تفسير
عظة ربنا يسوع المسيح
على الجبل

للقديس يوحنا الذهبي الفم

الإصحاح السابع - العظة الثالثة والعشرون
18. انتقاد إخوتكم!

1. "لا تدينوا. لكي لا تُدانوا" [مت 7: 1]

ماذا إذن؟ ألا نلوم من يرتكبون الخطيئة؟ لأن بولس أيضًا يقول نفس الشيء أو بالحري يتكلم المسيح أيضًا ببولس قائلاً: "وأما أنت، فلماذا تدين أخاك؟ أو أنت أيضًا لماذا تزدرى أخيك؟ ومن أنت الذي تدين عبد غيرك؟" (رو 14: 4، 10). وأيضًا: "إذن، لا تحكموا في شيء قبل الوقت، حتى يأتي الرب" (1 كو 4: 5).

فكيف يقول في موضع آخر "وبخ، انتهر، عظ" (2 تي 4: 2). و"الذين يخطئون وبخهم أمام الجميع" (1 تي 5: 20). والمسيح أيضًا يقول لبطرس: "إن أخطأ إليك أخوك، فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما، وإن لم يسمع، فخذ معك أيضًا واحدًا أو اثنين... وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة" (مت 18: 15-17).

فكيف يعيِّن علينا كثيرين لتوبيخنا، وليس لتوبيخنا فقط، بل لعقابنا أيضًا. وبالنسبة لمن لا يسمع لأي من هذه كلها، فإن الرب يأمره أن يكون "كوثني أو كعشار" (مت 7: 3).

وكيف أعطاهم الرب المفاتيح أيضًا؟ وطالما أنهم لا يحكمون على أحد فلن يكون لهم سلطان في أيّ موضوع، وعبثًا يكون لهم سلطان الحل والربط، وإن كان ذلك سيعم، فسيطيع الجميع على حد سواء في الكنيسة، أم في الدولة أم في البيوت. لأنه إن لم يدن السيد خادمه، والسيدة خادمتها، والأب ابنه، والأصدقاء بعضهم بعضًا، سيزداد الشر. ولماذا أقول الأصدقاء، فإننا حتى إن لم نحكم على أعدائنا، لن نقدر أبدًا أن نضع نهاية لعداوتهم، وسوف ينقلب كل شيء رأسًا على عقب. فما معنى هذا القول إذن؟

فلننتبه جيدًا: وحتى لا يحسب أيّ أحد أن أدوية الخلاص وقوانين السلام هي قوانين تشويش وفوضى: أولاً: فبواسطة ما سيلي، أشار السيد إلى أولئك الذين فهموا سمو ذلك القانون بقوله: "لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك. وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها" (مت 7: 3).

ولكن إن كان الأمر يبدو غامضًا عند الكثير من غير المبالين، فإنني سأشرح الموضوع من بدايته، ففي هذا الموضع - كما يبدو لي - لم يأمرنا هكذا ببساطة أن ألا نحاكم أيّ أحد بسبب خطاياه، ولا هو يمنعنا أن نفعل ذلك، بل بالنسبة للذين تمتلئ حياتهم بأنواع أمراض كثيرة ويدرسون الناس بتفاهاتهم - واَعتقد أن المسيح يلمح إلى بعض اليهود هنا - فهم يتهمون جيرانهم بمرارة بسبب أخطاء صغيرة. لهذا يوبخهم الرب: "يحزمون أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها على أكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يحركوها بإصبعهم" (مت 23: 4). وأيضًا "تُعشُرون النعنع والشبث... وتركتم أثقل الناموس: الحق والرحمة والإيمان" (مت 23: 23).

حسنًا، فإنني أظن أن هذا الأمر مفهوم في توبيخه، إذ يفحصهم أولاً بخصوص هذه الأمور، وهم الذين اتهموا تلاميذه فيما بعد. ورغم أنهم لم يكونوا مذنبين، حسبوهم قد فعلوا إثمًا؛ في عدم حفظهم السبت، والأكل بأيد غير مغسولة، والجلوس مع العشارين، فقال عنهم الرب في موضع آخر "الذين يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل" (مت 23: 24) ويضع الرب هنا قانونه العام حول هذه الأمور وأيضًا بالنسبة لأهل كورنثوس (1 كو 4: 5). فإن بولس أيضًا لم يأمرهم على الإطلاق بعدم الحكم على الآخرين، بل ألا يحكموا على رؤسائهم على أسس غير مدروسة. وألا يحجموا أبدًا عن تقديم الذين يخطئون. ولم يكن يوبخ الجميع دون تمييز، بل كان موضع توبيخه التلاميذ الذين يفعلون ذلك بمعلمهم والمذنبون بخطايا بغير حصر، ويرددون تقريرًا شريرًا عن غير المذنبين. هذا ما كان المسيح يقصده هنا، بتوبيخه لا لمجرد التوبيخ، والذي أحاطه أيضًا بفزع رهيب، وبالعقوبة التي لا يمكن للصلاة أن تخلصهم منها.

