تفسير
عظة ربنا يسوع المسيح
على الجبل

للقديس يوحنا الذهبي الفم

الإصحاح الخامس - العظة السابعة عشرة
7. القَسَم والصِدق

5. "أيضًا سمعتم أنه قيل للقدماء لا تحنث بل أوف للرب أقسامك. وأنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة" [ع34-33].

 قبل أن يتحدث السيد المسيح عن السرقة، تناول موضوع شهادة الزور متجاوزًا وصية "لا تسرق". ترى لماذا يفعل ذلك؟ لأن من يسرق يحلف باطلاً في هذه المناسبة، أما من لا يعرف كيف يشهد بالزور أو يتحدث زورًا، لا يعرف بالأكثر كيف يسرق.

لهذا تجاوز الرب الحديث عن السرقة إلى شهادة الزور لأن منها تتولد السرقة. لكن ما معنى "أوف للرب أقسامك" (انظر عد 30: 2، تث 23: 23) حيث نقرأ:

"إذا أقسم رجل قسمًا، أن يلزم نفسه.. فلا ينقض كلامه"، "وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة". وحتى يبعدهم عن القسم بالله، يقول: "لا بالسماء لأنها كرسي الله، ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه، ولا بأورشليم لأنها مدينة الملك العظيم (قابل إش 26: 1، مز 18: 2) مقتبسًا من الكتابات النبوية، ومشيرًا إلى أنه هو ذاته لا يناقض القدماء. والسبب في ذلك؛ أنهم اعتادوا القسم بتلك الأشياء، والرب يعلن في نهاية الإنجيل عن هذا (مت 23: 16) ويوضح جسامة هذا الأمر لا بسبب طبيعتها الجسيمة بل بسبب علاقتها بالله. ولنتأمل كيف تم الإعلان عنها بمثل هذا القدر من التنازل؛ إذ كان طغيان الوثنية شديدًا، وكان لا بد أن ينفي أيّ استحقاق بالكرامة لهذه الأشياء والأوثان. لهذا يذكرها هنا لمجد الله، لأنه لم يقل:

"لأن السماء جميلة وبديعة وعظيمة" ولم يقل "لأن الأرض نافعة"، بل "لأن السماء عرش الله، والأرض موطئ قدميه" هكذا يحثهم في الحالتين إلى الاتجاه نحو ربهم ثم يكمل قائلاً:

"ولا تحلف برأسك؛ لأنك لا تقدر أن تجعل شعرةً واحدةً بيضاء أو سوداء" (مت 5: 36).

 وهو هنا لا يثير الإعجاب بالإنسان حين يذكر القسم برأسه، (وإلا صار الإنسان معبودًا)، بل يشير إلى مجد الله وللتأكيد على أن الإنسان لا يسود حتى على نفسه، ومن ثم لا تمتلك السيادة حتى تحلف برأسك. لأنه مثلما لا يعطي أب ابنه لآخر، هكذا لا يعطي الله عمله الخاص به لك. فرغم أن الرأس رأسك أنت، إلا إنها مملوكة لله، وما دمت لست سيدًا على رأسك في هذا الشأن، فلا قدرة لك على التصرف فيم لا تمتلكه، ولا في أدنى شيء آخر؛ لأن الرب لم يقل: "أنت لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة تنمو" بل يقول: "أنت لا تقدر حتى أن تعدل من صفاتها".

ورُبّ قائل: لكن ماذا لو أقسم إنسان قسَمًا تحت إكراه؟ إذن فليكن خوفك من الله أقوى من الإكراه على القسَم، لأنك إن اعتدت على الأعذار، لن تنفذ وصية واحدة من وصايا الرب. فبالنسبة لزوجتك، ستقول: ماذا لو كانت مشاكسة وعنيفة؟ وبالنسبة لعينك اليمنى ستقول: ماذا لو كنت أحبها، حتى وأنا في النار فعلاً؟ وعن النظرة الشهوانية غير العفيفة تقول: ماذا لو كنت لا أقوى على الامتناع عن النظر؟ وعن غضبك ضد أحد الإخوة تقول: ماذا لو كنت متسرعًا لا أقدر على ضبط لساني؟.

