|
||
|
||
|
لمعنى لفظة "ثمر" تضادّ واضح في أدب العهد الجديد. فهي، من جهة، تدلّ على السيد يسوع الذي يشعّ في مواقف تلاميذه الملتزمين مضمون الرسالة المخلّصة، وتشير، من جهة ثانية، إلى ما يخالف الرب ومشيئته. كلام متى "من ثمارهم تعرفونهم" الوارد في خطبة الجبل (7: 16)، يدل عموما على الأنبياء الكذبة، وهو يشير، في سياق النص، الى الفريسيين والكتبة الذين حاربوا يسوع ولم يقبلوا بتعاليمه، وذلك أن رفضهم له ولرسالته هو ثمرهم الذي يدل على خبثهم. لا شك أن المسيحية المثمرة هي -في تحديدها الأخير- التصاقٌ بيسوع وارتضاؤه على فرادته. هي، ليست كما يُشيّع هنا وثمة، ديانة أخلاق ووصايا وشرائع. انها، بلا ريب، تحتوي على شرائع ووصايا وتفترض أخلاقا. غير ان المسيحيين الحقيقيين، وإن تزيّنوا بالأخلاق الحسنة، يتميّزون بأنهم يأتون من يسوع وحده، هو كل شيء بالنسبة اليهم حاضرا في كل ما يقولون ويعملون. ولذلك فإن الاتحاد به، عن طريق الالتزام بفضائله، يُخصبهم، وفق قوله المبارك: "انا الكرمة الحقيقية وابي الكَرّام. كل عصن فيّ لا يأتي بثمر ينزعه، وكل ما يأتي بثمر يُنقّيه ليأتي بثمر اكثر" (يوحنا 15 :1و2) .1و2) . في الرسالة الى كنيسة غلاطية يعرض الرسول على قرائه قائمة مؤلفة من تسع فضائل، يُطلق عليها اسم "ثمر الروح"، وهي: "محبة، فرح، سلام، طول الأناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف" (5: 22). ونرى أن بولس يقابل بين مضمون هذه القائمة وبين ما يناقضها من رذائل سبق وأدرجها في قائمة في الإصحاح عينه، حيث قال: "وأعمال الجسد ظاهرة التي هي: زنى، عهارة، نجاسة، دعارة، عبادة الاوثان، سِحْر، عداوة، خصام، غيرة، سخط، تحزّب، شقاق، بدعة، حسد، قتل، سُكْر، بطر"، ويتابع بقسوة تبطلها قداسة الملتزمين حق الإنجيل: "إن الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله" (19-21)، فنفهم أن ثمر الروح، الذي ضده "ليس ناموس"، هو الذي يقي الناس من التهديد الصريح الذي أطلقه الرسول في نهاية تعداد قائمة "اعمال الجسد" الذي سيكشف عن حقيقته الرب في اليوم المنتظر. نلاحظ، في القائمة المسمّاة "ثمر الروح"، تصدر "المحبة" وكونها نبعا تنحدر منه باقي الفضائل. وذلك انها الموهبة العظمى التي تكوّن الجماعة الجديدة وتبقيها واحدا في المسيح، والتي كل شيء دونها لا يجدي نفعا، كما أوحى الرسول في موضع آخر (1كورنثوس 13). هذا ما أكده بعض أهل الاختصاص في التفسير الكتابي اذ رأوا أن المقصود بثمر الروح -وليس ثمار الروح- المحبةُ حصرا، وأكدوا أن ما بعدها علامات لسيادتها ("فرح وسلام")، وبعض مظاهرها ("طول أناة، لطف وصلاح") وشروط نشأتها ونموها ("ايمان وداعة وتعفف"). تسلِّط هذه الفضائل، اذاً، الضوء على الطابع الجديد للحياة الجماعية. الفرح والسلام يتبعان المحبة، ومع كونهما فضيلتين تختصان بالزمن الأخير يدعونا بولس الى أن نطلبهما ونسعى في إثرهما الآن وهنا. فالفرح، وهو المكافأة العظمى، يعطيه الله للذين يُخْلِصون له ويثبتون في محبته، واما السلام -وهو لا يتعلق بوضع بلد ما وسلامة أمنه او انتفاء الحروب- فيدل على حضور الروح وعمله في النفوس التواقة الى الرؤية. وهو سلام بين أعضاء الكنيسة يتمّمه الله مع الانسان في المسيح يسوع (رومية 5 :1) ويمنحه لكنيسته (غلاطية 6: 16) . الفضائل التي تلي الفضائل الثلاثة الاولى هي، كما قلنا، ترجمة لسابقاتها. فطول الأناة (الصبر) واللطف فضيلتان غالبا ما نجدهما متلازمتين في كتابات بولس (رومية 2: 4؛ 2كورنثوس 6: 6)، فهما أساسيتان في حياة الجماعة، زرعهما يسوع في علاقته مع الناس، وذلك انه امتاز بصبره عليهم، وخصوصا على الخطأة منهم، وبلطفه بهم. ونرى انه لا يمنع نفسه من أن يدعو العشارين والخطأة الى أن يتبعوه، وهو يرتضي دعوة حُثالة القوم والمنبوذين فيُشاركهم في موائدهم، ويبرّرهم في توبتهم، ويدافع عنهم، ويوبّخ الذين ينتقدونه على صلاحه هذا ويدين شرّهم... الصلاح مثل اللطف ومشتقاته يختص اولاً بالله. يقول يسوع لواحد جاء يسأله عن الحياة الأبدية: "ليس أحد صالحا الا واحد وهو الله"، بيد أن قارئ المقطع كله (متى 19: 16-22) يدرك أن يسوع الذي لم ينفِ صفة الصلاح عن نفسه، يكشف، في جوابه، الطريق الذي يؤدي اليه (الكمال)، ويطلب من الناس أن يسيروا فيه، اذ قال للرجل "إن أردتَ أن تكون كاملا فاذهب وبع أملاكك وأعطِ الفقراء... وتعال اتبعْني". كل هذا يجعلنا نعتقد بأن هذه الفضائل، وإن بدت صعبة، يطلبها الله من الذين قرروا بحريتهم أن يكونوا شبيهين بابنه. ولا ننسى انها "ثمر الروح"، وهذا يعني أن روح الله هو الذي يمكّن الذين أَسلموا اليه، أحرارا، حياتَهم، من أن يتمّوها، اذ يبعد عنهم كل وهم وتقاعس وينقلهم من كل سطحية في الالتزام. الايمان هو أصل المحبة (5 :6)، وهو يكفي وحده دون أعمال الشريعة القديمة لنُقْبَلَ مع المسيح ونُخْلِص له، واما الوداعة فتذكّرنا بوصية السيد ودعوته لنا الى التشبّه به (متى 11 :29)، فهو الوديع والمتواضع القلب الذي يهدي الى الراحة كل من أتعبه ظلم هذا العالم. الفضيلة الاخيرة، في قول بولس، هي التعفف (ضبط النفس)، وهي أرقى الفضائل في العالم اليوناني القديم، ويطلبها الرسول من المؤمنين في آخر هذه القائمة، لما لها من دلالة على سيادة الله على النفس. الالتزام بهذه الفضائل وتجسيدها هو التعبير الأمثل على اننا مع المسيح وفيه. فالكنيسة لا تعبّر عنها -كليا- الفصاحة ولا المؤسسات او التنظيم...، ولكن المتقبّلون زرع الروح المثمرون بالقداسة هم صوت الله الحقيقي وبناؤه الشامخ الذي ينطح السماء. |
||