2. إذ يقول الرب: "لأنكم بالدينونة التي بها تدينون، تُدانون" [ع2] وكأن المسيح يقول ما معناه، إنك لا تدين الآخر بل تدين نفسك، وتجعل كرسي الدينونة أمرًا مخيفًا لك وتجعل حسابك صارمًا. تمامًا مثلما يتم غُفران الخطايا حين نبدأ نحن في غفران خطايا الآخرين. هكذا في الدينونة أيضًا؛ أننا نضع معايير دينونتنا بأنفسنا. فلا يليق بنا أن ندهس الناس وندوس عليهم بل نوبخ ولا نلعن، بل ننصح دون أن نقهر في تعالي، ونعامل الآخرين بلطف لأنكم لا تُسلمون إلا أنفسكم إلى انتقام شديد، إذ أنكم لا تخلصون الآخر حين تحكمون على آثامه، وهاتان وصفتان سهلتان، تمنح الطائعين بركات جزيلة، مثلما هو الحال مع الشرور من جهة أخرى لدي غير المكترثين. لأن كل من يغفر لجاره، يحرر نفسه أولاً من أصول الشكوى ودون أية مشقة، ومن يتعامل مع آثام الآخرين برفق ودون تباطؤ يكون غفرانه عظيمًا. وما يحكم به يُحكم به عليه. ورُبّ قائل: وماذا بعد؟ هل إن ارتكب أحد الزنا لا نخبره أن الزنا أمر رديء، وهل لا نقومه وهو يمارس خطية مشينة كهذه؟ بلى، نقومه ولكن ليس كخصم ولا كمعاند لكم يستحق العقوبة. بل تعاملونه كطبيب كمريض وتعطونه الدواء اللازم. لأن السيد المسيح لم يقل "لا تمنع من يخطئ"، بل "لا تدينه" أيّ لا تحكم عليه حكمًا مرًا. وكما ذكرت قبلاً، ليس عن الأمور العظيمة ولا الممنوعة يقول ذلك، بل عن الأمور التي لا تحسب من بين الآثام. مثلما قال "لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك" [ع3].

أجل. لأن كثيرين الآن يفعلون ذلك، إذا رأوا راهبًا يرتدي ملابس لا لزوم لها، يطبقون عليه قانون الرب (مت 10: 10) "لا تقتنوا... لا مزودًا للطريق ولا ثوبين... ". بينما يتباهون هم أنفسهم بمظهرهم بغير حدود، وتعيرون الناس كل يوم. وإن رأوه ولو مرة واحدة يشارك في الطعام بنفس مفتوحة، يتهمونه بمرارة. بينما هم أنفسهم يشربون بشراهة ويتناولون الطعام بنهم شديد. غير عالمين أنهم بالإضافة إلى خطاياهم، يجمعون على أنفسهم شررًا مستطيرًا، ويحرمون أنفسهم من كل فرصة للتوسل. لأنه عند هذه المرحلة، لابد أن يسألكم بحزم عن أفعالكم الخاصة، فقد نفذتم أنتم القانون أولاً بأنفسكم، وتحكمون على جاركم فلا تتألموا إذا ما حكم عليكم أنتم أيضًا بذات الحكم.

 "يا مرائي أخرج أولاً الخشبة من عينك" [ع5].

وهنا تظهر مشيئته في إظهار الغضب الكبير ضدهم، فهم يفعلون الشيء ذاته، وحين يكشف لهم عن جسامة الخطية وبشاعة العقاب وشدة الغضب الموفرة لهم، يبدأ بتوبيخهم إذ قال لمن كان يتاجر بالمئة دينار وهو غاضب: "أيها العبد الشرير، كل ذلك الدين تركته لك" (مت 18: 32). ويقول هنا أيضًا "أيها المرائي" لأن المرائي لا يحكم على الآخرين بغرض حمايتهم بل بسبب إرادة شريرة عنده، وبينما يضع قناعًا من الخير على وجهه، يمارس أبشع الشرور ويصدر توبيخات بغير أساس، واتهامات تسبب انشقاقه على جيرانه، متشحًا بوشاح المعلم، وهو لا يستحق حتى أن يكون تلميذًا - لهذا يدعوه الرب بالمرائي - لأنكم تبدون حرارة واضحة في انتقاد أفعال الآخرين، حتى أنكم ترصدون لهم كل شيء، فكيف تسامحون أنفسكم؟ حتى أنكم تتغاضون عن أفظع الأمور: "اَخرج أولاً القذى من عينك"

