تفسير
عظة ربنا يسوع المسيح
على الجبل

للقديس يوحنا الذهبي الفم

الإصحاح السابع - العظة الثالثة والعشرون
19. عظة عن الصلاة

 4. "اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم" [ع7].

لأنه بقدر ما قال الرب أشياء عظيمة وعجيبة، وأمر الناس أن تكون شهواتهم سامية وقادهم إلى السماوات نفسها، وأمرهم بالجهاد لبلوغ المثال المطلوب لا تشبُهًا بالملائكة أو رؤساء الملائكة بل بقدر المستطاع برب الجميع نفسه. وأمر تلاميذه أن يفعلوا هذا في كل حين حسن، وأن يقوَّموا الآخرين أيضًا، وأن يميزوا بين الأشرار والأبرار. بين الكلاب وغير الكلاب، بالرغم من أن هناك أمورًا دفينة في الناس يصعب تمييزها. وألا يقولوا إن "هذه الأمور صعبة لا أحد يحتملها" لأن القديس بطرس كان قد قال ذات مرة في الحقيقة "من يستطيع أن يخلص؟" (مت 19: 10، 25) وقال أيضًا "إن كان هذا هو حال الإنسان، فجيد للرجل ألا يتزوج".

 ولئلا يقول أحد نفس الكلام فإن الرب يظهر سهولة الأمر واصفًا لنا السبب تلو الآخر لذلك، والقدرة على إقناع الناس. وبعد هذا كله، يضيف أيضًا الأساس المطلوب والسبيل الحق لتخفيف الحمل والتعب عنا، مؤكدًا أن المعونة إنما تأتينا من الصلوات التي تحفظنا.

 هكذا يقول إننا لسنا نجاهد وحدنا، بل نطلب المعونة من فوق - وستأتي بالتأكيد - وتبقى معنا تعيننا في جهادنا، وتسهل علينا كل شيء. لهذا يأمرنا أن نسأل، وجعل نفسه في محل من يعطي، ولم يأمرنا فقط أن نسأل، بل أن نطلب بكل همة ونشاط - فهذا هو معنى كلمة "اطلبوا" - لأن من يطلب وقد صفى ذهنه من كل شيء، إنما ينشغل بما يطلبه فقط، دون أن يفكر فيمن حوله من أشخاص. فقد خسر كثيرون ذهنهم وخدامهم، وهم يطلبونهم بهمة. والرب يعلن عن هذا الأمر بكلمة "اطلبوا"، وبقوله "اقرعوا" يعني أن نقترب إلى الله في جدية وفكر متوهج دون تراخ، ودون أن نصل من غيرتنا للفضيلة مثلما نفعل طلبًا لشهوة الغنى لأن مثل هذه الأمور حين تطلبونها واثقين أنكم تجدونها، لهذا تسعون إليها بكل ما لديكم من همة ونشاط، لكنكم في أمور أخرى ورغم أنكم قد نلتم الوعد الصادق بنوالها، لا تظهرون أدنى جهد، فإن لم تأخذوا فورًا، لا يتأسوا لأنه لهذا الغرض قال "اطرقوا" ليدلل على مداومتنا للطلبة حتى لو لم يفتح منا الباب على الفور.

5. وإن كنتم تشكون في تأكيدي هذا لكم، فآمنوا على الأقل بمثله، إذ يقول الرب: "أم أيّ إنسان منكم إذا سأله ابنه خبزًا يعطيه حجرًا" [ع9]. لأن من يداوم على الطلبة بإلحاح بين الناس قد يحسبونه إنسانًا مزعجًا ومثيرًا للاشمئزاز. لكن مع الله، إن لم تلحوا في الطلبة، فإنكم تزعجونه بالأكثر. فلو داومتم على السؤال، ولم تأخذوا على الفور، ثقوا أنكم حتمًا سوف تأخذون في وقت ما. لأنه لهذا الغرض أغلق الباب، ليحثكم على مزيد من الطرق عليه. ولهذه الغاية لا يلبي الطلبة فورًا حتى تعيدوا السؤال. فداوموا إذن على الطلبة، وستأخذون بالتأكيد.

ورُبّ قائل: "ماذا لو طلبتُ ولم آخذ؟" لقد أُغلق الباب على سعيكم لهذا الأمر، فهو بأسلوبه هذا يحثنا على الثقة فيه، ويشير علينا ألا نطلب فقط، بل أن نطلب ما يجب علينا أن نطلبه.

