلي أيّ من الرجلين نقف؟

ونحن هنا لم نتحدث عن المستقبل بعد، بل عن الأمور الحاضرة، فإلى أيّ جانب ستقف؟ هل إلى جانب الرجل الذي يجمع الذهب أم إلى جانب الذي يخلص الناس من ضيقاتهم! مع ذاك الذي يشتري حقولاً. أم مع الذي يجعل نفسه ملجأً وحصنًا آمنًا للجنس البشري؟ مع الذي يتسربل بكل هذا الذهب، أم مع ذاك الذي يكلل ببركات لا تحصى؟ ألا يشبه هذا الشخص ملاكًا هبط من السماء لتغيير الجنس البشري؟ بينما الآخر ليس كذلك أبدًا، بل إنه ليس إنسان، بل كطفل صغير يجمع ما تصل إليه يداه ليحتضنه هكذا عشوائيًا. ومثل هذا الإنسان والذي يجمع المال قد صار أمره سخيفًا، وبلغ حد الجنون المطبق. حيث لا أمانة مع المال ويصبح من أتعس الناس. وأقول إن كانت السخافة بهذا الحد فإن النواح يكون أعظم عليه حيًا أو ميتًا؛ لأنه ذاهب إلى الجحيم وخسران الملكوت.

12. أو هل تحبون أن نقبض على جزء آخر من الفضيلة. فلنذكر لكم رجلاً آخر، رجلاً ذا سلطة يأمر الجميع، تحوطه كرامة عظيمة، له حاشية ضخمة، وحراس ونواب وصحبة عظيمة من العاملين لديه، ألا يبدو هذا الإنسان عظيمًا؟ ويستحق أن يكون سعيدًا؟ حسن إذن؟

فلنضع مقابل هذا الرجل رجلاً آخر أيضًا، صبور على الآلام، وديع، متواضع، طويل الأناة، ولنجعل هذا الأخير محتقرًا من الناس يضربونه. ولنجعله يحتمل كل هذا، ويبارك الذين يضايقونه. فأي واحد منهما يستحق المجانبا. أرجوكم: هل ذلك المنتفخ والمتعجرف. أم ذاك المتواضع النفس؟ ألا يشبه هذا الأخير واحد من القوات العلوية. العديمي الفساد والهوى. بينما يشبه الأول بقِربة منتفخة، أو رجلاً يعاني من الاستسقاء والتهاب شديد. أحدهما كطبيب روحاني، والآخر كطفل سخيف ينتفخ ويتورم خداه؟

 لأنه بماذا تفتخر أيها الإنسان، أبميلادك العالمي ووجودك في عربة محطمة؟ الآن جيادًا تحركك. ألا تعرف أن ما تراه أمامك هو مجرد قطع من الحجر والخشب؟، هل لأنك متسربل بثياب جميلة؟، ألا تنظر إلى المتشح بالصلاح كثوب؟. وسوف ترى بنفسك أن كل شيء يشبه قشًا سرعان ما يزول. لكن يبقى الآخر كشجرة تحمل أثمارًا عجيبة تُدخل الفرح المفرط على الناظرين، وأنت تحمل في جسدك طعامًا لدود الأرض وللعت؛ الذي إذ حط عليك جرَّدك من هذه الزينة الخارجية سريعًا. فالحقيقة أن الثياب والذهب والفضة كلها تغزلها الديدان، والأرض والتراب لتصير ترابًا من جديد.

ولا شيء أكثر من هذا. لكن من يتسربل بالصلاح يتشح بثوب لا يقدر الدود أن يؤذيه، ولا يقدر أن يضره. ومن الطبيعي جدًا أن هذه الفضائل الصالحة للنفس لا يعود أصلها إلى الأرض، بل هي ثمر الروح القدس. ولهذا السبب لا تتأثر بأفواه الديدان، لأنها ثياب منسوجة في السماء حيث لا يفسد عت ولا دود ولا أيّ شيء من ذلك. قولوا لي إذن من الأفضل؟

أن تكون غنيًا أم فقيرًا؟ أن تكون صاحب سلطان أم أن تكون بلا كرامة؟ في غنى وثروة أم في فقر واحتياج وجوع؟.

الأمر في غاية الوضوح، أن نكون في كرامة وبهجة وثروة. لهذا إن كانت لديكم الأشياء لا الأسماء، فاتركوا الأرض وما عليها هنا، وأوجدوا لأنفسكم مكانًا ترسون فيه في السماوات. لأن ما على الأرض ظل، لكن كل شيء هناك راسخ لا يهتز، ثابت لا يتزعزع.

فلنختر هذه الأمور إذن بكل همة ونشاط لنخلص من ضيقات الأرضيات هنا. حتى إذا ما أبحرنا إلى ذلك الميناء الهادئ، نوجد مع خيرنا الوفير. الذي لا يُنطق به، الذي يمنحه لنا الله بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الإنسان. له المجد والقدرة إلى أبد الآبدين آمين.