الصوم
القديس باسيليوس الكبير

 

مقدمه :

"انفخوا في راس الشهر بالبوق وفي يوم احتفال عيدكم الكبير" (مزمور ٨٠:٤) هذا أمر نبوي. أما بالنسبة لنا، فإن مقاطع أشعيا التالية تنبئ بعيد الأيام المقبلة بصوت يفوق كل بوق من حيث قوته وكل آلة موسيقية من حيث خاصّيتها. هذه الأقوال تدع جانباً الصوم اليهودي وتظهر لنا الصوم الحقيقي على طريقته القويمة: "عندما تصومون انظروا ألا تكونوا في خصومة أو : مشاجرة مع الناس الآخرين، بل اجعلوا حداً لكل ظلم طارئ" (إشعيا ٥٨:٤-٦) أما الرب يسوع فيقول: "متى صمتم فلا تكونوا عابسين... أنما أنت فاغسل وجهك وادهن رأسك" (متى ٦:١٦-١٧ ) لأنه لا يكلل أحد ولا يحوز على راية الظفر إن كان وجهه عابساً أو قاتماً.

لاتكونوا عابسين وانتم تستعيدون صحتكم. فإنه لا بد لنا أن نتهلل لصحة نفسنا، ولا مجال للحزن بسبب تبدّل الطعام وكأننا نؤثر ملذات البطن على منفعة نفسنا، لأن الشبع يقف إحسانه عند حدود البطن، أما الربح الناتج عن الصوم فهو ينفذ إلى النفس.

كن فرحاً لأنك أعطيت من قبل طبيبك دواء ينزع الخطايا. لاتبدّل وجهك كما يفعل المراؤون. إن الوجه يتبدل عندما يظلم الداخل مع التظاهر الخارجي، وكأنه مخفي وراء ستار كاذب.

المرائي هو الذي يكون له على مسرح وجه آخر يرتدي قناع السيِّد هو في الحقيقية عبد. يلبس قناع الملك وهو في الحقيقة من عامة الناس. هكذا أيضاً في الحياة الحاضرة، كثيرون يتظاهرون وكأنهم على المسرح. يكونون على شيء في عمق القلب ويتظاهرون بوجه آخر امام الناس. أما أنت فلا تبدل وجهك.. كما أنت هكذا إظهر للآخرين لاتبدّل مظهرك عابساً ساعياً وراء الشهرة عن طريق التظاهر بالصوم والإمساك، لأنه لانفع للإحسان الذي يطبّل به، ولاثمر للصوم الذييشهّر امام الناس، أي كل ما يقوم به الإنسان بغية التظاهر امام الآخرين لاينفذ إلى الدهر الآتي ولايتخطى حدّه مدح الناس.

أسرع بفرح إلى هبات الصوم. إنه هبة قديمة العهد لاتعتق ولاتشيخ، بل تتجدد وتزهر على الدوام.

 

تاريخ الصوم:

ربما تظن أنني سأعيد قدم الصوم إلى مرحلة الناموس الموسوي. الصوم هو أقدم من ناموس موسى. إن هذه الجوهرة هي من ميراث آبائنا. كل شيء يتميز بقدمه جدير بالاحترام والإجلال.

فإحترم إذاً رأسه الشاحب. الصوم هو من عمر الانسانية نفسها. لقد ُ شرّع في الفردوس. إن آدم هو الذي تقبّل الوصية الأولى للصوم "من ثمر شجرة معرفة الخير والشر لا تأكل" (تكوين ٢:١٧ ) العبارة "لا تأكل"ما هي إلا شريعة صوم وإمساك. لو أن حواء لم تأكل من ثمر العود لما بحاجة إلى الصوم الحاضر. "لأن الأصحاء لا يحتاجون إلى طبيب بل المرضى" (متى ٩:١٢).

لقد ترّتب علينا كثير من الشرور بسبب خطايانا فلنعالجها إذاً عن طريق التوبة. لكن التوبة بدون صوم لا تأتي بثمر. "إن الأرض ملعونة بسببك وسوف تنبت شوكاً وحسكاً" (تكوين ٣:١٧-١٨) لقد تسّلمت وصية التعرف ضمن حدود ولم تعط أن تستلم لملذات الجسد. حسابك لله يكون عن طريق الصوم. إن العيش في الفردوس يعكس صورة الصوم، لا لأن الإنسان كان يتشبه بالملائكة عن طريق القناعة، بل أيضاً لأنه لم يكن يعرف كل ما ابتكره الناس بعد ذلك من شرب خمر وذبائح حيوانية وكل ما يعكر صفو ذهن الإنسان.

