الصليب
عظتان للقديس يوحنا الذهبي الفم

العظة الثانية: عن صليب ربنا ومخلصنا يسوع المسيح وعن تسمية المرقد
قاهر الموت

2 ـ اليوم يجتاز الرب في الهاوية. اليوم يحطم الأبواب النحاسية ومتاريسها الحديدية. لاحظ الدقة، فهو لم يقل فتح الأبواب لكن "سحق الأبواب النحاسية" (مز107: 16)، لم يخلع المتاريس لكن سحقها لكي يُبطل السجن.

من يستطيع أن يفعل شيئا أمام قوة المسيح؟ من يصحح ما قد دمره الله؟

فالملوك عندما يحررون المسجونين لا يفعلون ما فعله المسيح، لكن يعطون أوامرهم بعتق المسجونين ويبقون الأبواب والحراس، مظهرين هكذا إمكانية أن يستخدم هذا السجن مرة ثانية ليدخل إليه ـ إذا اقتضى الأمر ـ أولئك الذين تحرروا بأمر الملك أو آخرون بدلاً  منهم. لكن المسيح لا يعمل بهذه الطريقة. إذ سحق الأبواب النحاسية قاصدًا أن يُبطل الموت. ودعاها "نحاسية" لكي يُظهر مدى صلابتها وعدم سهولة انحلال الموت. ولكي تعلم أن النحاس والحديد يشيران إلى الصلابة، اسمع ماذا يقول الله لشخص وقح:

" لمعرفتي أنك قاس وعضل من حديد عنقك وجبهتك نحاس" (إش48: 4). وعبّر هكذا لا لأنه له عضل من حديد أو جبهة من النحاس، لكن بسبب أنه أراد أن يشير إليه بأنه صارم ووقح وقاسي.

 

هل تريد أن تعلم كم أن الموت قاسي ومؤلم وعديم الشفقة؟

إنه لم ينتصر عليه أحد وتحرر منه، حتى أتى رب الملائكة وانتصر عليه. حسنًا، لقد أخذ الرب أولاً الشيطان وحبسه وانتصر عليه. لذلك مكتوب " وأعطيك ذخائر الظلمة وكنوز المخابئ" (إش45: 3). بالرغم من أنه أشار إلى مكان واحد (الظلمة)، إلاّ أن له أهمية مزدوجة. فتوجد أماكن مظلمة لكنها يمكن أن تصير منيرة إذا وضعنا فيها مصابيح. وأماكن الهاوية كانت مظلمة جداً ومؤلمة ولم تدخلها أشعة النور مطلقًا، لذلك توصف بأنها مظلمة وغير منظورة. كانت مظلمة حتى اللحظة التي نزل فيها لبر وأضاء الهاوية بنوره فجعلها سماء. لأنه حيث يوجد المسيح يتحول المكان إلى سماء. وحسنا سُمّي ما بهذا المكان بـ "ذخائر الظلمة"، لأنه يوجد به غنى وفير. إذ أن  كل الجنس البشري الذي هو غنى الله (ذخائر) كان قد سُرق بواسطة الشيطان الذي خدع الإنسان الأول واستعبده للموت. وحقيقة كون الجنس البشري هو بمثابة غنى الله، قد أشار إليه بولس حين قال: " لأن رباً واحداً للجميع غنياً لجميع الذين يدعون به" (رو10: 12). ومثل لص سرق المدينة ونهبها واختفي في كهف واضعًا فيه كل الأشياء الثمينة، فقبض عليه الملك ثم بعد ذلك سلّمه للعقاب ونقل كنوزه إلى المخازن الملوكية. هكذا فعل المسيح، إذ بموته سجن اللص وقيده أي الشيطان والموت، ونقل الكنوز، أعني الجنس البشري، إلى الخزائن الملوكية. هذا ما يعلنه بولس الرسول بقوله: " الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته" (كو1: 13). والأهم هو أن ملك الملوك (المسيح) قد انشغل بهذا الحدث، في الوقت الذي فيه لا يقبل أي ملك آخر فعل هذا الأمر، بل يكتفي بإعطاء أمر إلى عبيده لكي يحرروا المسجونين. لكن ـ كما قلنا ـ لا يحدث هنا مثل هذا الأمر، بل جاء ملك الملوك نفسه إلى المسجونين، ولم يخجل سواء من السجن أو المسجونين. لأنه كان من المستحيل أن يخجل من خليقته. فسحق الأبواب وحلّ المتاريس وفرض سيادته على الهاوية. ونقل الطاغية أسيراً والقوي مقيداً. الموت نفسه ألقى أسلحته وأسرع مستسلمًا وأعلن طاعته إلى الملك.

