|
"سمعتم أنه قيل
للقدماء: لا تزنِ، وأما أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى
بها في
قلبه" (مت 5: 27-28).
وبعد أن أنهى الرب
الوصية السابقة، ورفعها إلى مستوى الذات، فإنه يتقدم في الحديث وفي الترتيب منتقلاً
بشكل يتفق مع الوصية التالية، وهو هنا أيضًا يطيع الناموس.
|
وقد يقال، مع ذلك فهذه
ليست الثانية، بل الثالثة، لأن الأولى ليست هي "لا تقل"، بل "الرب إلهنا رب واحد" (تث
6: 4)، لهذا فإنه أمر جدير بالاستفسار أيضًا، لماذا لم يبدأ بتلك، ولماذا جاءت
بعدها؟
ذلك لأنه قد بدأ من
هنا. ولابد أن يوسع من دائرتها ويجمعها في نفسه مع أبيه، لكن لم يحن الوقت بعد
ليعلِّم الناس مثل هذا الأمر عن نفسه. وأيضًا كان يمارس لبرهة تعليمه الأخلاقي فقط،
قاصدًا من هذا أولاً، وكذلك من معجزاته أن يقنع السامعين أنه ابن الله.
فإن قال على الفور:
"سمعتم إنه قيل للقدماء"
أو "أنا الرب إلهكم، لا
يكون لكم إله غيري" لكني أقول لكم اعبدوني مثلما تعبدونه، لو كان قال ذلك قبل أن
يعمل شيئًا أو يتحدث بشيء، لجعل الجميع يظنون إنه مجنون فهم قد وعوا أن به شيطان (يو
8: 48)، حتى بعدما سمعوا تعليمه ورأوا معجزاته العظيمة وحتى دون أن يصرح لهم
بلاهوته علنًا. فكيف لو حاول أن يقول شيئًا من هذا القبيل قبل كل ما فعله، لقالوا
فيه ما لم يقولوه قبلاً ولظنوا فيه ما لم يظنوه.
لكن الرب يحجز تعليمه
حول موضوعات بعينها في الوقت المناسب، ليجعل تعليمه مقبولاً من الجميع. لهذا السبب
فإنه قد تجاوزها بسرعة، وبعد أن كان يؤسس تعاليمه بمعجزاته وبتعليمه الفائق، بدأ
فيما بعد يكشفها بالكلمات أيضًا، وكشف عن الأسرار في الحاضر باستعلان معجزاته
وطريقة تعليمه ذاتها، وهكذا وفي حين حسن وبالتدريج وبشكل هادئ. وبدأ يشرح القوانين
الجديدة والتي صاحبتها تصويبات الناموس بسلطان، ليقود سامعيه ويرشدهم بالتدريج إلى
عمق تعليمه إن كانوا منتبهين ومتفهمين لما يقول. لكن الكتاب يقول: "كان يعلمهم كمن
له سلطان، وليس كالكتبة" (مت 7: 28)
2. وبسلطان عظيم يليق
بمشرِّع الناموس يقدم الرب الشهوة؛ فهي التي تسيطر على جوانحنا الطبيعة
وبقوة، وهي السبب في آلامنا التي تخص جنسنا البشري كله. وها هو يصدر بشأنها أوامره
الحازمة والصارمة، فإنه لم يقل لعقوبة الزاني وحسب، بل ما يفعله مع القاتل، يفعله
هنا بالمثل في عقاب النظرة الشهوانية غير العفيفة، ليعلمكم أن لديه من التعليم ما
هو أكثر من الكتبة في أي موضع من مواضع التعليم. ولهذا يقول: "من ينظر إلى امرأة
ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه". أي كل من يجعل شغله الشاغل الالتفات إلى الأجساد
المثيرة ويتصيد الملامح الجميلة،(الجملة ناقصة المعنى) لأن المسيح جاء ليحرر
النفس مع الجسد من الأعمال الشريرة، ولأننا نقبل نعمة الروح القدس في القلب، فإن
الرب يطهر قلوبنا أولاً. ورب سائلٍ، "كيف نتحرر من الشهوة؟"
|
|
|
|
أجيب أولاً، بالإرادة
تموت الشهوة فينا أو تبقى خاملة بلا نشاط. والمسيح لا ينتزع الشهوة منا تمامًا، بل
تلك الميول الشهوانية التي تثيرها النظرات، لأن من ينشغل برؤية المفاتن المثيرة هو
الذي يوقد أتون الشهوة الجسدية فيقع أسيرًا لها، وسرعان ما تتحول الشهوة فيه إلى
حيز التنفيذ. لهذا لم يقل: كل من يشتهي ليرتكب الزنا، بل كل من نظر بشهوة.
