|
"
اليوم تكون معي في الفردوس" (لو43:23). ماذا تقول (يارب)؟ هل وأنت
مصلوب ومُسمّر على الصليب تَعِدُ بالفردوس؟ كيف بالحقيقية تهبُ
ذلك؟
يقول بولس الرسول " إنه صُلب عن ضعف " لكن فلتسمع ما
تلاه "لكنه حي بقوة الله " وفي موضع آخر يقول " لأن قوتي في الضعف
تكمل" ولهذا يقول: إني أعد وأنا على الصليب، لكى تعلم من هذا أيضًا
قوتي. فهذا الأمر المحزن لم يحدث ليبعدك عن التفكير في طبيعة
الصليب بل لتعلم قوة المصلوب عليه والمعجزة التي تمت فوقه، تلك
المعجزة التي تشير إلى قوة المصلوب، فاللص لم يؤمن به وهو يقيم
الموتى أو ينتهر أمواج البحر ويطرد الشياطين، بل عندما كان مصلوبًا
ومسمّرًا وهو مُعرّض للشتم والبصق والهزء والتعذيب.
أنظر إذن الوجهين اللامعين لقوة المصلوب: إنه قد هزّ
أركان الطبيعة وشقق الصخور، من ناحية، وإنه جعل نفس اللص التي كانت
أقسى وأصعب من الصخر، تصير وديعة.
أتقول يارب، " اليوم تكون معي في الفردوس"؟ الشاروبيم
يحفظون الفردوس وهناك يجول سيف ناري وأنت تَعِدُ اللص بأن تُدْخِله
هناك؟
نعم يقول (المسيح): فأنا هو رب الشاروبيم، ولىّ سلطة على
اللهيب والجحيم والحياة والموت. ولهذا يقول "اليوم تكون معي في
الفردوس". فإن كان الرب له هذه القدرة فقد متع بها الآخرين مباشرة،
ومع أن الملك لا يرض لنفسه أن يجالس لصًا أو أحدًا من عبيده ولا أن
يرافقه إلى المدينة، إلاّ أن السيد محب البشر فعل ذلك وأدخل معه
اللص إلى الوطن المقدس. وفي هذا فإن اللص لا يهين الفردوس بأن
يطئه
بقدمه بل بالحري يشرّفه. فشرَف الفردوس أن يكون له مثل هذا السيد
القوى محب البشر الذي جعل اللص جديرًا بالتنعم فيه. وهو عندما دعا
العشارين والزناة إلى الملكوت فهو لم يُحقِر من هذا الملكوت بل
بالحري كرّمه وأظهر أنه رب ملكوت السموات الذي جعل العشارين
والزناة أهلاً لمجد وعطية الملكوت هناك. وكما أننا نُعجب بالطبيب
عندما نراه يشفي الناس من الأمراض المستعصية ويأتي بهم إلى الصحة
التامة، هكذا يا أحبائي، يجب أن نُعجب بالمسيح ونُدهش إذ هو يشفي
أمراض نفوس الناس المستعصية، ويعتقها من الشرور المسيطرة عليها،
جاعلاً أولئك الذين سيطرت عليهم الشرور إلى أبعد الحدود، أهلاً
لملكوت السموات. |