لقد ُ طردنا من الفردوس لأننا لم نصم. فلنصم إذاً حتَّى نعود إليه. لا تتشبه بمعصية حواء وتتبع مشورة الحية. لا تتحجج بالمرض الجسدي. تقول لي لا أستطيع أن أصوم، لكنك تقدر على اشباع البطن طيلة عمرك وعلى اجهاد جسدك بثقل المآكل التي تتناولها. إنني أعلم من جهتي أن الأطباء يصفون الصوم دواء للمرضى، لا كثرة المآكل. كيف تقدر من جهة على اشباع البطن وتدّعي من جهة أخرى أنك لا تقدر على الصوم، ما هو الأسهل بالنسبة للبطن؟ أن تمضي الليل هادئاً مع قليل من الطعام، أم أن تستلقي على الفراش مثقلاً بكثرة المآكل؟ أو قل بالأحرى أن تنقلب متنهداً ومواجهاً خطر القيء من كثرة الأطعمة؟

وإن الأجساد التي تثقل بالأطعمة بصورة متواصلة معرّضة أكثر للأمراض إلا أننا عندما نتناول طعاماً خفيفاً متوازناً، نتجنب شر المرض كما يتجنب المركب الخفيف الحمولة العاصفة البحرية وينجو...

لقد تقبل القديسون الصوم جميعاً كميراث آبائي ومارسوه بدقة مسّلمين إياه من أب إلى ابنه إلى أن وصل إلينا بالتسلسل. لم يُعرف الخمر في الفردوس ولا الذبائح الحيوانية ولا أكل اللحوم. لقد عرف الخمر واللحم بعد الطوفان لأنه أوصي عند ذلك "بأكل كل حي يدبّ كبقول العشب" (تكوين ٩:٣). والبرهان على أن البشر لم يعرفوا الخمر هو نوح الذي كان يجهل استعمال الخمر: لم ير أحداً يستخدمه ولم يذقه هو شخصياً، لذلك حدث له ما حدث من أذى من جراء عدم احتياطه "ابتدأ نوح بحرث الأرض وغرس كرماً وشرب من الخمر وسكر" (تكوين ٩: ٢٠-٢١) لا لأنه كان سكيراً بل لعدم خبرته في شرب الخمر باعتدال.

ونعلم أيضاً أن موسى لم يجرؤ على الاقتراب من جبل سيناء والصعود إليه بعد صوم طويل. لم تكن له الجرأة على الصعود إلى الجبل المدخن ولا الشجاعة على الدخول في وسط الغمام الذي غطاه (خروج ٢٤:١٨) لو لم يتسّلح أولاً بالصوم. عن طريق الصوم تسلم الوصايا العشر التي دفعت إليه على لوحين من حجر مكتوبين بإصبع الله (خروج ٣١ ) بينما في أسفل الجبل دفعت الشراهة الشعب إلى عبادة الأوثان، لأنه جلس يأكل ويشرب ثم قاموا كلهم يلعبون، البقاء على الجبل أربعين يوماً وابتهال عبد الله المؤمن، كل ذلك لم يجد نفعاً مقابل يوم واحد من السكر والعربدة. إن لوحي الوصايا التي أتت عن طريق الصوم مكتوبة بإصبع الله حطمها السكر، لأن النبي موسى قد حكم أن الشعب المستسلم للسكر لم يكن يستحق استلام الوصايا الالهية، فاجعلوا إذاً أمامكم الأمرين وقارنوا بينهما: انظروا كيف أن الصوم من جهة يقرّب الإنسان إلى الله، بينما التمتع من جهة أخرى يقضي على خلاص نفسه.