وفي حالة الغضب تمييزًا
خاصًا قائلاً: "بلا سبب" و"باطلاً" لكن الرب هنا يستأصل الشهوة مرة وإلى
الأبد. ومن المعروف يقينًا أن الغضب والشهوة من الصفات الطبيعية للإنسان، وكلاهما
موضوع فينا للمنفعة: فبالغضب نطارد الشر ونقوِّم السالكين بعدم استقامة، وبالشهوة
ننجب نسلاً لنحفظ جنسنا البشري من الأمور الفائقة العظيمة، وتحتاج إلى كل
اهتمامنا وإدراكنا. فالرب لم يقل ببساطة "كل من يشتهي" لأنه من الممكن للإنسان
أن يشتهي حتى لو كان وحيدًا في الجبال، بل قال: "كل من ينظر بشهوة" أي ذلك الذي
يشعل الشهوة في داخله، ذلك الشخص الذي لا يضطره أحد إلى ذلك، بل يأتي بالوحش الكاسر
إلى فكره الذي كان هادئ من قبل، فليس من طبيعة الإنسان أن تهيِّج الأفكار، بل من
تورط النفس في الشهوة الردية. وهذا ما يؤكده الكتاب المقدس في العهد القديم أولاً
قائلاً: "لا تشته جمال امرأة قريبك" (جا 9: 8).
ولئلا يقول قائل: ماذا
لو اشتهيت دون أن أقع في الأسر؟ إن الرب يعاقب النظرة الردية لئلا تقع أنت في
الخطية، وأنت تظن أنك في مأمن منها.
ورُبّ قائل آخر: "ماذا
لو نظرت واشتهيت فعلاً، لكن دون أن أفعل شرًا؟" حتى إن فعلت ذلك، فأنت محسوب من
الزناة، لأن مشرِّع الناموس يقول ذلك، وليس من حقك أن تطرح أية أسئلة أخرى، لأنك إن
نظرت مرة أو مرتين أو ثلاث لاستطعت أن تضبط نفسك، لكنك إن كنت تفعل ما تفعله
باستمرار وتُشعل أتون الشهوة فإنك ساقط لا محالة؛ لأنك لا تفوق طبيعة البشر فأنت
منهم. ونحن إذا رأينا طفلاً يمسك سكينًا، نضربه أو ننتهره حتى لو لم يؤذي نفسه بها،
ونمنعه من أن يكرر ذلك مرة أخرى أبدًا. هكذا يفعل الله معنا، إذ ينتزع منا النظرة
الردية، حتى قبل الفعل، لئلا نسقط في أي وقت؛ لأن من يشعل مرة لهيب الشهوة، حتى وإن
غابت عنه المرأة التي نظر إليها، فإنه يصنع في عقله خيالات مستمرة لأمور مخزية،
ينتقل بسببها إلى ذات الفعل، لهذا ينزع السيد المسيح الفكر الذي يحتضنه القلب.
فما القول فيمن يعيشون
مع عذارى ويشاطرونهن المسكن؟ ألا يكونوا بموجب سلطان هذا القانون مذنبين آلاف
المرات بالزنا، فهم يرونهن كل يوم وينظرون إليهن بشهوة، لهذا السبب فإن أيوب
المبارك (أي 31: 1) يرسي قانون منذ البداية ليسد كل جوانب التحديق في العذارى، لأن
جهاد النفس ضد النظر أمر عظيم، إذ يحرم الإنسان نفسه من مصدر اللذة، ونحن لا نجني
مسرة أبدًا من النظر، بل نقع في خطأ تزايد الرغبة، فنجعل خصمنا أقوى، ونوفر للشيطان
مجالات أوسع ولا نقوى على طرده، إذ أتينا به إلى عمق أعماق كياننا الداخلي، وتركنا
له عقلنا مفتوحًا على مصراعيه.
