الصليب
عظتان للقديس يوحنا الذهبي الفم

العظة الأولى: عن الصليب، واعتراف اللص، والصلاة من أجل الأعداء
الصليب رمز ملكوت السموات

          من أين لك أن تتذكر ملكوت السموات أيها اللص؟ قل لي هل ترى شبيهًا منه الآن؟ إن ما هو ظاهر للعين هو المسامير والصليب والاتهامات والهزء والشتائم.

          نعم يقول: فالصليب هو رمز ملكوت السموات. ولهذا فإني أدعو المصلوب عليه ملكًا. ملكًا إذ هو يموت من أجل رعاياه، فقد قال عن نفسه إنه " الراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف" (يو11:10). حقًا والملك الصالح يضع نفسه من أجل رعاياه. ولأنه وضع نفسه بالفعل لهذا فأنا أدعوه ملكًا. واهتف " أذكرني يارب متى جئت في ملكوتك".

          4 ـ أتريد أن تعرف كيف أن الصليب رمز لملكوت السموات؟ وما هي دلالاته؟ إن المسيح لم يترك الصليب على الأرض بل أخذه وأصعده معه إلى السماء. من أين استدللت على ذلك؟ لأنه سيُحضره معه في المجيء الثاني.

لكن دعنا نرى كيف سيحضر الصليب معه ولنسمع قول المسيح " إن قيل لكم هاهو في البرية فلا تخرجوا، هاهو في المخادع فلا تصدقوا" (مت26:24)، فإنه يتكلم عن مجيئه الثاني، مشيرًا إلى المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة، وإلى ضد المسيح، لكى لا يضل أحد ويسقط في يديه. لأن ضد المسيح سيأتي قبل المسيح (في مجيئه الثاني) وقد أخبرنا بذلك حتى لا يقع أحد بين أنياب الذئب وهو يبحث عن الراعي (المسيح). وأنا أقول لك هذا حتى تستطيع أن تميز علامات حضور الراعي. فإن كان حضوره الأول[1] قد تم بطريقة خفيّة، فلا تظنوا أن مجيئه الثاني سيكون كذلك. كان حضوره الأول خفيّة، لأنه أتى ليطلب وليفتش عن الضال، أما مجيئه الثاني فلن يكون كذلك. لكن كيف؟ " كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون مجيء ابن الإنسان" (مت27:24) سيظهر للجميع معًا. فلا تعود هناك حاجة إلى التساؤل (عما إذا كان المسيح هنا أو هناك). فكما أننا لا نحتاج إلى التساؤل عندما يحدث البرق، هكذا عند مجيئه لن نحتاج عما إذا كان المسيح قد حضر أم لا.

والآن نتكلم عن إنه سيُحضر الصليب معه. فأسمع ما قاله بوضوح: حينئذٍ، عندما آتى تُظلم الشمس والقمر لا يعطى ضوءه، لأن بهاء النور سيكون عظيمًا جدًا، حتى أن نور الكواكب الكبيرة المشعة يختفي بإزاء ذلك النور، وعندئذ تسقط النجوم وتظهر علامة ابن الإنسان في السماء (مت 29:24ـ30).


[1]  التجسد .