"لأنه أيّ إنسان منكم إذا سأله ابنه خبزًا يعطيه حجرًا". لهذا إن لم تأخذوا، فلأنكم طلبتم حجرًا - وهذا هو السبب أنه لم يعطكم - لأنه رغم كونك ابنًا له، فإن هذا وحده لا يكفيك حتى تأخذ، بل هذا السبب عينه يعوقك عن الأخذ! فإنك وأنت ابن قد لا تطلب شيئًا ينفعك.

أيضًا لا تطلبوا شيئًا عالميًا، بل كل الأشياء الروحية، وستأخذون يقينًا. لأنه هكذا فعل سليمان (1 مل 3: 10-14، 2 أي 1: 11-12) إذ طلب ما ينبغي طلبه، فناله على الفور دون إبطاء.

 هناك إذن أمران يلتزم بهما من يصلي، أن يطلب ويسأل بإلحاح، وأن يسأل ما ينبغي عليه أن يطلبه. إذ يقول السيد الرب: "إذ وأنتم آباء تنتظرون أن يطلب أولادكم منكم، وإن سألوكم شيئًا غير مألوف ترفضون أن تعطونهم إياه، وإن كان في مقدوركم ونافعًا تعطونه لهم". وأنتم أيضًا إذ تفتكرون في هذه الأمور، لا تنصرفوا حتى تأخذوا. وحتى تجدوا لا تكُفوا عن السؤال، لا تتراجعوا ولا تقللوا همتكم في السؤال، حتى يفتح الباب، لأنكم إن اقتربتم بهذا الفكر وقلتم: "إن لم آخذ لن أرحل" فحتمًا ستأخذون بشرط أن تطلبوا ما يليق بالرب الذي تسألونه أن يعطيكم، والنافعة لكم كطالبين. فما هي هذه الأشياء اللائقة؟:

أن تطلبوا الروحيات، كل الروحيات، وأن تغفروا للمذنبين إليكم، فتنالون غفرانًا متى طلبتموه، رافعين أيادٍ طاهرة بلا غضب ولا دمدمة. (1 تي 2: 8). فإن طلبنا هكذا، سننال حتمًا، لأننا في حالتنا هذه تكون طلبتنا كشيء من السخرية، وكفعل رجل سكير لا فعل عاقل من العقلاء. ورُبّ قائل: أنا أطلب الروحيات، ولا آخذ؟ بالتأكيد أنت لا تطلبها بجدية أو تجعل نفسك غير مستحق للأخذ، أو أنك سرعان ما تكف عن السؤال، وقد يسأل نفس الشخص: "ولأي سبب لم يذكر السيد الرب الأشياء التي يجب علينا أن نطلبها؟" فالا بالحق، فقد ذكرها كلها فيما مضى، وأشار إلى الأمور التي يجب أن نقترب منها ونطلبها، فلا تقل إذن أنا اقترب ولا آخذ. لأن الله لا يمنع أبدًا في أيّ حال عن العطاء، الله الذي يحبنا كثيرًا جدًا، أكثر حتى من الآباء الجسديين، ويفوقهم كلهم صلاحًا. فإن طبيعة الآباء الأرضيين طبيعة شريرة. إذ يقول عنهم " فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات" [ع11].

 ويقول الرب هذا، لا لكي يصف البشر فإن طبيعتهم شريرة، ولا لكي يدين جنسنا البشري بأنه جنس سيئ، لكن محبته للإنسان فائقة وعظيمة بما لا يقاس. هل ترون حديثًا يفوق هذا الحديث هنا، عن قدرة الله التي تنير الآمال الصالحة حتى في قلب من أصبح يائسًا بأسًا لا يحتمل؟

ها هوذا يشير إلى صلاحه حقًا من طريق آبائنا؟ ومن قبل من خلال أعظم عطاياه. وهي "النفس" في داخل الجسد. وفي كل موضع لا يشير الرب إلى أعظم خيراته ولا إلى مجيئه في الجسد، لأن من بادر وقدم ابنه إلى الذبح، كيف لا يهبنا معه مجانًا كل شيء؟ وهذا وإن لم يحدث لنا بعد. لكن القديس بولس أشار إليه حقًا بقوله: "الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟" (رو 8: 32). لكن لا يزال حديثه إليهم يتناول الأمور الخاصة بالبشر الآن.