تفسير
عظة ربنا يسوع المسيح
على الجبل

للقديس يوحنا الذهبي الفم

الإصحاح السادس - العظة التاسعة عشرة
10. الصدقة

"احترزوا من أن تصنعوا صدقتكُم قُدَّام الناس لكي ينتظرُوكُمْ" [مت 6: 1].

السيد الرب هنا يستأصل ما تبقَّى من أشد الشهوات طغيانًا، أي هياج وجنون المجد الباطل، والذي يتعمق في صدور من يصنعون خيرًا وصلاحًا. والمسيح لم يذكر هذا أبدًا في بداية حديثه، حتى لا يصبح كلامه من نافلة القول (زائد بلا لزوم)، وقبل أن يحثهم على فعل أيّ أمر يجب عليهم فعله، ليعلمهم كيف يمارسون العمل الصالح في حينه. لكن بعد أن قادهم إلى ضبط النفس، بدأ يتعامل بشكل سرِّي لإزالة وغسل ما علق بالنفس من أدوات. لأن هذا الداء لا يتولد هكذا فينا بشكل عشوائي، بل ينمو حينما نمارس العديد من الوصايا. لهذا كان من اللائق أولاً أن يزرع فينا الفضيلة، ثم يزيل الشهوة التي تحجب ثمار العمل الصالح فانظروا كيف بدأ:

 لقد بدأ بالصوم والصلاة والصدقة؛ لأن الفضيلة تتأصل في ظل هذه الأعمال الصالحة. لهذا فإن الفريسي كان قد انتفخ وتكبر حين قال:

"أصومُ مرتينِ في الأسبوعِ؟ وأُعشرُ كُل ما اَقتنيهِ" (لو 18: 12). هكذا كان يمجد نفسه باطلاً أيضًا في صلاته - فجعلها صلاة للتباهي والتفاخر - وإذ لم يجد أحدًا من الحاضرين سوى العشَّار. أشار إليه قائلاً: "إني لستُ مثل باقي الناس... ولا مثل هذا العشَّار!" (لو 18: 11).

لاحظوا كيف بدأ السيد المسيح، كما لو كان يتكلم عن حيوان مفترس، من الصعب اصطياده، فهو حيوان ماكر يعرف كيف يخدع غير المتيقظين. هكذا يقول:

 "احترزوا أن تصنعوا صدقتكم علانيةً" وهكذا يقول بولس الرسول لأهل فيلبي "احترزوا من الكلاب" (في 3: 2). ولقوله هذا سبب؛ فالشيطان يشبه حيوانًا شريرًا يأتينا خلسة دون جلبة، فيملأنا بالكبرياء ودون أن نلاحظ ينتزع ما بداخلنا. لهذا اهتم السيد المسيح جدًا أن يتحدث عن الصدقة كثيرًا. وأن يذكر أعمال الله "الذي يشرق على الأشرار والأبرار" (مت 5: 45). وكان يحثهم بكل شكل ويحضهم بكل دافع أن يكثروا من صدقاتهم. فينتهي حديثه وقد اِنتزع كل ما يعوق نمو شجرة الزيتون اليانعة ولنفس السبب يقول: "احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدَّام الناس". لأن هذا الذي سبق الحديث عنه هو "صدقة الله".

2. وحين قال "ليس قدَّام الناس"، أضاف "لكي ينظروكم".

ورغم ما قد يبدو أن ما قاله أولاً قد كرره ثانيًا. فإن من يمعن النظر يري أن الأمر ليس كذلك، بل يختلف ما قاله أولاً عما قيل مرةً ثانية، وأن ما قاله يوفر لنا الأمان كله، والرقة والاهتمام الفائقين للوصف. فالذي يقدم صدقاته أمام الناس قد لا يفعل ذلك لينظروه، وأيضًا قد لا يدفع آخر صدقته قدام الناس، ومع ذلك فإنه يفعل هذا لينظره الآخرون. لهذا فإن المشكلة ليست في طريقة تقديم الصدقة، بل في النية والتي بسببها ينال الإنسان عقاب أو مجازاة. وما لم تكن الصدقة بهذه الدقة، لأحجم كثيرون عن تقديمها. لأنه ليس من الممكن إعطاؤها سرًا في كل حالة. ولهذا فالرب يحرركم من هذا الالتزام، ويحدد العقاب والأجر. لا بسبب الفعل، بل بسبب نية الفاعل. وحتى لا تقول: ماذا؟ هل أكون الأسوأ إذا رآني أحد أتصدق؟ فإن الرب يقول لك "لا ليس الأمر كذلك، وليس هذا ما أقصده، بل إني أقصد الفكر الذي فيك، ومشاعرك المصاحبة للفعل"، لأن مشيئته أن يضع نفوسنا معًا في إطارها الصحيح وأن يخلصها من أيّ مرض يعتريها. وإذ يمنع الناس من أفعال التظاهر والعرض أمام الناس. وبعد أن أظهر لهم عقوبة هذا الفعل، وبطلانه، فإنه يثير نفوسهم مرة أخرى بأن يضعهم في فكر الآب وفكر السماء، فهو لا ينبههم بالخسارة فقط، بل يخزيهم بتفكرهم فيمن وهب لهم الكيان؛ إذ يقول لهم: "وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات" (مت 6: 1). ولا يتوقف عند هذا الحد، بل يتقدم أيضًا مظهرًا دوافع أخرى تزيد من نفورهم. فمثلما تحدث عن العشَّارين والأمم مشبهًا الشخص الذي يحاكيهم بأنه شخص يحيا في خزي، هكذا أيضًا يتحدث عن المنافقين.