لكن لنتابع طريقنا ونتقدم في التاريخ. من الذي أضعف موقف عيسو وجعله عبداً لأخيه؟ أليس هو طعام تناوله وباع من أجله بكرتيه لأخيه (تكوني ٢٥ )؟ في المقابل ألم يهدَ صموئيل لأمه عن طريق الصلاة والصوم ( ١ ملوك ١)؟ مالذي جعل شمشمون الكبير لا يُقهر، أليس هو الصوم الذي ساهم أيضاً في الحبل به؟ لأن الملاك أوصى به لأمه قائلاً لها: "والآن فاحتفظي ولاتشربي خمرً ولا مسكراً ولا تأكلي شيئاً نجساً لأنك ستحملين وتلدين ابناً يكون ناسكاً لله من بطن أمه إلى يوم فاته" (قضاة ١٣).

الصوم يوّلد أنبياء، يجعل المشرعين حكماء. هو كنز صالح للنفس وسكناه فيها ضمانة هو سلاح المجاهدين وهو الذي يبعد التجارب ويحث على التقوى. الصوم يواكبه الانتباه الروحي، وهو يوّلد العفة في الحروب يصنع الرجال وفي السلم يعّلم الهدوء. يقدّس المكرّس لله، يجعل الكاهن يتقدم أكثر في طريق الكمال، لأنه لا يمكن للكاهن بدون صوم أن يخدم العبادة الالهية الحاضرة والسرية.

الصوم هو الذي أهل ايليا لرؤية الرب في مغارة حوريب بعد أن طهّر نفسه بالصوم مدة أربعين يوماً ( ٣ ملوك ١٩ ) وكذلك أقام ابن الأرملة بعد صوم ( ٣ ملوك ١٧ ) متغلباً هكذا على قوة الموت. وكذلك بالصوم خرج من فمه الصوت الذي أغلق السماء معاقباً الشعب على معصيته وفرض الصوم عن طريق الجوع الذي حلّ مع الجفاف من أجل تقويم الشعب الذي كان قد استسلم للذات الجسدية.

وكذلك الفتية الثلاثة، فقد استبانت أجسامهم في الأتون الكلداني وكأنها من ذهب وليس من لحم وعظام وظهر بعد خروجهم أبهى مما كانوا عليه (دانيال ٣) دخل الثلاثة الآتون بعدما صاموا قليلاً قبلاً فاستنشقوا اللهيب وكأنه نسيم عليل مندّى. لم تجسر النار على الاقتراب من شعر رأسهم لأنهم كانوا قد تغذوا بالصوم. أما رجل الرغائب دانيال الذي طيلة ثلاثة أشهر لم يأكل خبزاً ولا شرب خمراً، فقد عّلم الأسود أيضاً أن تصوم عندما ألقي في الجب. لقد جعله الصوم لا يُقهر أمام الأسود التي لم تجرؤ أمامه حتَّى على فتح أفواهها (دنيال ٦).

 

فضائل الصوم:

الصوم يرفع الصلاة إلى السماء وكأنه يعطيها أجنحة تخوّلها الطيران إلى فوق. هو مربّ للشباب ومزيّن للمتقدمين في السن. مرافق حسن للمسافرين وضمانة لكل من يساكنه. لا يشك الرجل بإمرأته عندما يراها تصوم، كما لا تغار المرأة من رجلها عندما تراه يصوم بانتظام. من الذي قضى على ثروته من خلال الصوم...؟ لا شيء منها ينقص عن طريقه. لقد أعطي السبت لليهود "لكي يستريح فيه ثورك وحمارك وكذلك عبدك" (خروج ٢٣ ) ليكن الصوم فرصة استراحة سنوية للخدام من أتعابهم المتواصلة. يستريح الطباخ من عمله. يأخذ مدبر الموائد مأذونية، لايعود يسكب خمراً في كأسك وتتوقف صناعة الحلويات المختلفة. ليسترح بيتك أيضاً ن أتعابه المتنوعة، من الدخان ورائحة الشوي، من كل من يسرع هنا وهناك من أجل خدمة البطن وكأنه السيِّد الذي لا يكفيه شيء. كان من عادة جامعي الضرائب أن يريحوا الملزمين قليلاً في وقت من الأوقات من دفع الضرائب، فليعط بطنك استراحة ما للفم، ويلجأ محبة منا إلى السكينة. هو الذي لا ينفك يطالب بالمآكل وإن أعطي اليوم نسي غداً ما كان قد تناوله البارحة. عندما يمتلئ بتكلم عن فلسفة الامساك، وعندما يفرغ ينسى ما كان قد عّلمه في وقت شبعه. الصوم لا يعرف ما هو الدين... ابن الصوّام اليتيم لا تخنقه ديون والده ملتفة حول عنقه كالحيات.

