تفسير
عظة ربنا يسوع المسيح
على الجبل

للقديس يوحنا الذهبي الفم

الإصحاح السادس - العظة الحادية والعشرون
15. الثروة

 "لا يقدرُ أحد أن يخدم سيدين؛ لأنه إما أن يُبغض الواحد ويُحبّ الآخر، أو يُلازم الواحد ويحتقر الآخر" [ع24].

أترون كيف يتدرج في إبعادنا عن الأمور التي لدينا الآن، ويقدم ما يريد قوله على فترات طويلة، فيتحدث عن الفقر الإختياري أو الإرادي، ويطرد سلطان شهوة الجشع، لأنه لم يكتفِ بما قاله قبلاً، رغم كثرته وعظمته، بل يضيف أيضًا أقوالا أخرى، كإنذارات مزيدة.

لأنه ماذا يكون أكثر إنذارا مما يقوله الآن، إن كنا نحن حقًا وبسبب غنانا وثرواتنا نبتعد عن خدمة المسيح، أو ما الذي يمكن أن نشتهيه أكثر. إن كنا حقًا باحتقارنا للثروة نوجه حبنا وعواطفنا إليه لتصبح محبتنا له كاملة. وأعود فأكرر وأقول نفس الشيء، إن المسيح يضغط على السامع بكلا الوسيلتين ليطيع كلامه، وكطبيب ماهر للغاية، يشير إلى المرض الناجم عن الإهمال، كما يشير إلى الصحة الناتجة عن الطاعة.

 تأملوا مثلاً، نوع الربح المشار إليه وميزته بأن يتخلص الإنسان من أمور مضادة، فيقول الرب: إن الثروة لا تؤذيكم في هذا فقط، بل هي تثير اللصوص ضدكم أيضًا، وتعتم ذهنكم إلى أقصى حد، وتقصيكم عن خدمة الله، فتحولكم إلى أسرى ثروات ميتة، وهي في كلا الحالتين تضركم. فهي من جهة تجعلكم عبيدًا لا أسيادًا يأمرون الآخرين، ومن جهة أخرى تطرحكم بعيدا عن خدمة الله، الواجبة خدمته قبل الجميع.

 ومثلما أشار في موضع سابق عن مضاعفة سوء التدبير حيث "يَفسد السوس" هنا على الأرض، بينما لا يحدث هذا هناك، حيث الحراسة منيعة لا يمكن اختراقها. هكذا هنا أيضًا، يظهر مضاعفة الخسارة حيث نبعد عن الله وتجعلنا الثروة عبيدًا لمال الظلم ((mammon. لكنه لا يعرض الأمر مباشرة، بل يؤسس تعليمه على اعتبارات عامة، قائلاً: "لا يقدر أحد أن يخدم سيدين، وهو يتحدث عن أمرين متناقضين لأنه لو لم يكن هناك تضاد، لما تحدث عن اثنين، بعكس ما قيل: "كان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة" (أع 4: 32). فرغم أنهم منقسمون إلى أجساد عديدة، إلا أن اجتماعهم واتفاقهم قد جعل الكثيرين واحدا.

 وإذ يريد الرب أن يدعم شرحه يقول إن من يخدم سيدين، يكره ويبغض، بدلاً من أن يخدم، "لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الأخر"، موضحًا أن التغيير للأفضل أمر سهل، لئلا يقول قائل "لقد صرت عبدًا إلى غير رجعة، لقد أصبحت تحت سيطرة الثروة" مؤكدًا أن الإنسان يمكنه التغيير من حال إلى حال.

2. وكما ترون، وإذ يتحدث بشكل عام، ليقنع سامعه أن يكون قاضيًا نزيهًا على كلمات السيد الرب، وأن تحكم بطبيعة الأشياء ذاتها حين يتيقن من صدقه، حينئذ وليس مثل هذا الوقت يكشف السيد نفسه قائلاً:

"لا يمكنكم أن تخدموا الله والمال" [ع24].

فلنرتعد ونحن نتأمل هذا الأمر، ونفكر ما الذي جعل المسيح يقول ذلك، وكيف يضع المال مع اسم الله. لكن إن صدمنا هذا الأمر، فإن حدوثه في أعمالنا وتفضيلنا لطغيان الذهب على مخافة الله، هو أمر يصدم أكثر بكثير. ماذا إذن؟ ألم يكن هذا ممكنا بين القدماء؟ أجل دون شك، ورُبّ قائل: كيف حصل إبراهيم إذن على شهرة طيبة، وكيف نالها أيوب. لا تخبرني عن الأغنياء بل عن الذين يخدمون المال والثروات. فإن أيوب كان غنيًا، لكنه لم يخدم مال الظلم، بل تملكه وتحكم فيه، وكان سيدًا لا عبدًا، لهذا اقتنى كل شيء وكأنه وكيل لأملاك شخص آخر، وهو لم يكن يسلب الآخرين، بل كان يعطي المحتاجين من ماله الخاص. والأكثر من ذلك، إنه حين توفرت لديه الثروات لم تكن مصدر فرحه، "ما فرحتُ إذ كثُرت ثروتي" (أي 31: 25). ولهذا أيضًا لم يحزن حين ضاعت ثروته.

 لكن أغنياء هذه الأيام ليسوا مثل أيوب، بل بالحري هم في حال أسو من حال العبيد، وكأنهم يدفعون الجزية لطاغية جبَّار، وكأن ذهنهم قلعة مشغولة بمحبة المال، تبعث إليهم بأوامرها من هناك يوميًا، ملآنة إثمًا، ولا يقوى أحد على مُخالفتها.

 لهذا لا تكونوا معاندين بزيادة، لأن الله أعلن مرة وإلى الأبد ونطق أنه من المستحيل على الإنسان أن يوفق في خدمة سيدين. فإن قلتم لا بل هذا ممكن، فلماذا تقولون ذلك وأحد السيدين يأمركم أن تسلبوا حقوق الآخرين بالعنف. بينما يطالبك السيد الآخر أن تجرد نفسك من حب القنية، الأول يطالبك أن تكون عفيفًا، والثاني أن تكون سكيرًا مترفًا. واحد يأمرك أن تحتقر الموجودات بينما يجذبك الآخر إلى الأمور الحاضرة. واحد يأمرك أن تحتقر المصنوعات الرخامية والحوائط والأسقف والآخر أن تُعجب بها. فكيف لهذين الاثنين أن يتفقا؟.

 ويدعو المسيح هنا مال الظلم بالسيد، لا بسبب طبيعة المال بل بسبب تعاسة الذين ينحنون أسفله. وهكذا أيضًا يدعو البطن إلهًا (في 3: 19). ليس بسبب كرامة هذا العضو، بل بسبب بؤس المستعبدين للبطون والأكل. وهو أمر أسوأ من أي عقاب، ومن يقبل العقاب طريقًا للانتقام يسقط هو فيه. لأن حال المجرمين المدانين حال سيِّئ، الذين إذ كان الله لهم ربَّا، بسبب توافه الأمور يهجرونه إلى طغيان المادة الخطير، فيجلب عملهم عليهم منتهى الأذى - هنا في الزمان الحاضر - فيعانون من القضايا والانتهاكات والمضايقات والأتعاب، التي تعمي النفوس وتكون خسارتهم فائقة. والأخطر من ذلك كله، أن يسقط الإنسان عن البركات الغالية، وأعظمها بركة خدمة الله.