 وبوجه عام تدوس هكذا على كل أقوال الرب، مع أنك لا تقدر أن تتدرج بنفس الحجم بالنسبة لقوانين البشر ولا تقول: ماذا لو كان هذا أو ذاك هي الحالة؟ ولكن سواء أردت أو لم ترد فإنك تقبل الملكوت، وتكون مضطرًا أن تقع تحت نيرها كلها. لأن من سمع بالبركات السابقة، ووضع على عاتقه تنفيذ وصايا المسيح، لن يكون مُكرهًا على المعاناة من جراء أيّ قانون عالمي؛ إذ هو يوقرها ويحترمها كلها.

 "بل ليكن كلامكم نعم نعم، لا لا. وما زاد على ذلك فهو (يأتي) من الشرير (الشيطان)" (مت 5: 37). فما الذي يزيد على "نعم" وعلى "لا" إنه القسم وليس الحنث بالقسم. لأن الحنث بالقسم معلوم لدى الجميع، ولا يحتاج الإنسان أن يعرف أنه من الشرير. بينما ما زاد على ذلك لا لزوم له إذ يتجاوز الحد المسموح.

ورُبّ قائل: هل القَسم من الشرير؟ وإذا كان من الشرير فكيف يكون من الناموس؟

حسنًا، فإنكم ستقولون نفس الشيء عن الزوجة أيضًا، كيف ما كان مسموحًا به قبلاً قد صار الآن زنى؟ فما قولك: لقد كانت الوصايا التي قيلت قديمًا تتعلق بأناس استلموا الناموس وهم ضعفاء. ولأنه لا يليق بالله أبدًا أن نعبده على بخار ذبيحة - مثلما لا يليق التلعثم أو (اللثغة في النطق) بفيلسوف - لهذا يكشف الرب الآن أن هذا النوع من الأمور هو زنا وأن القسم من الشرير، إذ تقدَّمت الآن مبادئ الفضيلة. لكن لو كانت هذه الأمور منذ البدء هي نواميس الشرير، لما أدت إلى مثل هذا الصلاح العظيم.

 أجل، فلو لم تكن تلك الوصايا رائدة وسبَّاقة في المقام الأول، ما نلنا نحن ما نلناه الآن بهذا القدر من السهولة. فلا تُحققوا الآن في سموها، وقد مضى على استعمالها زمان طويل، بل حين كان الأمر يتطلب وجودها. أو بالأحرى إن أردتم ولو حتى الآن، لأن الآن وقت مناسب، لأن ظهورها في وقت مثل هذا هو أعظم مديح لها. لأنها لو لم تقوَّم سلوكنا جيدًا، وتهيئنا لقبول وصايا أعظم، لما ظهرت هكذا على ما هي عليه.

 فالثدي مثلاً له وظيفة هي توفير الطعام للطفل ليساعده على النمو والنضج، وهي وظيفة يكملها على أتم وجه. لكنه وبعد أن يكبر الطفل قد يبدو بعدها بلا فائدة وقد يسخر منه الأبوان اللذان كان يعتقدان مثلاً بضرورته للطفل! بل وقد يسيئان استخدامه ويسخران منه كل السخرية. قد لا يكتفيان بكلمات تحقير يقولانها أمام الطفل بغية فطامه، فيدهنانه بعقاقير مُرة ليطفئوا اشتياق الطفل إليه. هكذا يقول السيد المسيح إنها (الوصايا) من الشرير، لا ليشير إلى أن الناموس القديم هو من الشرير، بل ليقودهم بعيدًا عن فقرهم القديم بكل جدية. لكن اليهود عديمي الإحساس والإدراك والمتحفِّظين في كل طرقهم، فقد دهن كل مدنهم برعب الأسر والسبي كما بعقار مر، ليجعل الدخول إليها صعبًا. ولكن إذا فشل معهم هذا الأسلوب، ولم يروعهم بل اشتاقوا أن يعودوا إلى ما اشتهوه مثلاً تمامًا مثلما يَهرع الطفل إلى الثدي، فقد أخفاه عنهم تمامًا. وانتزعه منهم ليبعد معظمهم عنه (تم تدمير أورشليم عام 70م الكاتب الأصلي).

ومثلما نفعل نحن مع قطيعنا، فالكثيرون حين يحبسون العجول، ثم يحثُّونهم في الوقت المناسب على الفطام من اللبن القديم الذي اعتادوا على تناوله(الجملة ناقصة؟؟؟؟).

لكن لو كان الناموس القديم ينتمي إلى الشيطان، لما أبعد الناس عن الوثنية، بل بالأحرى كان سيلقي بهم في أحضانها فهذه هي شهوة الشيطان.