لهذا يقول الرب يسوع:
"لا تزْن بعينك ولا تقترف إثمًا بعقلك"، بل النظرة الشهوانية، لأنه لو لم يكن يعني
ذلك، لقال ببساطة: "من نظر إلى امرأة" واكتفى بهذا القول، لكنه أضاف "ليشتهيها" أي
كل من ينظر ليمتِّع نظره؛ لأن الله لم يخلق عينيك لهذا الغرض أبدًا، أي لكي تكون
سببًا في الزنا، بل لتعاين بها مخلوقاته وتُمجد الخالق. ومثلما يشعر الإنسان بالغضب
عشوائيًا دون مقصد، هكذا يمكنه أن ينظر عشوائيًا وبلا تعمد، وهذا عكس ما يفعله حين
ينظر بشهوة. فإن كنت ترغب في النظر للمتعة، انظر إلى امرأتك – خاصتك – وأحببها على
الدوام، فما من ناموس أو قانون يحرِّم عليك ذلك. لكن إن كنت تلهث في فضول خلف محاسن
الأخريات، فإنك تؤذي زوجتك، لا تدع عينيك تتجولان في كل مكان، وتؤذي مشاعر من ينظر
إليها بشهوة. إذ تتلامس معها على خلاف الناموس. حتى وإن لم تلمسها باليد، فقد تحرشت
بها بعينك (حرفيًا: عانقتها وقبلتها) (caressed)،
لهذا يحُسب ما تفعله زنا. وعاقبة هذا الجرم الفادح ليست هينة؛ إذ يمتلئ صاحب هذا
الأمر بالاضطراب والانزعاج ويسقط في دوامة تجربة شديدة، ويصير ألمه عنيفًا، ولا شيء
من قيود العالم وسجونه أقسى من قيود العقل. وحتى إن مضت التي أطلقت سهم الشهوة
الأليمة، يبقى الجرح ولا يزول. أو بالحري ليست هي التي أطلقت السهم، بل أنت الذي
أصبت نفسك بجرح مميت – نظرتك الشهوانية غير العفيفة - أقول هذا لأعفي السيدات
المحتشمات من المسؤولية.
لأنه من المؤكد أن إحدى
النسوة قد تخرج لتلفت الأنظار والعيون إليها، فتسبب للناس في الطريق عثرة السقوط في
النظر، حتى وإن لم تصدم المارين في الطريق، فإنها تسبب في إنزال أقصى العقوبة بهم،
لأنها خلطت السم وأعدت الشراب المسموم، وحتى إن لم تقدمه في قدح، أو بالأحرى كانت
قد قدمت الكأس المسمم ولكنها لم تجد من يشرب من يدها.
3. ورُبّ قائل: "لماذا
لم يتحدث مع النساء أيضًا".
نقول رغم أنه كان
يخاطب الرجال فقط، حول قوانين مطروحة وشائعة للجميع، إلا إنه عند مخاطبته للرأس،
يجعل وصاياه عامة لكل الجسد – إذ خلق الرجل والمرأة وجعلهما كيانًا واحدًا ولا يمكن
التمييز بينهما في أي مكان – لكن هذا لا يمنع أن الرب وبخ النساء أيضًا، كما في
إشعياء (إش 3: 16) حيث يقول الكثير ضدهن، ساخرًا من ملابسهن ومظهرهن وطريقة مشيهن،
وثيابهن المذيلة والتي يجرجونها خلفهن على الأرض، وأقوالهن المتراقصة ورقابهن
الممدودة.
اسمعوا أيضًا الطوباوي
بولس (أي 2: 9) وهو يضع عدة قوانين حول الملابس والحُليّ ومصوغات الذهب وتسريحة
الشعر وصبغته، وأسلوب الحياة المرفَّهة وأشياء أخرى كثيرة من هذا القبيل، ليوبخ خبث
النساء بعنف (قابل تي 2: 3–5).
السيد المسيح أيضًا
ومما يلي من أقوال، يقصد نفس القصد ولكن بشكل خفي لأنه حين يقول: "اِقلع العين التي
تعثرك، واَلقها عنك" إنما يدلل على غضبه ضدهن، أي ضد بعضهن ممن يعثرن الرجال. ولهذا
يضيف أيضًا "فإن كانت عينيك اليمنى تعثرك، فاقلعها والقها عنك" (مت 5: 29).
