|
||
|
||
|
من الصعوبات التي تواجهنا في موضوع العجيبة، اعتبارها عملاً خارقاً للطبيعة تقوم بها القدرة الالهية بقصد اثبات ذاتها. من هنا كان الاعتقاد أن يسوع المسيح قد أثبت الوهيته باجتراحه العجائب. المفهوم الحقيقي للعجيبة هي انها "علامة" لا تدرَك الا بالايمان. وللعجيبة وجهان: أ- وجه منظور: الحادثة التي يستطيع كل انسان ان يلاحظها. ب- وجه غير منظور: الرسالة التي تعبّر عن محبة الله للبشر، وهذه لا يدركها الا المؤمن. العجبية "آية، علامة" يوجهها الله الى الانسان المستعد لتقبلها -الانسان المؤمن- من خلال حادث غير اعتيادي -قد لا يكون خارقا بالمعنى الدقيق وقد يجد التحليل العلمي تفسيرا له- بقصد توثيق العلاقة بين الخالق والمخلوق. المهم في العجيبة هو المعنى الذي تتخذه. وبالتالي على الانسان ان يتخطى الوجه الاول (الوجه المنظور) الى الوجه الثاني (الوجه غير المنظور)، اي الوجه الذي يعبّر فيه الله عن محبته للبشر. من هنا أن التعليم الارثوذكسي لا يعطي العجائب قيمة اكثر مما تستحق. ودليل على ذلك انها لا تشكل اي مقياس لاعلان شخص ما قديساً، فسِيَرُ القديسين تخلو من سرد العجائب وتكتفي بذكر فضائل هؤلاء الاشخاص وتعاليمهم. ان العجائب التي تجري على ايدي القديسين ليست من صنعهم، فالعجيبة تتم بارادة الله، وهو الذي يقوم بها من خلال القديس، وهي عمل رحمة الهية. ان ضعف ايمان الانسان قد يدفعه الى البحث عن العجيبة بقصد ايجاد برهان محسوس ومادي لايمانه، وكأنه لا تكفيه قيامة المسيح. بالنسبة الى المؤمن كل شيء في هذا الكون هو عجيبة، لانه يخبر عن قدرة الله وعظمته. ضعف الايمان عند الكثيرين يجعلهم يطلبون العجائب، ويعتقدون ان ايمانهم يتوقف عليها. ليست العجيبة مقياسا للايمان. مقياس الايمان هو الرب يسوع المسيح. العجيبة للانسان المؤمن لا تزيد من ايمانه بالرب يسوع ولا تنقصه. المؤمن الحقيقي تكفيه العجيبة التي تحصل كل يوم احد على المائدة المقدسة باستحالة الخبز والخمر الى جسد الرب يسوع المسيح ودمه. اذا وعينا ان العجيبة هي في الاساس "آية"، ففي هذه الحالة ليس المطلوب ان نبحث عن الآية هنا وهناك بقدر ما هو مطلوب ان نبحث "كيف يمكننا ان نكون نحن اليوم آية للذين نعيش في ما بينهم؟". ان لم يكن كل شخص منا في أُسرته، في عمله، في رعيته "آيةً"، أي إن لم تطرح حياة الجماعة المسيحية على غير المسيحيين أي سؤال ولم تعنِ لهم اي شيء، فباطلا نرجو أن تتضح لهم في يوم من الايام بشرى يسوع المسيح على حقيقتها. ما يقود البشر إلى القيامة الغالبة الموتَ والخطيئةَ هو أن يحيا المؤمنون اليوم قوّة هذا الحدث على أنه يتمّ اليوم. تلك الحياة "العجائبية" هي "العجيبة" التي لا تبطل.
|
||