 "فمتي صنعت صدقةً فلا تُصوت قُدَّامك بالبوقِ كما يفعل المراؤُون" [ع2].

 ولا يقصد أن لديهم أبواقًا يصوتون بها، بل يعني إظهارهم على الملأ لشدة هياجهم. وهو يعبِّر عنها بلغة مجازية، قاصدًا أنهم يعرضون أنفسهم للجميع. ويسمِّيهم بالمرائين لأنهم يضعون قناع الرحمة، بينما روحهم هو روح القسوة المجرد من الإنسانية. لأنهم يتصدقون، ليس لأنهم يرثون لجيرانهم ويشفقون عليهم، بل ليستمتعوا هم أنفسهم بالصدقة على الآخرين. وهو عمل في منتهى القسوة. فيينما يهلك الآخر جوعًا، يطلبون هم المجد الباطل، ولا يضعون حدًا لمعاناته. إذن ليس المطلوب أن نعطي صدقة، بل المطلوب هو غاية هذا العطاء، وأن يكون إعطاؤها كما يليق.

 وبعد أن سخر السيد الرب من هؤلاء الناس، وتعامل معهم بهذا الأسلوب، ليخجل السامع منهم، فإنه للمرة الثانية يعود ليقوِّم فكرهم المختل تمامًا. وبعد أن قال إنه لا ينبغي هكذا، يشير إلى ما يجب علينا فعله، فكيف إذن نصنع صدقتنا؟ يقول: "لا تُعرِّف شمالك ما تفعلُ يمينك" [ع3].

والمسيح لا يتحدث هنا بشكل مباشر عن الأيدي، بل بتعبير مجازي يقول: إن أمكن أن تجهل أنت نفسك ما تفعله، فلتسع إلى هذا الهدف في إعطاء الصدقة. فإن أمكن، احجب الصدقة حتى عن أيدي مقدمها. ولا يعني ذلك حسب زعم البعض أن تخفيها عن أصحاب الأفكار الخاطئة عن الصدقات، لأن الرب يوصي هنا أن نخفيها حتى عن أعين الكل.

 فكروا في عظم المكافأة التي تنالونها، لأنه بعد حديثه عن عقاب سلوك ما، يشير أيضًا إلى كرامة سلوك آخر، وفي الحالتين يحثهم ويقودهم إلى دروس سامية. أجلّ، فهو يحضهم أن يعرفوا أن الله حاضر في كل مكان، وأن اهتماماتنا لا تنحصر في هذا الزمان الحاضر، بل إن محكمة رهيبة سوف تنعقد لنا هناك. فنعطي حسابًا عن كل أعمالنا، وكرامتنا، وعقوباتنا، ولن يخفي أحد أي شيء مهما كان عظيمًا أم حقيرًا، حتى وإن بدأ مخفيًا عن أعين جميع الناس. وهو يشير إلى كل هذا سرًا بقوله:

 "فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانيةً" [ع4]. وإذ أعد لنفسه حشدًا عظيمًا ومهيبًا من السامعين الناظرين. وإذ يريد أن يضفي على الأمر مهابته الوفيرة يقول: ماذا ترغب؟ أليس أن يجتمع البعض ليشاهد ما يحدث؟ انظر إذن. أن لديك ها هنا بعضًا من هذا الجمع، ليس من الملائكة ولا رؤساء الملائكة، بل "الله إله الكل". وإن أردت أن يكون لديك أُناسًا أيضًا كناظرين، فإنه لا يحرمك من رغبتك تلك، في حينه، بل يعدها لك وبوفرة كبيرة. لأنك إن أردت أن تتباهى الآن فسوف تتباهى لعشرة فقط أو عشرين، أو لنقل: مائة شخص، ولكن إن بذلت الآن بهذا جهدًا لتحجب شيئًا، فالله نفسه يظهرك آنذاك في حضور العالم كله.

لهذا وإن كان الناس يرون أعمالك الصالحة فاخفها الآن، حتى يراها الناس فيما بعد بكل كرامة، ويظهرها الله ويرفعها ويعلنها أمام الجميع. وإن كان الذي يراك الآن ويدينك بأنك تسعى وراء المجد الباطل، فإنه سيراك آنذاك مكللاً وبدون إدانة، ويعجب بك كل الناس. لهذا إن تريثت قليلاً نلت أجرك، وحصدت إعجاب الجميع، فأية حماقة أن تطرح نفسك بعيدًا عن كل هذا.

 وإذ تطلب أجرك من الله وهو الذي ينظر إلى أعمالك، فيحشد أناسًا بعرض ما يجري وما سيكون. فلماذا يجب أن نتباهى. وإن كان لزامًا أن نفعل، فليكن افتخارنا هذا انطلاقًا من محبتنا التي للآب فيها كل الفضل والذي به وحده يجب أن نتباهى، خاصة ولأبينا السماوي المقدرة على أن يهبنا الأكاليل، أو أن ينزل بنا العقاب.

ودعوني أضيف، حتى لو لم تكن هناك عقوبة. فإنه لا يليق بمن يطلب مجدًا، يبرح مكان التباهي والتفاخر بالصلاح، كمن يعرض مشاهد في مسارح الناس. أما البائس والشقي فإن جاءه الملك ليرى أعماله سيدعه يذهب، ويجمع كل حشوده من الناظرين من بين المساكين والأشقياء والبؤساء والشحاذين.

لهذا يأمرنا بألا نتباهى أبدًا. وأن نجاهد لنخفي أعمالنا الصالحة، وألا نجاهد لنوال الشهرة من الناس، بل وأن نجتهد بالأوفر أن نختفي عن أنظار هؤلاء الناس.