لكننا الآن نرى التأثير العكسي للناموس القديم. فلهذا السبب عينه قد سن هذا التشريع عن القَسم، حتى لا يحلفوا بالأوثان. (إر 4: 2 LXX). إذن لم تكن فوائد الناموس صغيرة بل كبيرة جدًا. ولهذا كانوا يأتون إلى الطعام القوي. وهو ما اِهتم به الناموس قديمًا.

وقد يقال: وماذا بعد، أليس القَسم من الشرير؟ بلى، إنه فعلاً من الشرير - وهو المفهوم الذي يدركه الآن من بلغوا حد الانضباط إلى درجة عالية، لكن لم يكن الأمر كذلك قديمًا.

ورُبّ قائل: "هل نفس الشيء يكون في وقت ما صالحًا، وفي وقت آخر شريرًا؟

كلا، بل النقيض تمامًا هو الحق. فما الذي يمنع أن يكون الأمر صالحًا وغير صالح معًا؟ بينما تصرخ كل الأشياء أنها كذلك. الفنون، ثمار الأرض، وكل الأشياء الأخرى؟

تأملوا مثلاً ما يحدث لبني جنسنا، فمن الجيد أن يحملنا الوالدان ونحن صغار، لكن لا يصلح هذا الأمر بعد ذلك. وفي مستهل حياتنا نأكل الطعام اللين طعام الصغار نتناوله بالفم وهو صالح لنا، لكن بعد ذلك يصبح غير صالح. وفي طفولتنا من النافع والصالح أن نهرع إلى أثداء أمهاتنا لنرضع اللبن الصحي، لكن لا يصلح هذا الأمر بعد أن نكبر، بل يضرنا ويؤذينا.

أرأيتم كيف تصلح أشياء لزمن ما ولا تصلح هي نفسها لزمن آخر؟

أجل؛ فثوب الطفل يليق بك ما دمت صغيرًا، لكن حين تصبح رجلاً لا يصلح هذا الأمر، بل يصبح مخزيًا. ثم فكروا في عكس هذا الأمر. فهل يصح أن يتناول الطفل طعام البالغين؟ هل يمكنك أن تعطي طفلاً ثوب إنسان بالغ ليرتديه؟ إنه سيصبح محل سخرية كبيرة. وكذلك قد يسبب السير به خطرًا محدقًا به؛ إذ قد يتعثر ويسقط. وهل نسمح لطفل أن يدير شؤوننا العامة، وأن ينظم المرور، وأن يبذر الأرض، وأن يجني المحصول، إنه سيثير بالطبع سخرية الناس منه.

فلماذا أذكر هذه الأمور لكم؟ إن الجميع يسلِّم بأن القتل من اختراع الشرير. أقول إن القتل قد وجد له فرصة مواتية مع الإنسان الذي ارتكبه فكرَّم الكهنوت؟؟ (قابل عد 25: 8)، إذ كان القتل عمل ذاك الذي ذكرته الآن. اسمعوا ما يقوله المسيح:

 "تُريدون أن تعملوا شهوات أبيكم، وذاك كان قتالاً للناس من البدء" (مت 8: 44) ولكن فينحاس أصبح قتالاً للناس، ولكن كتب عنه: أنه حُسب له برًا" (مز 106: 31).

وإبراهيم أيضًا، والذي لم يصبح قتالاً للناس، بل ما هو أسوأ من ذلك بكثير أيّ قتالاً وذابحًا لابنه، هذا قد لاقى إحسانًا كبيرًا بغير قياس. وبطرس أيضًا الذي ارتكب قتلاً مضاعفًا. ومع ذلك فإن ما فعله كان من الروح القدس (أع 5).

دعونا إذن لا نتبسط في فحص هذه الأمور، بل أن نضع في الاعتبار أيضًا الفترة الزمنية والأسباب والأساليب الفكرية واختلاف الأشخاص، وكل ما يصاحب هذه الأمور لتبلغ المطلوب بدقة أكبر؛ إذ ما من سبيل لبلوغ الحق غير هذا السبيل. ولنجتهد إن أردنا بلوغ الملكوت، أن نتجاوز الوصايا القديمة إلى ما هو أعمق منها؛ لأننا لا يمكننا أن نملك ناصية السماء بغير هذا الطريق، لأننا إن بلغنا فقط قامة القدماء سنقف خارج العتبة السماوية. لأنه "إن لم يزِد بِرُّكُم على الكتبةِ والفريسيين، لن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت 5: 20).