الصوم مناسبة للابتهاج، لأنه كما أن العطش يجعل الشرب مستحباً، كذلك الصوم المسبق يجعل المائدة مستحبة والطعام أشهى، لأنك إن أردت أن تجعل مائدتك لذيذة وشهية اعتمد الصوم الذي يخلق مثل هذا التبدل. أما أنت الذي تتسلط عليك شهوة التمتع بالأطعمة، فإنك تفقد بهذه الطريقة ملذاتها وتفضي على المتعة واللذة من جراء شهوتك وهوى محبة اللذة. لا شيء يشتهي ويتمتع به المرء بصورة متواصلة ولا يزدرى به في النهاية. هكذا شاء الخالق عن طريق التبدل في العيش أن يديم التمتع بما وهبنا من نعم. ألا ترى الشمس مستحبة أكثر بعد انتهاء الليل؟ والاستيقاظ بعد النوم، والصحة بعد المرض، والمائدة أيضاً بعد الصوم، أكان ذلك للأغنياء الذين تفيض عندهم المآكل أم للفقراء القانعين بالطعام القليل؟.

إذهب في مثال ذلك الغني لأن التمتع بالمآكل طيلة حياته سّلمه إلى نار جهنم (لوقا ١٦ ). لقد أدين لا لظلمة بل لأنه كان يعيش في التنعم الدائم، لذلك أخذ يحترق في نار الأتون. والصوم يفيدنا، ليس فقط من أجل الحياة الأبدية، بل يفيد أيضاً جسدنا البشري. إن الرفاهية الزائدة تجر سقطات لاحقة، لأن الجسم يتعب ولايعود يستطيع أن يحمل ثقل الأغذية الكثيرة. إحذر ألا تزدري اليوم بالماء حتَّى لاتشتهي فيما بعد على مثال الغني نقطة واحدة منه. لم يسكر أحد من الناس من شرب الماء ولا اصابه صداع بسببه، ولاتعبت رجلاه أو يداه منه أيضاً.

إن عسر الهضم الذي يرافق عادة كثرة الطعام والشراب هو الذي يوّلد أمراض الجسد الصعبة. وجه الصائم محتشم، لونه لايحمر بصورة فاقعة، بل يتزين بلون شاحب يعكس عفة صاحبه. عيناه هادئتان وكذلك مشيته. هو رصين الطلعة لايستجلب الضحك. أقواله متزنة وقلبه نقي. تذكر القديسين القدماء الذين "طافوا هنا وهناك في جلود غنم معوزين مكروبين مذّلين" (الرسالة إلى العبرانيين ١١ ) تمّثل بحياتهم إن أردت أن تشترك في نصيبهم.

ألا تزدري بالمآكل التي بكثرتها تفسد؟ ألا ترغب في مائدة الملكوت التي يهيئها الصوم دائماً في الحياة الحاضرة؟ من الذي، عن طريق كثرة الطعام واستمرار التمتع الجسدي، نال موهبة روحية؟

لقد لجأ موسى إلى الصوم مرة ثانية من أجل تقبّل الوصايا ثانية (خروج ٢٤ ) لو لم يصم أهل نينوى حتَّى مع بهائمهم لما نجوا من وعيد الخراب (يونان ٣) من هم الذين تناثرت أعضاء أجسادهم وعظامهم في الصحراء؟ أليسوا هؤلاء الذين اشتهوا اكل اللحم؟ عندما قنعوا بالمنّ والماء الفائض من الصخرة انتصروا على المصريين وعبروا البحر على اليبس، ولم يكن بينهم ذو عّلة. لكن ما إن اشتهوا اللحوم المطبوخة حتى عادوا إلى مصر ولم يروا أرض الميعاد.

