الملائكة في الكتاب المقدس

 

تاتي كلمة "ملاك" من اليونانية angelos تعني "رسول", فتسمية "ملاك" لا تصف طبيعته, وانما وظيفته. فالملائكة "هم كلهم ارواح مكلَّفون بالخدمة, يُرسلَون من اجل الذين سيرثون الخلاص" (عبرانيين 1: 14). وفي الكتاب المقدس نرى ان كلمة "ملاك" تستعمل للدلالة على الكائنات الروحية التي تشكل العالم السماوي. واللافت ان اسفار الكتاب المقدس كلها تتكلم عن الملائكة ما عدا نحميا واستير في العهد القديم, ورسائل يوحنا ويعقوب في العهد الجديد.

بالرجوع الى الكتاب المقدس نرى ان للملائكة عملين اساسيين, هما: تسبيح الله, وخدمة البشر.

1-تسبيح الله: هناك مقاطع عديدة في الكتاب المقدس بعهديه تشير الى ان دور الملائكة هو تمجيد الله وتسبيحه, فهم يعبدونه ويوجهون اليه اناشيد سرية بلا انقطاع, متأملين المجد الإلهي باستمرار. نذكر منها اثنين من العهد القديم ففي المزمور (102: 20) "باركوا الرب يا ملائكته الجبابرة الاشداء العاملين بأوامره عند سماع كلنته". وايضا نجد في سفر اشعياء:"رأيت السيد جالسا على عرش عال رفيع...من فوقه سرافيم قائمون....وكان هذا ينادي ذاك ويقول: قدوس, قدوس, قدوس رب القوات, الارض كلها مملؤة من مجده" (اشعياء 6: 1 – 3).

اما في العهد الجديد فنرى الملائكة يمجدون يسوع الطفل الذي ولد في المذود:"وانضم الى الملاك بغتة جمهور الجند السماويين يسبحون الله فيقولون: المجد لله في العلى, والسلام في الارض للناس اهل رضاه" (لوقا 2: 13 – 14). وفي سفر رؤيا يوحنا نرى ايضا الملائكة يقدمون التسبيح والمجد لله:"وكان جميع الملائكة قائمين حول العرش....فسقطوا على وجوههم امام العرش وسجدوا لله قائلين: آمين ! لإلهنا التسبيح والمجد والحكمة والشكر والإكرام والقدرة والقوة أبد الدهور آمين" (رؤيا 7: 11 – 12).

2-خدمة البشر: الملائكة هم رسل الله الى البشر وهم يحملون اليهم سر التدبير الإلهي (سر الخلاص), فالملاك جبرائيل حمل البشرى الى مريم ومنها الى كل البشرية:"في الشهر السادس, أرسل الله الملاك جبرائيل الى مدينة في الجليل اسمها الناصرة الى عذراء...فدخل اليها فقال: إفرحي ايتها الممتلئة نعمة, الرب معك....لا تخافي يا مريم, فقد نلتِ حظوةً عند الله. فستحملين وتلدين ابنا فسميه يسوع..." (لوقا 1: 26 – 33).

الملائكة هم الذين يبشرون بمولد يسوع: "فحضرهم ملاك الرب وأشرق مجد الرب حولهم....فقال لهم الملاك: لا تخافوا, ها اني أُبشركم بفرح عظيم يكون فرح الشعب كله. وُلد لكم اليوم مخلّص في مدينة داود وهو المسيح الرب" (لوقا 2: 9 – 11).

والملائكة يعلنون قيامة السيد:"فقال الملاك للمرأتين: لا تخافا انتما. انا اعلم انكما تطلبان يسوع المصلوب. انه ليس ههنا فقد قام كما قال" (متى 28: 6).

يمتاز الملائكة في العهد القديم بأنهم كانوا  يحفظون البشر: "لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك" (مزمور 91: 11)، ويرفعون صلواتهم الى الله (طوبيا 12: 12)، ويوجّهون مصير الأمم (دانيال 10: 13-21). وكان الملائكة، منذ زمن حزقيال النبي، يفسّرون للأنبياء معنى رؤاهم (زكريا 1:8-9) فأصبح ذلك ميزة من ميزات الأدب الرؤيوي. إن اعتقاد العهد القديم في شأن وجود العالم الملائكي واتصاله بالبشر يتأكد باستمرار مترافقاً برموز وإشارات خاصة. يحصي العهد الجديد من الرتب الملائكية الوارد ذكرها في العهد القديم، فيتحدّث عن رؤساء الملائكة (1تسالونيكي 4: 16)، والكروبين (عبرانيين 9: 5)، وأصحاب العروش أو السيادة أو الرئاسة أو السلطة (كولوسي 1: 16). ولكن ليس لتسلسل الرتب هذا قيمة عقائدية محددة، بل له طابع ثانوي إذ إنّ المهم هو إدراجه في إطار الوحي الذي تمّ بيسوع المسيح.

