|
||
|
||
|
لن تعالج هذه المقالة كلّ المشاكل او المفاسد التي تغزو جامعاتنا، فليس هذا من اختصاص هذه النشرة ("رعيتي"). ولكنّها ستحاول الكلام على آفة شديدة الخطورة أخذت تؤثّر على بعض شبابنا، وأعني ما يتعلّق بتوزيع بعض أنواع المخدّرات وتعاطيها في الجامعة أو خارجها. والحال ان هذه الآفة منتشرة في صفوف الطلاب وغيرهم. والواقع أنّ من أوحى إليّ بكتابة هذه المقالة أبٌ لشابّ يتابع دراسته في إحدى الجامعات في لبنان. وهو رجل إداريّ متخصّص ومقدام. وهو قبل هذا كلّه ملتزم كنسيّاً. وسأحاول أن أنقل باختصار بعض ما قاله في جلسة جمعتنا معاً. قصدت هذا الأب الصديق يوماً في مكتبه. ففاجأني بقوله: أنا ما عدت أؤمن بالدراسة الجامعية. وتابع بتحسّر كبير: أنت تربّي أولادك على مخافة الله، وتريدهم جديين وذوي خلق حميد وأن يكملوا دراستهم في الجامعة ليكون لهم موقع في هذه الحياة وينجحوا ويثمروا. ولكن ماذا ينفع العلم، إن كان الانحراف يغزو معظم جامعاتنا؟! وأضاف: تصوّر انني وجدت مع ابني نوعاً من أنواع المخدرات، أنا متأكد أنّ أحد أصدقائه في الجامعة أعطاه إيّاه. ويأتيك هو بحجّة أنّ الكثيرين يتعاطون المخدرات، وبرأيه أنّ هذا أمر طبيعيّ. ويحاول أن يقنعك، إن حاولت أن تنصحه، بأنّك رجعيّ ومتخلّف. وأنهى قوله: أنا لا أريد أن أخسر ابني، ولكنّي أراه يذهب منّي بعيداً. طبعاً هذا الرجل يتكلّم من جرح. فالولد غال، ولو لم يدرك هو قيمته الحقيقيّة عند ذويه، فإنهم إن لاحظوا أنّه ينحرف قد يضطرّون إلى أن يأخذوا مواقف قد لا تناسبه ولا تتوافق وسير المجتمعات وتقدّمها على غير صعيد. ما من شك، لا أحد يتمنّى الجهل لأحد. ونحن في الكنيسة نريد أن يتعلّم جميع الناس، ونوصي القادرين على مساعدة الفقراء ليتمكّنوا من تعليم أولادهم. ولا أحد، تالياً، يتمنّى الضياع لأحد، فأولادنا وصحّتهم وأخلاقهم خير من أيّ أمر آخر. فهم، وإن حظوا بعناية أهلهم ورعايتهم في صغرهم وحُصّنوا بالخلق، يحتاجون إلى الرعاية والاهتمام في كل وقت. فإذا بلغ أولادنا سنّ الرشد قد يفهمون الحرية خطأ، وقد تتسرّب اليهم المفاسد من غير جهة، وهي، من دون ريب، قد تأتي عن طريق معاشرة المنحرفين، وفي هذا قالت كتبنا: أنّ "المعاشرات الرديئة تُفسد الأخلاق السليمة" (1كورنثوس 15: 33). وما يؤكده العلماء والمتخصصون ويعرفه جميع الناس أنّ المخدرات خطر على الحياة . الخوف أن تكون هناك مؤامرة على شبابنا ومستقبلهم، أو أنّ من يتعاطى المخدرات أو يروّجها يريد التشبّه، من دون تمييز، بمجتمعات غريبة يبدو أنّها لا تفهم معنى الحريّة ولا تعتبر قداسة الجسد. فهل باتت المفاسد عند بعضنا وجهاً حضارياً لا بدّ منه؟! الله يعلم. ولعلّ الخوف الأكبر أنّ بعض الشباب يلجأون بعد يأس إلى المخدّرات ليهربوا إلى دنيا خياليّة يظنّونها حقيقية. فهل اليأس هو الذي يدفع الى هذا الهرب؟ هذا ممكن كثيرا. ولكن من يلجأ الى الشرور لينسى واقعاً متعباً ليست خطيئته، إن كان مؤمنا، انه يفعل ما لا يليق فحسب، ولكن أنه ينكر إلهه، او يبدله بما لا نفع فيه. ومن يتعاطى المخدرات لا يدرك قيمة جسده عند الله، وتاليا أهمية حضوره ومشاركته في صنع المستقبل. فيستقيل من الوجود. ولقد قال الرسول العظيم: "اما تعلمون أن أجسادكم هي هيكل الروح القدس" (1 كورنثوس 6: 19). والواقع أن بولس قصد بقوله هذا أن جسد الانسان وديعة مقدسة. وان الهدف الأسمى أن يحافظ كل انسان على نعمة الروح القدس التي نالها في معموديته، وأن يفعّلها في حيّز هذا الوجود. فالقداسة التي هي هدف هذه الحياة لا تخص أرواح البشر فحسب، ولكن الإنسان كلّه جسداً وروحا في آن واحد. فالكيان الإنساني واحد غير مقسوم، ولعل الرسول أراد بقوله: "أجسادكم"، وليس أرواحكم، أن يبعد عن البحث أن أخطاء الجسد ليست جوهرية، ولكن أخطاء النفوس. وذلك أنّ الذي اختار الانسان ليسكنه يريد أن يعيده كله طاهراً اليه بعد أن خسر مكانته بانفصاله عنه وتعديه شريعته في الفردوس. قد لا يفهم بعض الشباب هذه الأهمية التي أولتها الكنيسة للجسد، ولكن هل يهمّهم أن يضيّعوا أنفسهم، وأن يقهروا أهاليهم ويلقوهم في المرارة والتحسر؟ واذا كان الشباب مسيحيين، الا يحسن أن تكون قناعاتهم مستمدّة من تراثهم؟ ولماذا يريد الشباب الهرب؟ واذا هربوا فلماذا الى السراب؟ أليس من الخير أن يلجأ من تتعبه ضغوط الحياة الى الله الذي هو وحده مخلّص العالم؟ من يهرب الى السراب لا يخطئ الى ذاته فحسب، بل الى خلاص الله. وماذا يريد شبابنا أن ينسوا؟ والله لا ينسانا، هو ينسى خطايانا ويقوينا على كل ضعف يعترينا. لا لأنه يرضى بالشرور، حاشا، ولكن لأنه لا يعاملنا كما يعامل الناس بعضهم البعض. الله أب وليس شرطياً او جلاداً. والاب يهمّه شفاء أبنائه. هو يصبر علينا حتى ننتبه لوجوده، فنلتفت اليه ونعرفه إلهنا ونحبه ونحيا. ولا يجوز، مهما بلغت حدة المصاعب، أن يستقيل أحد من الوجود، لأن الوجود ليس شراً بالكلية. الله فيه. وهو الخير كله والسلام والفرح الحقيقي. قد يحسب البعض أن المخدرات تعطي الفرح او بعضه. هذا فرح مخادع فليسأل بعضَ الذين تابوا عن هذه الآفة ماذا خلّف لهم هذا الفرح المخادع، والى أين أوصلهم؟ لقد خلّف لهم الضياع ونوعاً من الجنون يتمنّى المرء أن يموت قبل أن يصيبه. نحن نذهب الى الجامعة لنحظى بعلومها ونرتّب عقولنا ونتهذّب...، واذا صادفتنا المآثم هناك، وليس من رقيب، فأخلاقنا وتربيتنا هي رقيبنا. لعلّنا اذا فهمنا مكانتنا عند الله وأخلصنا، يساهم وعينا هذا في بقاء الخير الذي يهمله من يتاجر بأرواح الناس فيرتدعوا ويعوا. نحن لا نطمح الى أن نجترّ شرور المجتمعات التي تدّعي المدنيّة والحضارة، ولكننا نطمح الى أن نكون مجتمعا قادراً، بما بقي فيه من قيم وأصالة، على أن يؤثّر هو على العالم الذي يتأكله الانحراف، ويساهم في تجديده. شرط هذا في كلّ حال أن نسلك وفق تربية أصيلة، الله وحده ملهمها وبانيها. |
||