ألا تخشى من التشبه بهم؟ ألا ترعبك شهواتك التي ربما تحرمك من الخيرات السماوية؟ إن كثرة الطعام تجر نوعاً من خيالات تشبه غيوماً سوداء تقطع استنارات الذهن بالروح القدس. إن كان للملائكة طعام فما هو إلا الخبز كما يقول النبي: "أكل الإنسان خبز الملائكة" (مزمور ٧٧) لااللحم، لا الخمر ولا أي شيء آخر يشتهيه ذوو محبة البطن.

الصوم سلاح أمام جنود الشياطين: "لأن هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم" (متى ١٧:٢١). حسناته لا تعدّ. أما نتيجة الشراهة فهي الهلاك، لأن التمتع بالمآكل والسكر وما إليها تجر مباشرة كل نوع من أنواع الخلاعة التي تليق فقط بالبهائم. فالسكر يوّلد في النفس حب التمتع باللذات الجسدية والزنى... بينما الصوم، يساعد حتَّى الزوجين على نوع من الإتزان الجنسي ويحدّ من المبالغة في التمتع الجسدي، مما يساعد كثيراً على الاستمرار في حياة الصلاة.

لكن حسنات الصوم لاتقتصر على الابتعاد عن الأطعمة الشهية، لأن الصوم الحقيقي هو في الابتعاد عن كل شر. الحد من كل عمل ظالم، الابتعاد عن كل ما يحزن الآخر وإعانته في كل ما يحتاج إليه (إشعيا ٥٨:٦). لاتصوموا وأنتم في نزاع مع الآخرين أنت لاتأكل لحماً بل ترغب في مآكل لحم أخيك. تمتنع عن شرب الخمر، لكنك لاتقطع لسانك عن التجديف. تنتظر هبوط الليل لكي تفطر بينما تمضي النهار كله في المحاكم. الويل للسكارى من غير شرب الخمر. الغضب ما هو إلا سكر النفس لأنه يخرج الإنسان عن صوابه كما يفعل به الخمر. الحزن ايضاً نوع من السكر لأنه يظلم الفكر. والخوف أيضاً نوع آخر عندما لا يبرر مصدره. لذلك يقول المزمور: "نج نفسي من خوف العدو" (مزمور ٦٣ ) وبصورة عامة الأهواء النفسية المختلفة التي تسبب اضطراباً للذهن يمكن اعتبارها نوعاً من السكر.

أنظر جيداً إلى الغاضب كيف يصبح من شدة غضبه كالسكران، لا يعود يسيطر على نفسه، لا يلاحظ حاله ويتجاهل وجود الآخرين، كما في حرب ليلة يضرب عشوائياً. يتفوه بكلام غير لائق، يشتم، يضرب، يهدد، يحلف، يصرخ وكأنه على وشك الانفجار. تجنب مثل هذا النوع من السكر كما ولا تسكر أيضاً بالخمر. لا يمكن للسكر أن يكون مقدمة للصوم المبارك كما أن الطمع لا يقود إلى العدالة. كذلك لا تستطيع عن طريق الخلاعة أن تصل إلى العفة ولا عن طريق الرذيلة أن تصل إلى الفضيلة. الصوم له مدخل آخر. السكر يقود إلى الخلاعة، أما القناعة فهي تقود إلى الصوم.

كما أن المتباري يتدرب ويتروض مسبقاً، كذلك الصائم يجب أن يتعفف من قبل. لا تخزّن خمراً في معدتك خلال أيام الفسحة الخمسة وكأنك تريد أن تعادل أيام الصوم وتضحك على صاحب الوصية. إن تعبك سيذهب باط ً لا مجهداً جسدك دون أن تعرض له في أيام الإمساك. تخزن في جرة مثقوبة، يتسرّب منها الخمر ويجري في طريقه، أما الخطيئة فتبقى وحدها في مكانها.

العبد يهرب من سيده عندما يضربه. وأنت تنوي البقاء مع الخمر وهو يضربك كل يوم على رأسك؟ السكر يقود إلى النوم الذي يشبه الموت أو إلى الصحو الذي يشبه الحلم.