هل رأيت النصرة الجديرة بالإعجاب؟

هل رأيت مآثر الصليب؟

هل أقول لك شيئًا آخر جدير بالإعجاب؟

إذا عرفت بأي طريقة انتصر المسيح، سوف يصير إعجابك أعظم. فبنفس الأسلحة التي غلب الشيطان بها الإنسان، انتصر المسيح عليه. واسمع كيف؟ عذراء[1] وخشبة وموت هي رموز هزيمتنا. العذراء كانت حواء، لأنها لم تكن قد عرفت رجلها. الخشبة كانت الشجرة (التي أوصى الله آدم بألا يأكل منها) والموت كان عقاب آدم. لكن العذراء والخشبة والموت كانت رموزًا لهزيمتنا، صارت رموزًا للانتصار. لأن لدينا مريم العذراء بدلاً من حواء، ولدينا خشبة الصليب بدلاً من شجرة معرفة الخير والشر، ولدينا موت المسيح بدلا من موت آدم. هل رأيت، فالشيطان هُزم بنفس الأسلحة التي انتصر بها قديمًا؟!!

لقد حارب الشيطان آدم وانتصر عليه بالقرب من الشجرة، والمسيح انتصر على الشيطان فوق خشبة الصليب.

الشجرة الأولى قادت البشر إلى الجحيم، أما الثانية فقد حملتهم من الهاوية إلى الحياة.

أيضا الشجرة الأولى أخفت الأسير إذ كان عاريا، أما الثانية فأظهرته للجميع جهاراً، أى المسيح المنتصر الذي كان عارياً معلقاً فوقها.

وأيضًا الموت الأول أدان كل الذين وُلدوا من بعده، بينما الثاني، أي موت المسيح، قد أقام أولئك الذين عاشوا قبل المسيح: " من يستطيع أن يصف بالأقوال قوة الرب" (مز106: 2س). كنا أموات وها قد صرنا أحياء.

هذه هي مآثر الصليب. هل عرفت هذه النصرة؟! عرفت بأي طريقة تحققت؟ انظر الآن كيف تحققت بدون تعب. لم تتخضب أسلحتنا بالدم، لم نصطف في المعركة، لم نُجرح، ولا شاركنا في أي معركة ولكن انتصرنا. حارب الرب ونحن أخذنا التيجان. ولأن النُصرة هي مِلك لنا، فدعونا نرنم جميعا اليوم ترنيمة النصرة: " أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية؟" (هوشع14:13، اكو15: 54ـ55).

هذا ما حققه الصليب لنا.

الصليب الذي هو رمز النصرة على الشياطين، هو سكين ضد الخطية، وسيف طعن به المسيح الحيّة.

الصليب هو إرادة الآب،

زينة الملائكة،

ضمان الكنيسة، فخر الرسول بولس،
حامي القديسين، نور كل المسكونة.

لأنه مثلما يطرد إنسان الظلام من بيته، عندما يضيئ مصباحًا ويرفعه عاليًا، هكذا أضاء المسيح الصليب كمصباح ورفعة عاليًا، لينقشع كل الظلام الذي كان يغطي الأرض.

ارتعبت الخليقة عندما رأته معلقاً فوق الصليب، والأرض تزلزلت والصخور تشققت. وبالرغم من أن الصخور تشققت، إلا أن إحساس اليهود لم ينتابه أي تغيير. حجاب الهيكل انشق، إلا أن اتفاقهم الفاسق لم ينحل.

لماذا انشق حجاب الهيكل؟ لأن الهيكل لم يقوَ على رؤية الرب مصلوبًا. وكأن الهيكل يتحدث إلينا وينصحنا: مَن يريد أن يدخل إلى قدس الأقداس فليدخل بكل حرية. لأنه ما فائدة هذا الحاجز، طالما أن الذبيحة قُدمت خارجًا؟ أي فائدة يمكن أن يقدمها الناموس؟ لا فائدة كما علمتكم مرارًا. هذا ما علّمه النبي داود عندما قال: " لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب في الباطل" (مز2: 1). وقد سمعوا: " كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامته أمام جازيها لم يفتح فاه" (أش53: 7). وبينما قد درسوا هذه النبوة أزمنة عديدة إلا أنها بعد أن تحققت لم يؤمنوا بها. رأيت انهم تفكروا باطلاً؟ لذلك انشق من الوسط حجاب الهيكل، وهكذا أنبأ عن زمن خرابه الذي كان عتيداً أن يكون بعد هذه الأحداث.


 

[1] هنا يشير ذهبى الفم بكلمة عذراء إلى حواء التي خُدعت بواسطة الحية.