|
||
|
||
|
الأصوام الكنيسة الكبرى التي حدّدتها الكنيسة المقدسة اربعة، وهي:
بالاضافة الى بعض الايام المتفرقة التي نعفّ فيها عن أكل الزفَرَيْن (اللحوم والبياض) وهي يوما الاربعاء والجمعة من كل اسبوع (باستثناء الاسبوعين اللذين يليان الفصح والعنصرة، وما بين عيد الميلاد وبرامون الظهور الإلهي، والاسبوع الذي يلي احد الفريسي والعشار)، عيد رفع الصليب الكريم (14 ايلول)، ذكرى قطع رأس السابق يوحنا المعمدان(29 آب). وكأن هذه الأصوام مجتمعة تشير الى طبيعة الكنيسة الارثوذكسية التي تتطلع الى الانسان بكلّيته نفسا وجسد، إنها صائمة في العالم وعنه وشاهدة لملكوت الله الذي ليس هو "طعاما وشرابا" وقداستِهِ الآن وهنا. قلة من المسيحيين اليوم هم الذين يرتضون الصوم نمطَ حياةٍ، هي واحدة من الإشكالات العديدة التي قد لا يُبَرّأ احد إن وقع فيه، والتي تبريره، في أغلب الاحيان، دليل برودة في الالتزام او تغرُّب كبير. اول ما يلفتنا في العظة على الجبل (متى، الإصحاحات 5، 6، 7) هو تعليمُ الرب المركَّز وتحذيرُهُ الكنيسة الفتيّة من السقوط في الوثنية المتمثلة في محبة المال والطعام واللباس، مما جعل أن يكون شرط تبعيّة المسيح هو ترك "كل شيء" في هذا العالم، وابن الانسان "ليس له موضع يسند اليه رأسه"، فإن من شاء أن يكون مع المسيح اختار المسيح ومشيئته حياتَهُ كلها. يرتضي بعض الناس صوم الفصح، او قسما منه، لأنه يحملهم على تذكُّر السيد الذي تألم ومات عن، ويصومون هم لأنهم يريدون أن يعبّروا بطريقة الجوع – الذي هو صورة عن الموت – عن مشاركتهم في هذا الألم، وقد يكون سببُ تجاهلم الأصوام الاخرى تجاهلا تام، على الغالب، اعتقادهم بأنها غير مرتبطة بهذا الحدث. واذا تركنا الطاهرين على حدة يمكننا القول – من دون أن ندين احدا – إن الناس تجنبا لوخز الضمير يلتزمون بأحد الأصوام او ببعض ايام منه. نعم، الكثيرون يصومون رغبة بالتألم، والصوم فرح وحرية. هو فرح إن استطت أن تقبله كمرقاة الى الآب او ك"خلوة"، كما يقول السيد في العظة على الجبل "امّا انت متى صمت...لا تظهرْ للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفاء" (متى 6: 17 و18). ففي هذا الخفاء يراك الرب في جواره، انت تصعد او هو ينزل لا فرق، حضوره معك هو كل الفرح. والصوم حرية، لانه يعتق الذين يتقبّلونه من شهوة الجسد. فلنلاحظ، ليس الصائم هو عبدا للجسد بل المكبَّل بشهوة الطعام هو العبد، الصائم حرّ طليق يعلو عمّا هو ارضيّ لا كرها به بل حبا بالوصية وطاعةٌ لها. وهذا عينه ما اعتنى أن يقوله أدبنا النسكيّ عندما وصف الصلاة والصوم بالجناحَيْن اللذين يساعدان المؤمن في التحليق والارتفاع الى الله. ربّ قائل إن الصوم غايته الأعياد التي تُنهيه، قد يكون هذا الرأي – اذا اخذنا بعين الاعتبار الاسباب التاريخية التي أدت الى ارتباط الأصوام بالأعياد – على شيء من الصحة.غير ان غاية واحدة، بلا شكّ، تجمع الأصوام كلّها وهي الرغبة في الاتحاد بالله. ولأجل هذا نادى قديسنا العظيم يوحنا الذهبي الفم بالصوم بعد انتهاء الصوم، وذلك لأن الصوم وإن انتهى بأحد الأعياد الا أن شهادتَنا لله ومحبتِه ِ وموقفَنا من العالم ثابتان لا ينتهيان ولا يتغيّران. صوم الميلاد – على سبيل المثال – لا ينتهي معناه بحلول عيد الميلاد، لأن كل الجهادات الروحية التي يعملها المؤمن الحقيقي تنتهي عندما لا يبقى شيء يُنتظر، اي عندما يصبح الله " الكل في الكل"، وذلك لأن مجيء الله الى العالم ليس حدثا وقع مرة في التاريخ ومرّ عليه الزمن فطواه. إن الرب أتى وهو الآتي، هذه هي فرادة المسيحية انها تقيمنا في شركة مع الله الآن وهن، وتجعلنا من جهة اخرى في حالة انتظار مستمرة له حتى يكتمل كل شيء في أبدية نرجوها. وهذا يعني أنّ ارتضاءنا حضور الرب لا نعبّر عنه فقط خلال اربعين يوما نقضيها في شكل روحيّ خاص تنتهي بالتعييد، ولكنا في ما نحن ننتظر الرب في مجيئه الأخير نعلنُ – في صوم الميلاد- اننا قابلون ميلاده المجيد ومجيئه دائما. كيف يمكننا أن نصرّح بأننا راغبون بأن يحلّ ملكوت الله الأخير إن لم نرتضيه ذاته ونتهيأ لبدء إعلانه؟ بيد أن الرب الذي "يأتي كلصٍّ في عشية حياتنا ويأتي كغالب وديان في اليوم الاخير هو نفسه يقف على أبواب قلوبن، كما قال يوحنا الحبيب في رؤياه: "هاءنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب ادخل اليه وأتعشى معه وهو معي " (3: 20)؛ هذه الكلمات الأخيرة تكشف لنا رغبة عند الرب ثابتة لا تتغيّر لأن يكون معنا ونكون له. الروح القدس وحده هو الذي يعطينا أن نتحسّس هذه الرغبة الإلهية في جلسات الودّ. صوم الميلاد واحد من هذه الجلسات الذي نستطيع فيه أن نتمم صَبْوَنا الى حضور الله الدائم والأخير.
|
||
|
|