أتعلم يا ترى من هو مزمع أن يأتي وتتقبله؟ هو الذي وعدنا بقوله "نأتي أنا وأبي وعنده نصنع منزلاً" (يوحنا ١٤:٢٣). لماذا إذاً تسرع عن طريق السكر وتوصد الباب أمام الرب؟ لماذا تفتح مجالاً للعدو حتَّى يقوّض تحصيناتك؟ أن السكر لا يتقبل الرب. هو يطرد الروح القدس. كما أن الدخان يطرد النمل كذلك تهرب المواهب الروحية من السكر.

 

الخلاصة:

الصوم حشمة المدينة، سكينة الأسواق، سلام العائلات وضمانة لموجوداتنا. أتريد أن تتعرف إلى وقاره؟ قارن بين الليلة الحاضرة والنهار المقبل، تجد كيف أن المدينة تتبدل وتتنقل من السكينة الكلية إلى الضجة والاضطراب.

أرجو أن يتشبه نهار غد باليوم الحاضر من حيث السكينة والوقار دون أن يفقد شيئاً من بهجته. عسى أن يعطينا الرب الذي أهلنا للوصول إلى مثل هذا اليوم ما يهب عادة للمجاهدين الأشداء فإنه بمواظبتنا على الجهاد والصبر سوف يؤهلنا أن ندرك ذلك اليوم الذي يوزع فيه الأكاليل، أن نصل ههنا إلى أيام ذكر آلام الرب وفي الدهر الآتي إلى مجازاتنا حسناً على أعمالنا حسب حكيم المسيح العادل الذي يليق به المجد إلى الأبد.

 

 

أقوال الآباء في الصوم

• مائدة الإنسان الذي يداوم الصلاة هي أحلى من كل عطر المسك وأزكى من أريج الزهر؛ ومحب الله يتوق إليها ككنز فائق القيمة!

خذ لنفسك شفاءً لحياتك من على مائدة الصوَّامين أولئك العمَّالين في الرب، وانهض نفسك من مواتها.

بين هؤلاء يتكئ الحبيب ويقدسهم، محو ً لا مرارة ريقهم إلى حلاوة تفوق حد التعبير، ويجعل السمائيين يعزُّونهم ويقوونهم...

• حينما ينحط الجسد بالأصوام والإماتة تتشدد النفس روحياً في الصلاة.

• الجوع أكبر معين على تهذيب الحواس.

• في بطن امتلأ بالأطعمة لن يوجد مكان لمعرفة أسرار الله.

• كل جهاد ضد الخطيئة وشهواتها يجب أن يبتدئ بالصوم، خصوصاً إذا كان الجهاد بسبب خطية داخلية.

• إذا ابتدأت بالصوم في جهادك الروحي، فقد أظهرت بغضتك للخطية وصرت قريباً من النصرة.

• الصوم هو بداية طريق الله المقدس، وهو صديق ملازم لكل الفضائل.

• الصوم متقدّم على كل الفضائل، بداية المعركة، تاج النصرانية، جمال البتولية، حفظ العفة، أبو الصلاة، نبع الهدوء، معلم السكوت، بشير الخيرات.

• الشيطان يحاول من الابتداء أن يوقف من القلب عمل الصلاة. وبعد ذلك يقترح إهمال المواعيد المخصصة للصلاة والقوانين المحددة للعبادة، ثم يُخضِع الفكر عن ضعف لكي يتذوق قليلاً من الطعام قبل ميعاده مع إهمال أشياء أخرى بسيطة... ولكن كل هذا يسهِّل قيام شهواتنا مرة أخرى.

• إن أول وصية وُضِعت على طبيعتنا في البداءة كانت ضد تذوّق الطعام، ومن هذه النقطة سقط رئيس جنسنا، لذلك فإن أولئك يجاهدون من أجل خوف الله يجب أن يبدأوا البناء من حيث كانت أول ضربة.

مخلصنا الصالح حينما أظهر نفسه للعالم عند الأردن ابتدأ من هذه النقطة، فحينما اعتمد، قاده الروح إلى البرية مباشرة فصام أربعين يوماً وأربعين ليلة؛ وكل الذين يريدون أن يتبعوا خطواته يجب أن يضعوا أساس جهادهم على نموذج عمله.