6. ومع ذلك، ورغم ثقل التهديد الموضوع أمامنا، فإن البعض ورغم بعدهم عن إهمال البرّ، فإنهم كثيرًا ما يقصرون في بلوغه. ورغم بعدهم عن الحنث باليمين كثيرًا ما يحلفون باطلاً. ورغم بعدهم عن النظرة الشهوانية، كثيرًا ما يسقطون في ذات الشر، وكل المحرمات، بل ويتجاسرون على ممارستها، وكأن الشعور بالذنب أمر قد ولَّى لا يتذكرونه. منتظرين شيئًا واحدًا هو يوم العقاب؛ اليوم الذي يدفعون فيه ثمن خطيتهم عقوبةً فادحة لقاء سوء أعمالهم. وهذا هو نصيب الذين أنهوا حياتهم في فعل الشرور فقط. ولهؤلاء عذرهم إن يئسوا، فهم لا يتوقعون أيّ عقاب ينزل بهم! حتى وهم لا يزالون على الأرض هنا، وهي فرصتهم لتجديد قوتهم والغلبة ونوال الإكليل في يسر.

فلا تيأس أيها الإنسان ولا تقلع عن استعدادك الشريف الجاد، أرجوك. فما هي مشكلتك في أن تكف عن القسم؟ هل يكلفك هذا الأمر مالاً؟ هل يكلفك عرقًا ومشقة؟ يكفي أن تتوفر الإرادة لك وسوف يتم كل شيء. لكن إن كنتم تتذرعون لي بعاداتكم، فإنني أقول لكم لهذا السبب عينه، إن فعل الصواب سهل عليكم.(الضمير اختلف) لأنك إن سادت عليك عادة أخرى، فقد تمارس كل العادات: تأمل مثلاً ما يحدث وسط الإغريق في حالات كثيرة أن الأشخاص الذين يعانون من التلعثم في الكلام يتم علاج ألسنتهم المتعثرة. بينما آخرون من الذين اعتادوا هزّ أكتافهم بشكل غير لائق، ودائمًا ما يحركونها باستمرار هؤلاء ما إن يضعوا سيفًا على أكتافهم حتى تنتهي تلك العادة عندهم. وإن كنتم لا تقتنعون بالكتب المقدسة فإنني ملزم أن أفجلكم بها. وهذا ما فعله الله أيضًا مع اليهود حين قال:

 "فاعبروا جزائر كتيم وانظروا وارسلوا إلى قيدار وانتبهوا جدًا... هل بدَّلتْ أمة آلهةً وهي ليست آلهةً" (إر 2: 10-11).

بل ويرسلنا بالمثل إلى البهائم أو الحيوانات العجماء قائلاً في هذا الصدد: "اذهب إلى النملة أيها الكسلان، تأمَلْ طُرُقها. واذهب إلى النحلة" (أم 6: 6-). وهذا هو ما أقوله لكم الآن أيضًا.

تأملوا فلاسفة اليونانيين وستعرفون كم من عقاب شديد نستحقه نحن الذين نعصي قوانين الله. فهم أمام الناس ومن أجل اللياقة، يبذلون أقصى ما في وسعهم، أما أنتم فلا تبذلون نفس السعي الدؤوب لأجل السماء. فإن كان ردكم على هذا الأمر أن " للعادة قوة عجيبة في خداع حتى الذين يجتهدون اجتهادًا عظيمًا. أقول لكم بالمثل حتى إن كانت إلى هذه الحد قوية في الخداع، فإنه من السهل تقويمها. لأنكم إن جعلتم في بيوتكم آخرين يراقبونكم مثل خادمك أو زوجتك أو صديقك، لأقلعت فورًا عن العادات المذمومة؛ إذ يضغط عليك الآخرون لمنعك من الاستمرار فيها، فإن نجحت في ذلك طيلة عشرة أيام فلن تحتاج بعدها إلى مزيد من الوقت، بل يصبح كل شيء آمنًا عندك، ويعود من جديد وقد تأصلت فيك العادات الجديدة الفائقة السمو.