يحتلّ الملائكة في العهد الجديد مكاناً مميّزاً في حياة السيد المسيح، ويتبيّن من خلال كلامه عنهم أنهم كائنات حقيقية وفاعلة. فهم "يخدمونه" (متى 4: 11)، وأحدهم "يقوّيه" في جبل الزيتون (لوقا 22: 34). وهم في أثناء سهرهم على البشر "يرون وجه الآب الذي في السموات" (متى 18: 10). ومع أنّهم يجهلون يوم الدينونة الأخيرة الذي لا يعرفه إلاّ الآب وحده (متى 24: 36)، إلاّ أنّ عليهم تنفيذها: "فيرسل (الله) ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقصاء السموات إلى أقصائها..." (متى 24: 31)، ويخرجون من ملكوته جميع الهالكين (متى 13: 41-42). وهم منذ اليوم يشاركون الله في فرحه بتوبة الخاطئين (لوقا 15: 10).

والملائكة يواكبون ابن البشر يوم مجيئه الثاني (متى 25: 31)، و"يصعدون وينزلون عليه" (يوحنا 1: 51)، مثلما جرى في العهد القديم على سلّم يعقوب (تكوين 28: 12). وكان في وسع المسيح أن يطلب تدخّل الملائكة لكي يخلّصوه من الآلام المزمع أن يقاسيها، فيقول لبطرس: "أتظنّ أنّي لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدّم لي أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة؟" (متى 26: 53).

          ما يكرره العهد الجديد بصورة دائمة هو رئاسة المسيح على كل الخليقة والملائكة منها. فالمسيح "أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسماً أفضل منهم" (عبرانيين 1: 4)، وهم يسجدون له كونه ابن الله ويخضعون له (عبرانيين 1: 6)، ويعترفون بربوبيته (رؤيا 5: 11-12)، ويواكبونه في اليوم الأخير (2 تسالونيكي 1: 7). وواضح أنّ المسيح منذ قيامته أجلسه الآب فوق الملائكة: "فوق كل رئاسة وسلطان وقوة وسيادة وكلّ اسمٍ يُسمّى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضاً" (أفسس 1: 20-21).

وهم ايضا الذين يفسرون للرسل معنى الصعود:"....اذا رجلان قد مثلا لهم في ثياب بيض وقالا: ايها الجليليون, ما لكم قائمين تنظرون الى السماء؟ فيسوع هذا الذي رُفع عنكم الى السماء سيأتي كما رأيتموه ذاهبا الى السماء" (اعمال الرسل 1: 10 – 11).

لا شك أن ثمة تواصلاً بين العالم الأرضي والعالم السماوي ممثلاً بالملائكة. فإنهم يقومون بعبادات دائمة منشدين: "قدّوس قدّوس قدّوس الرب الإله القادر على كل شيء الذي كان والكائن والذي يأتي..." (رؤيا 4: 8-11). يقابل هذه الأناشيد الملائكية أناشيد أرضية يقيمها المؤمنون في عباداتهم، وبخاصة في مواقع عدة من القداس الإلهي، وهنا لا ينبغي الاكتفاء بالمقابلة بل يجب التحدّث عن المشاركة في عبادة الله بين الملائكة والبشر. ويحذّر الرسول بولس من عبادة الملائكة، التي ربما كانت سائدة آنذاك، لأن هذا يسيء الى عبادتنا ليسوع المسيح (كولوسي 2: 18).

يقول آباء الكنيسة بان لكل انسان ملاكاً حارساً مستندين على الكتاب المقدس. "اياكم أن تحتقروا احدا من هؤلاء الصغار. اقول لكم إن ملائكتهم في السموات يشاهدون ابدا وجه ابي الذي في السموات" (متى 18: 10). وهذا ما تؤكده الليتورجيا البيزنطية – المستوحاة من الكتاب المقدس – حين تقول في احدى طلباتها:"ملاكَ سلام مرشداً أميناً حافظاً نفوسنا زأجسادنا الرب نسأل".

لا بد ختاماً من التأكيد أنّ العالم غير المنظور الذي يحيط بنا يبقى عالماً سرياً لا قدرة للإنسان على سبره. من هنا يبقى وجود الملائكة أم عدمه رهناً بالإعلان الذي تمّ بيسوع المسيح. غيرَ أنّ المسيح ورسله يؤكدّون بصورة دائمة على أنّ الملائكة يخضعون لله وللمسيح، مخلّص العالم وسيّده، وينفّذون أوامره بطاعة كاملة. ولذلك فإنّ تلك الكائنات السماوية، التي اسمها الملائكة، حاضرة في حياة الكنيسة إلى اليوم الأخير، إلى حين يبوّق أحدهم بمجيء الرب ليدين الأحياء والأموات.

نشرة مطرانية اللاذقية ونشرة رعيتي بتصرّف