تفسير
عظة ربنا يسوع المسيح
على الجبل

للقديس يوحنا الذهبي الفم

الإصحاح الخامس - العظة السابعة عشرة
6. الطلاق

4. "وقيل من طَلَّقَ امرأته فليعطها كتاب طلاقٍ. وأما أنا فأقول لكم إنَّ من طَلَّقَ امرأتهُ إلا لعلة الزنا يجعلها تزني. ومن يتزوج مطلقةً فإنه يزني" [ع32-31]

 وبعد أن أوضح جيدًا الأمور السابقة، بدأ الرب في عرض مفهوم الزنا بشكل جديد، فقد كان هناك ناموس قديم معمول به (تث 24: 1-4). أن من يكره امرأته لأي سبب من الأسباب (حتى لو كان تافهًا) يمكنه أن يطلقها، وأن يأتي بزوجة أخرى إلى البيت بدلاً منها. ويأمره الناموس أن يفعل هكذا ببساطة، بل أن يعطيها كتاب طلاق حتى لا تعود إليه أبدًا، حتى يبقى الزواج في شكله الشرعي قائمًا، لأنه لو لم يشًرِّع الناموس ذلك، لكان من الشرعي(الشرع) أولاً أن يطلِّقها ويرتبط بأخرى، ثم يعود فيأخذ الأولى التي طلقها، فتعم الفوضى بشكل كبير، ويتزوج الرجال زوجات الآخرين باستمرار، ولأصبح الأمر بمثابة زنا مباشر.

لهذا يشرِّع الرب كتاب الطلاق كنوع من تلطيف الأمور، فالطلاق ليس بالأمر الهيِّن، لكن الناس أساءوا استغلاله لشرورهم العظيمة. ولأسباب أخرى غير اللطف، أعني أن الرب قصد أن يترك الزوج الكاره زوجته في بيته، ويطلقها حتى لا يقتلها بسبب كراهيته لها. لأنه هكذا كان طبع اليهود الذين لم يشفقوا على الأطفال وذبحوا الأنبياء "وسفكوا الدماء كالماء" (قابل مز 79: 3)، وهم لا يرحمون النساء بل يبطشون بهن. لهذا يسمح السيد المسيح بالضرر الأقل ليزيل الضرر الأكبر، حتى لو لم يشرعه الناموس الأصلي؛ إذ يقول:

 "لقساوة قلوبكم أوصى موسى أن يُعطى كتابُ طلاق" (مت 19: 8). حتى لا يذبح الرجال نساءهن في البيوت، بل بالأحرى يطلقوهن (أيّ يسرِّحوهن بمعنى يطلِّقن سراحهن).

 هكذا لا يحرم الرب القتل فقط، بل ينزع كل مشاعر الغضب، وإلهنا يشرِّع هذا الناموس في يسر. ويستحضر في الأذهان كلمات سابقة مؤكدًا أن أقواله ليست مناقضة لما سبقها، بل تتفق معها وتقويها، ولا تنقضها بل تكملها. تأملوا في كل مرة يخاطب فيها الإنسان فيقول:

 "من يطلق امرأته يجعلها تزني. ومن يتزوج بمطلقة يزني" ففي الحالة الأولى ورغم أن الرجل لم يتزوج بأخرى بعد، فإنه ملوم لمجرد الفعل إذ جعل زوجته تقترف الزنا، ويصبح من تزوج بمطلقة (لم يطلقها زوجها شرعًا) زانيًا، لأنه أخذ زوجة لا تزال على ذمة رجل آخر! فزوجها لم يطلقها، وحتى لا تتشبث المرأة برأيها إذا أُلقي باللائمة على الزوج الذي يطلق. لهذا أغلق في وجهها الأبواب أمام من يقبلها في بيته. إذ يقول: "ومن يتزوجها (أيّ التي لم تطلَّق شرعًا) يجعلها تزني". والمسيح بذلك يريد عفة المرأة حتى لو ضد رغبتها، وحتى لا تصبح في متناول الجميع. وحتى تعي جيدًا أن عليها واجب الحفاظ على زواجها وزوجها الذي كان من نصيبها أصلاً­. وحتى لو كانت موجودة من بيت زوجها ومطلقة، فإنها ولو ضد إرادتها تحاول أن تبذل أقصى ما في وسعها لأجل استمرار الزواج.

وإن لم يكن السيد المسيح قد أفصح عن هذه الأمور كلها؛ فلأن المرأة مخلوق ضعيف رقيق قد لا تهتم بهذه القضية بشكل كبير. ولهذا يهدد الرجال حتى يقوم من إهمالها بشكل كامل. مثلما يكون لإنسان ابن ضال يتركه ويوبخ الذين تسببوا في ذلك، والذين منعوا الأب أن يتصل به أو يتحدث إليه أو يوبخه؟؟، فإن تضايقتم من هذا التصرف، أرجوكم تذكروا أقوال الرب السابقة، وكيف يطوب سامعيه. وسترون أنه من السهل على من يلتزم بكل الوصايا الوديع والمسالم والمسكين بالروح والرحيم ألا يطلق امرأته. فمن الذي اعتاد التصالح مع الآخرين، لا يمكن أن يتخاصم مع زوجته. وينير المسيح بصيرتنا ومداركنا حين يتطرق إلى قضية إطلاق المرأة (أو تسريحها)، حين يقول "لا يتم هذا إلا لعلة الزنا" لأنه إذ أوصى منذ البدء أن يحتفظ الزوج بها في بيته، لكنها إن كانت تدنس نفسها مع كثيرين، لانتهى بها الأمر إلى الزنا. هكذا تتفق تلك الأقوال مع سابقاتها لأن من ينظر إلى امرأة غيره بعيون عفيفة، لن يرتكب الزنا، وبذلك لن يعطي لزوج المرأة الأخرى أية فرصة لطلاقها.

بهذا يشدد الرب على هذه الجزئية دون تحفظ ويجعل من المخافة حصنًا منيعًا، ملقيًا على الزوج خطرًا جسيمًا إن طلق امرأته. إذ يحسب مسئولاً مسئولية شخصية عن زناها. لهذا يصحح المسيح الوضع لئلا يفتكر أحد في قوله "تقلع عينيك" بمعنى "تتخلص من زوجتك" جاعلاً بيد الرجل أن يدعها تمضي ويطلقها. (إن كانت زانية، أو إن كان هو زانيًا) وليس أمامه من حل آخر يلجأ الزوج إليه.