هل ترون أن الرب لا يمنع الحكم على الآخرين، بل يأمرنا أن نخرج أولاً الخشبة التي في عيوننا ثم نحكم على أفعال الآخرين، إن كانت خطأ أم صواب. لأن كل إنسان في الحقيقة يعرف أمور حياته أفضل من معرفته لأمور الآخرين، فيرى أموره الأكبر أكثر من الأقل، ويحب نفسه أكثر من جاره. لهذا إن كنتم تحكمون على الآخرين بدافع الوصاية والعناية، فإني أنصحكم أن تهتموا بأنفسكم أولاً. فإن الخطايا عندكم تكون أكثر وضوحًا وضخامة. لكنكم إن أهملتم نفوسكم لأصبح من المؤكد أنكم لا تنصحون أخوتكم على سبيل الرعاية بل بدافع الكراهية - والرغبة في التشهير بهم - لأنه ماذا لو كان من الواجب محاكمته، فكان من الأوجب أن يتم هذا بواسطة إنسان لا يرتكب هو هذه الحماقات، وليس بواسطتكم. ولأن السيد الرب قد أدخل تعاليم عظيمة وسامية عن إنكار الذات، ومثلاً يقول أحد إن من السهل ممارسة ذلك بالكلام، فإنه ورغبة منه أن يظهر ثقته الكاملة. وأنه لم يكن مثقلاً أبدًا بأيّ من الأمور المذكورة، بل أكمل كل برّ في حين حسن، قال هذا المثال، وأنه سيدين المسكونة كلها بالعدل فيما بعد، لهذا يقول "الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون" (مت 23: 1) فالرب لم تكن في عينه قذى ليخرجها، ولا كانت في عينه خشبة، بل ولأنه طاهر في كل شيء، يقوَّم أخطاء الجميع ويضبطها. لهذا يقول لنا لا يليق أن ندين الآخرين أبدًا (حين يكون المرء مثقلاً بنفس الخطايا).

ولماذا تتعجبون من تأسيسه هذا القانون، واللص نفسه قد عرفه وهو على الصليب. قائلاً للص الآخر: "ألا تخاف الله، إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه" (لو 23: 40-41) معبرًا عن نفس المشاعر تجاه المسيح.

لكنكم إذ تعجزون عن خلع الخشبة من عيونكم، لا ترون ذلك، بل حتى القذى في عين الآخر هي التي ترونها فقط - وتدينون أيضًا - وتحاولون أن تخلعوه وكأن شخصًا قد أصيب بداء الاستسقاء الخطير، أو بأيّ وهن آخر يصعب شفاؤه، فتهملون حالكم وتلتفتون لإنسان أصيب ولو بورم طفيف. ومن الشر أن يغفل الإنسان عن آثامه هو، ومن الأشر بالأكثر أن يدين الآخرين، بينما الدائنون أنفسهم يحملون في عيونهم أخشابًا - فما من خشبة أثقل من الخطية - لهذا حثهم الرب بهذه الكلمات فعلى المثقلين بذنوب بلا حصر ألا يدينون الآخرين في حرارة، خاصة حين تكون خطايا الآخرين تافهة.

ولا يمنع السيد الرب لا التوبيخ ولا التقويم، بل يمنع الناس من إهمال خطاياهم الشخصية ويرصدون خطايا الآخرين؛ لأن ذلك يسبب انزلاق الناس في رذائل كبار، جالبين على أنفسهم شرور عظيمة، مضاعفة. لأن كل من يحاول التهوين، شأن خطاياه الشخصية مهما كان عظمها، ويرصد ويفتش بمرارة عن آثام الآخرين مهما كانت قلتها وتفاهتها، ينزلق إلى طريقين:

أولاً: تهاونه في خطاياه الذاتية.

ثانيًا: إقامته عداوة وخصومة مع كل الناس، متدربًا كل يوم على قساوة القلب والشعور بالآخرين.

3. وإذ يقصي كل هذه الرذائل بعيدًا، بتشريعه العظيم هذا، يضيف تهمة أخرى قائلاً: "ولا تُعطوا القُدس للكلاب، ولا تَطرحُوا دُرركم قُدَّام الخنازيرِ" (مت 7: 6).