ورُبّ قائل: ماذا لو
كانت قريبتي، ماذا لو كانت تخصني بأي شكل ما؟ أقول لهذا وضع الرب هذه الوصايا
والأوامر، فهو لا يتحدث هنا عن الأعضاء الجسدية (الأطراف مثلاً)، حاشا لأنه لم يذكر
أيضًا أن جسدنا ملوم لأي سبب من الأسباب، بل يضع الفكر الشرير موضع الاتهام. لأنه
ليست العين هي التي ترى، بل الفكر والعقل. وكثيرًا ما يلتفت كياننا كله إلى الشيء
المرغوب، أما عيوننا فلا ترى إلا ما هو مائل أمامنا. ولو كان السيد المسيح يتحدث عن
أعضاء الجسد، لما ذكر ذلك عن عين واحدة، ولا عن العين اليمنى فقط، بل عن العينين،
لأن من يتأذى بعينه اليمنى، لابد وأن يتضرر أيضًا بعينه اليسرى. فلماذا ذكر العين
اليمنى، ثم اليد؟ ليريكم أن حديثه ليس عن الأعضاء أو الأطراف، بل عن القريبين منا،
وكأنه يقول: "إن كنت تحب شخصًا ما - وكأنه محل عينك اليمنى- وإن كان ذا قيمه
بالنسبة لك – حتى أنك تحسبه محل يدك - لكنه يؤذي نفسك، فإنك حتى تقطعه.
وتأملوا تأكيده للأمر إذ لم يقل "ابتعد عنه"، بل وحتى يؤكد على الانفصال الكامل عنه
يقول "اقطعه" (pluck it out)،
"والقه عنك". مظهرًا أن الأمر حاسم وبتار، لكنه يظهر الربح من جهة أخرى،
سواء جاءنا من الصالح أو الشرير – مستمرًا في تقديم الصورة المجازية - (الميتافور)
إذ يقول:
"لأنه خير لك أن يهلك
أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم" (مت 5: 29-30)، فهو لا يقدر أن يخلص نفسه
وحتى يفشل في تحطميك، القِ هذا العضو عنك. فأيّ عطف هنا إذا غرق الاثنان وهلكا
معًا، بينما إذا انفصلا فإن واحد على الأقل سوف ينجو. ورُبّ قائل: لماذا اختار بولس
إذن أن يكون ملعونًا لأجل إخوته (قابل رو 9: 3)، نقول: ليس من قبيل الخسارة يفعل
ذلك، بل لأجل خلاص الآخرين. أما في الحالة الأخرى فالخسارة من نصيب الطرفين. لهذا
لم يقل الرب فقط "اقلعها" بل "القها عنك" أيضًا. حتى لا تقبل هذا العضو فيك مرة
أخرى إذا ما استمر على ما هو عليه. وهكذا تخلصه هو من حمل ثقيل وتحرر نفسك من
الهلاك.
وحتى نرى مزيدًا من
منفعة هذا القانون (الناموس) اسمحوا لي أن نجرب ما قيل بشأن الجسد ذاته - على سبيل
الافتراض أعني - أن نمنح الإنسان حرية الاختيار، بين الاحتفاظ بعينه مع الطرح في
الأتون والهلاك، وبين اقتلاع العضو الفاسد والاحتفاظ بباقي الجسد. فهو سلوك إنسان
لا يكره عينيه بقدر ما يحب باقي جسده كله.
وينطبق نفس المثال على
رجال أو نساء نحبهم أو نعرفهم، فإن كان صديقك يؤذيك بصداقته ويظل هكذا دون علاج،
فإن قطعه عنك يحررك من رداءة سلوكه. أما هو فيتحرر من أثقال عسرة الحمل، فتتخلص من
هلاكك ومن أعماله الشريرة.
فما أعظم الناموس وما
ألطفه وما أجمله وهو يعتني بكم، فما يبدو للناس قساوة يكشف عن عمق المحبة نحو
الإنسان. فليسمع هذه الأمور المسرعون إلى اللهو في المسارح كل يوم والزناة، لأنه إن
كان الناموس يوصي بقطعه عنكم، أعنى الذي يؤذينا بارتباطنا به، فما عذر الذين
يرتادون تلك الأماكن، ويجتذبون إليهم كل يوم حتى الذين لا يعرفونهم، فيوفرون لهم
فرص الهلاك بغير حصر، لهذا حرم السيد المسيح النظرة الشريرة لما يعقبها من خطايا،
ولهذا يأمر بالناموس الجديد أن نقطعها عنا ونطرحها بعيدًا. وهو الذي نطق بأقوال
المحبة التي لا تُحصى لها عدد، لتدركوا في كل وقت قوة رعايته الإلهية. وسعيه الدائم
إلى منفعتنا. |