هذا السلاح "الصوم" قد صقله الله فمن ذا الذي يجترئ على احتقاره؟

إن كان معطي الناموس قد صام بنفسه فكيف لا نصوم نحن الذين وُضِع الناموس من أجلنا؟

• بسلاح الصوم نال جميع القديسين الأتقياء إكليل النصرة على أعدائهم! لأنه أثناء الصوم يكون العقل مستعداً أن يحتمل أشد الضربات وأسوأ الحوادث المفائجة دون أن يهتز.

• يُقال بخصوص الشهداء إنهم حينما كان يبلغهم خبر اليوم الذي سينالون فيه إكليلهم إما بإعلان روحي أو بواسطة أحد أصدقائهم، كانوا لا يذوقون شيئاً البتة في الليلة السابقة ولا يتناولون طعاماً ما ولكنهم ينتصبون من المساء حتَّى الفجر في الصلاة متيقظين في شكر وحمد، بتراتيل وتماجيد وتسابيح وألحان روحية شجية، مسرورين منتعشين مترقبين هذه اللحظة كما يشتاق الناس إلى دخول بيت العرس. يتوقون وهم صائمون إلى ضربة السيف ليُكّللوا بإكليل الشهادة.

• نحن أيضاًيها الإخوة يجب أن نكون هكذا على الدوام مستعدين، متوقعين الشهادة الخفية ونوال إكليل الطهارة. القديس اسحق السوري

• تأكد تماماً أن العدو يهاجم القلب عن طريق امتلاء البطن. القديس يوحنا كرونستادت

• إنه أمر عجيب فبينما نهتم بصحتنا ونكثر من اعتنائنا بأنفسنا ومن تناول الطعام الشهي المفيد للصحة ونختار الشراب الصافي ونتنزه في الهواء الطلق، نجد أنفسنا في النهاية معرَّضين للأمراض والأوجاع، مع أن القديسين الذين احتقروا أجسادهم وأماتوها بالعمل والصلاة الدائمة كانوا أكثر صحة وسلامة! وبينما أجسادنا المعتنى بها تفسد وتنتن وتنبعث منها رائحة كريهة بعد الوفاة، إذ بأجساد هؤلاء القديسين المهملة عندهم والمزدرى بها جداً تبقى عطرة وتفوح منها روائح زكية حتَّى بعد الوفاة! إنه أمر عجيب حقاً، إذ بينما نظهر كأننا نبني نهدم دون أن ندري، وبينما هم يهدمون، نجدهم : بالعقل يبنون! "من وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها." (مت ١٠:٣٩).

• إننا لا نخشى عدواً خارجياً، لأن عدونا هو داخلنا، وكل يوم تقوم الحرب داخلنا بنا وعلينا. فإذا كنا منتصرين فيها كجنود للمسيح تهون علينا كل الأمور الخارجية ويعم السلام، وتخضع كل حواسنا لنا، وحينئذ لا نخشى عدواً من الخارج إذا ما كان الداخل مُخضَعاً لنا ومغلوباً لإرادتنا.

وليتنا لا نعتقد أن الصوم الخارجي عن الطعام وحده يكفي لكمال وسلامة القلب ونقاوة الجسد إلا إذا كان يعينه من الداخل صيام النفس، لأن النفس لها أيضاً أنواع خطيرة من الطعام، فإذا ما اعتادت عليها هوت إلى مهاوي الُفجر والضلال. فالنميمة وحِدَّة الغضب والغيرة والحسد والبغضة هذه أطعمة الشقاوة التي تورد النفس إلى الهلاك.

كذلك كل شهوة وطياشة منحرفة للقلب ُتعتبر طعاماً للنفس تغذيها كما من لحم فاسد ثم تتركها بعد ذلك بلا نصيب في الخبز السمائي. فإذا كنا نوقف كل قوانا للامتناع عن كل هذه بصوم مقدس شديد مع مراعاة الصوم الجسدي، حينئذ يصير الجسد مع النفس ذبيحة مقبولة والقلب مكاناً طاهراً للقداسة.

أما إذا كنا نصوم بالنسبة للجسد فحسب ونحن مقيدون بخطايا ورذائل نفسية معيبة، فلن يفيدنا توضيعنا للجسد شيئاً طالما أن الجزء المهم فينا متدنس.