لهذا إن بدأت في تصحيح عادة سيئة. فحتى لو تعديت الناموس مرة أو مرتين أو حتى عشرين مرة، لا تيأس، بل قم مرة أخرى، واستعْد نفس حماسك الأول، وسوف تنجح يقينًا. لأن الحنث باليمين ليس من الأمور الهينة. فإن كان القسم من الشرير، فكم وكم يكون العقاب أشد من جرَّاء القسم الزائف. هل تمتدحون قولي؟ كلا، لا تفعلوا. فأنا لا أريد أن أصفق أو أصنع جلبة أو ضوضاء. إني أريد شيئًا واحدًا فقط: أن تنصتوا في هدوء وجدية، ثم أن تفعلوا ما يُطلب منكم، فهذا هو الهتاف والمديح. لكن إن كنتم تمتدحون قولي دون أن تفعلوا ما تهللون له، فإن العقاب يكون أشد وأكثر إيلامًا وقسوة. يجلب علينا الخزي والسخرية، لأن أمور الزمان الحاضر ليست مشهدًا دراميًا في مسرحية ما، ولا أنتم متفرجون تحدقون في بعض الممثلين مكتفين بالتصفيق وحسب. إن هذا المكان مدرسة روحية، وهناك نهاية واحدة فقط علينا أن نسعى لتحقيقها في حينها؛ بأن ننفذ المطلوب منا مظهرين طاعتنا بأعمالنا، لأننا حينئذٍ ننال كل ما نريده. لأننا إن توخِّينا الصدق لأدركنا أن واقعنا يصيب الجميع باليأس. لأنني لم أكف عن إسداء النصائح لأولئك الذين أقابلهم على انفراد، أو في العظات العامة معكم. ومع ذلك لا أرى تقدمًا ملحوظًا على الإطلاق، بل لا تزالون متعلقين بالسلوكيات الفظة السابقة. الأمر الذي يضايق المعلم كثيرًا ويقلقه. انظروا مثلاً بولس الرسول وهو لا يكاد يحتمل أن يؤجل معلموه دروسهم الأولى لفترات طويلة، أو يقول لأنكم إذ كان ينبغي أن تكونوا معلِّمين لسبب طول الزمان، تحتاجون أن يعلِّمكم أحد ما هي أركان بداءة أقوال الله (عب 5: 12).

لهذا السبب ننوح نحن أيضًا ونبكي، فإن رأيتم أن تظلوا على حالكم فسوف أمنعكم في المستقبل من أن تطأ أقدامكم هذه الأعتاب المقدسة، وتشتركوا في السرائر الأبدية، مثلما نفعل مع الزناة والزانيات والقتلة. أجل لأنه من الأفضل أن نرفع صلواتنا المعتادة مع اثنين أو ثلاثة، يحفظون نواميس الله، من أن نحشد جمعًا من العصاة والمفسدين للناس، فيغادر الغني والعاهل الملك والذين يتشامخون عليَّ هنا، ويرفع منهم الواحد حاجبه عاليًا.؟؟ فإن كل هذا هو بالنسبة لي بهتان وظل وحلم. لأنه ما من غني من أغنياء هذا الدهر يتشفع لي هناك، حينما أَمْثل للحساب والمحاكمة؛ بأنني لم أصن نواميس الله جيدًا، وفي جدية ولياقة. ولهذا فإن مثل هذه الأمور قد حطمت العجوز الممتدح (1 صم 3: 13). رغم أنه في حياته لم يكن ملامًا من أحد، ولكن لأنه تغاضى عن الدوس على نواميس الله، طورد هو وأولاده وعوقب بأشد العقاب. فإن كان سلطان الطبيعة المطلق هكذا عظيمًا، فعلى من يفشل في معاملة أولاده بحزم إن يتحمل هذه العقوبة الشديدة. فكم وكم يكون إهمالنا، إذ ونحن متحررون من هذا السلطان لا نزال ندمر كل شيء بنفاقنا؟ وحتى لا تهلكونا وتهلكوا أنفسكم أيضًا معنا، أرجوكم أن تقتنعوا بكلامنا فتقيموا حولكم كثيرين يراقبونكم، يدبرون أحوالكم ويدعونكم لحساب أنفسكم. فتحررون ذواتكم من عادة القسم، حتى إذا ما سلكتم بتدبير حسن، تنجحون جميعكم وبكل يسر أن تمارسوا الفضائل الأخرى، فتنعموا بالصلاح العتيد أن يمنحه الله لكم حتى يكون لجميعنا ربح.

بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح للبشر، له المجد والقدرة الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين كلها. آمين