وحتى لا يقال إن السيد الرب قد أوصى بأن "ما تسمعونه بالآذان، نادوا به على السطوح" (مت 10: 27). فإن هذه العبارة لا تناقض الآخر(الأخرى) لأن الرب أمر أن نخبر من يجب علينا إخبارهم، وأن نحدثهم بحرية (1 كو 2: 14). ويصف هنا بشكل رمزي أولئك الذين يحيون بعدم تقوى لا علاج لهم، ولا رجاء في إصلاحهم أو تغييرهم إلى الأفضل وذلك بكلمة "كلاب" أما كلمة "خنازير" فيصف بها الذين يداومون على الحياة النجسة. وهؤلاء يقول عنهم إنهم غير مستحقين أن يسمعوا تلك الأمور. وقد أعلن القديس بولس الرسول نفس الأمر بقوله "الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله، لأنه عنده جهالة" (1 كو 2: 14). ويقول السيد الرب في عدة مواضع أخرى إن فساد الحياة هو السبب في عدم نوال الناس لمزيد من التعاليم الكاملة. ولهذا يأمرنا ألا نفتح أبوابنا لهم، لأنهم في الحقيقة يكونون أكثر ضررًا بعد التعليم، أما صاحب الميول الطيبة والذكي فإن الأشياء تبدو وقورة جديرة بالاحترام إذا ما انكشفت أمامه. أما عديمو الإحساس فتبدو الأمور لهم مجهولة لأنهم بسبب طبيعتهم غير قادرين على تعلمها. ويقول السيد الرب "فلنُبق الأمور مخفية، حتى يوقرونها وذلك بسبب جهلهم". لأنه لا الخنزير يعرف قيمة اللؤلؤة، ولما كان لا يقدِر قيمتها فدعونا لا نكشفها له، لئلا يدوسها بأقدامه. فالسالكون سلوكًا رديًا لا يميلون إلى سماع الأمور المقدسة، فهي بالنسبة لهم دنسة لأنهم يجهلون طبيعتها. وهم أكثر الناس اندفاعًا لمقاومتها والتعالي علينا، وهذا هو المقصود بعبارة "لئلا تدوسها بأرجلها، وتلتفت فتمزقكم"

ورُبّ قائل: "كلا بالتأكيد، عليها أن تكون قوية لتظل مسبقة بقدر كافٍ، بعد أن يتعلمها الناس، ولا تخضع لأناس ضدنا" لكن ما قولك في أن أولئك الناس كالخنازير مثلاً، فالدرة حتى وإن سقطت بين الأقدام لا يليق أن تداس هكذا، فهي ليست محتقرة لأنها وقعت، بل لأنها سقطت بين خنازير، ولهذا يقول الرب "لئلا تلتفت وتمزقكم" لأنها تفتقر إلى الرقة واللطف. وحتى إذا تعلمت، فإنها لا تتغير من حال إلى حال، بل تظل تزمجر وتدوسنا وتهاجمنا فهم أشخاص مخادعون. لهذا يقول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس (2 تي 4: 15) "فاحترس منه أنت أيضًا، لأنه قاوم أقوالنا جدًا" ثم يقول في موضع آخر "أعرض عن هؤلاء" (2 تي 3: 5) و"الرجل المبتدع، بعد الإنذار مرة ومرتين، أعرض عنه" (تي 3: 10).

هكذا ترون أن الحقائق لا تمدهم بالقوة، بل يصيرون أغبياء، من تلقاء أنفسهم - ويزداد عنادهم - ويخسرون كثيرًا إذا ظلوا على جهلهم، إذ يظهرون احتقارهم الشديد، لكنهم إن تعلموا، فإن سوء التقدير من جهلتهم يكون أشد. لأنهم لا ينتفعون بل يتأذوا بالأكثر، ويسببون لكم العديد من المتاعب.

 فليسمع كل الذين يشتركون مع الجميع في هذا السلوك بغير خجل، ويحتقرون الأشياء المرهوبة الجانب. لأننا نحتفل بالأسرار والأبواب مغلقة، ونُبعد غير المعتمدين، لا لأي ضعف في طقوسنا، بل لأن الكثيرين منهم غير مهيأين بالكامل لها. ولهذا السبب ذاته يتحدث السيد الرب إلى اليهود في أمثال "لأن لهم عيونًا، ولا يبصرون" ولهذا أيضًا يأمر القديس بولس "أن نعلم كيف يجب أن نجاوب كل أحد" (قابل كو 4: 6).