علينا إذن حينما يكون إنساننا الخارجي صائماً أن نضبط الإنسان الداخلي ونمنعه من كل طعام يفسده، فإن هذا الإنسان الداخلي هو هو الذي يحثنا الرسول أن نقدمه طاهراً أمام الله قبل كل شيء حتَّى يكون أهلاً لحلول السيِّد المسيح فيه. القديس كاسيانوس الرومي

• إن كنت عاهدت المسيح أن تسلك الطريق الضيقة فضيِّق بطنك أولاً، لأن البطن العريض الواسع يستحيل أن يسير في طريق الرب الضيقة، فإذا اتسعت بطنك بعد ضيق فقد خالفت عهودك.

• إذا تناولت الكأس لتشرب فاذكر الخل والمرارة اللتين شربهما يسوع من أجلك وبذلك تضبط نفسك. القديس يوحنا السلّمي

• إن كنا لا نستطيع أن نصوم إلى العشاء فلنشارك الضعفاء ونصوم إلى التاسعة أو إلى نصف النهار على الأقل، وإنما لا نأكل من باكر وهذا لا يحتاج إلى قوة جسد. القديس اسحق السوري

• رأيت في زماننا هذا عوائد ذميمة قد تأصلت في المسيحيين، إذا رأيت الشعب وحتى بعض الكهنة يحلون رباط الصوم الذي فرضه الروح القدس على الكنيسة، أعني صوم الأربعاء والجمعة والأربعين المقدسة والميلاد والرسل والعذراء. يقومون باكراً في الصباح ويستعملون "شرب الدخان". والقهوة متخذين في ذلك عللاً فارغة: واحد يقول إذا لم أشرب القهوة لا أعرف أن أرفع رأسي، وآخر يقول إذا لم أشرب القهوة لا أستطيع أن أفتح عيني، وآخر يقول إن الدخان يطرد البلغم من على قلبي (أي من صدري). وآخر يقول إذا لم أشرب الدخان لا أعرف أن أقضي حاجة الطبيعة، يا لها من ارتباطات فارغة ارتبط بها هؤلاء الأشقياء، فحُرموا من نعمة الحياة المسيحية المتحررة من كل ارتباطات الخطية والجسد: "لا تملكنَّ الخطية في جسدكم" (رو ٦:١٢).

وأنتم يا أولادنا المسيحيين وبالأكثر يا رؤساء الشعب والأراخنة، فليترك كل واحد منكم عادته الرديئة التي تعطل صومه، أي شرب القهوة والدخان في الصباح، وثابروا على الصوم والتجلُّد ولو كان فيه تعب لكم، فتعب هذا الدهر لا يساوي المجد المزمع أن يوهب لنا.

والإنجيل يقول: "من لا يحمل صليبه ويتبعني فلا يستحقني"، وحمل الصليب يشمل تعب الصوم، لأن الصوم يذلل النفس الحيوانية فتموت وُتصلب الشهوات. وبذلك تطهر النفس العقلية وتنبت لها أجنحة روحانية.

• لا تصُمْ بالخبز والملح وأنت تأكل لحوم الناس بالدينونة والمذمة. لا تقل أنا صائم صوماً "نظيفاً" وأنت متسخ بكل الذنوب.

إن أردت أن تصوم صوماً نظيفاً تعال وأنا أريك كيف يكون: خذ لك مرشداً حكيماً، وإذا أمرك بالصوم فاغسل وجهك وادهن رأسك ولا تظهر للناس صائماً فيضيع أجرك من مديحهم. لا تصوِّم فمك من الأطعمة ولسانك يأكل في أعراض الناس! لا تفتخر على غير الصائمين. واضبط لسانك من الكذب والحلفان وذم الناس والإفتراء عليهم في غيابهم أو حضورهم، ولا تضرب الواحد بالآخر وتقف كمُصالِح بينهما.

صوِّم يدك وعينك وإذنك من كل أمر قبيح يُغضب الله وحينئذ يكون صومك نظيفاً!!

• لا تدقق في صوم وتتهاون في آخر، لأني رأيت كثيرين يفطرون الأربعين المقدسة وفي صوم العذراء يصومون صياماً فائقاً عن وضع الكنيسة بأهوية قلوبهم وبدون مشورة معلمي البيعة. الأنبا يوساب الأبح