التوبة جدّة وديمومة

 

التوبة لفظ يدّل, في أصله اليوناني, على تغيير الذهن والحياة تغييراً كاملاً. أن يتوب الإنسان يعني أن يترك نهائياً طريق الشر, ويقبل يسوع ربّا ومخلّصا, ويعمل – بإخلاصه لمقتضيات خياره الجديد – على تنقية ذاته وتجديدها في كل يوم.

قد يعيق قبولَ هذا التعريف واقعٌ تشوّهت فيه المسلَّمة, حتى جاز القول إن الناس, على العموم, بلا تراث, أو إن أفكارهم المشوّهة باتت هي تراثهم. فهم ما عادوا يشعرون بألم الخطيئة. ويرتكبونها عن سابق إصرار وتصميم. ويبرّرنها. ويهملون متطلّبات الله الذي يكره الشرور ويدينها, ويدّعون إنهم يحبّونه ويؤمنون به.

هذا, للأسف, هو حال الذين يتعدّون الناموس بلا وعي ويقيسون برّهم على تقديراتهم الشخصية, أو على خطايا غيرهم. فترى, على سبيل المثال, أن مَن يكذب (أو يسرق أو يزني...) يعذر نفسه لكون هذه الآفة معمّمة. وإن كان هو على شيء من الخُلق ينادي بتقواه, ويعتبر أن هفواته "البسيطة" (مثلا: إنه يكذب في بعض الأحيان, أو يهمل صلوات الكنيسة...) لا تعطّل برّا يراه في ذاته, وتفسّره أخلاقه أو حسنات أخرى فيه, لا بد, برأيه, أن يمتدحها الله في ذلك اليوم المنتظَر.

ما يجب أن نعرفه, في هذا السياق, أن أعظم الخطايا, على الإطلاق, أن يرى الإنسان نفسه حلواً في عيني ذاته, وأن يبرّر آثامه. فمن يتعدّى وصيّة الصدق, على سبيل المثال, وهو, بتقديره, يلتزم بالوصايا الباقيات, لا يفعل إثما ضدّ وصيّة واحدة, وإنما خطأه, بالتحديد, أنه يفعل الشر أمام عيني الله اليقظتَيْن, أو أنه يتجاهل الله الحاضر في كل مكان وزمان, وهو, تاليا, يتعدّى الناموس كلّه. ولهذا لا ينفع مَن حاول أن ينتهج البِِرّ مسلكاً أن يطيع وصايا عدّة ويخالف ما يدّعي أن ضعفه لا يسمح له بطاعته, كأن ثمة عوامل خارجية هي التي تجعله يسقط في بعضها, وهي ذاتها تساعده في البعض الآخر. منطق العدد في حفظ الوصايا, أو بعضها, ليس منطقا إنجيليا. يقول الرسول: "فإذا عملتم بالشريعة السامية التي نصَّ عليها الكتاب, وهي: أَحببْ قريبك حبّك لنفسك, تُحسنون عملا. وأما إذا راعيتم الأشخاص فترتكبون خطية وتُثْبِتُ الشريعةُ عليكم إنكم من المخالفين. فمَن حفظ الشريعة كلها وزلّ في أمر واحد منها أخطأ بها جميعا..." (يعقوب 2: 8 – 13).

لنأخذ مثلا من الحياة: إنْ طلب منك ابنُكَ, مثلا, سيّارتكَ ليذهب إلى أنطلياس, وأنت تسكن في منطقة الدورة, واستقلّها وذهب بها إلى طرابلس, لا تلومه أنت – أو هكذا يجب – إنْ عرفتَ مخالفته, لأنه أخذ السيارة مسافة أبعد من المسافة التي صرّح لك بها, وإنما لأنه خالف كلمتك ونسيك, أو اعتبرك – وهو يقود سيارتك إلى حيث يريد – أنك غير موجود. وهنا تمكن الأزمة, أو الخطر الحقيقي, إذا ما ارتكبنا أيّا ممّا نهانا الرب عنه.

لمّا قال الربّ: "إذا أَحبّني أحدٌ حفظَ كلامي" (يوحنا 14: 23), أقفل الباب على كل تبرير ممكن أن يطرق على بال بشر, فحفظُ الشريعة, كل الشريعة, هو العلامة على أننا نحب الله ونؤمن بوجوده, وليس بعد هذا كلام. ولا يخفى أن هذه الرصانة, في العلاقة مع الله, هي التي دفعت الكنيسة منذ أقدم العصور إلى أن تعاقب الذين يسقطون في الخطيئة (وبخاصة: خطيئة الزنى والقتل والجحود), إذ إنها كانت تفصلهم عن شركة الكنيسة(أي كانت تمنعهم من الاشتراك في الأسرار المقدّسة) مدّة كانت تصل, في بعض الأحيان, إلى خمس عشرة سنة (قوانين القديس باسيليوس الكبير). وذلك أن من ارتكب إثما لا يمكنه أن يشهد بأنه يحبّ الله حقا, وتالياً لا يمكنه أن يكون شريك المائدة التي أعدّها الله للذين أَخلصوا له الودّ, ولا أن يعمل على " بنيان الجسد " (الكنيسة). الخطيئة تعطّل المعمودية التي هي الموقف الأخير الذي يأخذه، على عاتقه, بجدية كلّية, كلُّ إنسان وُلِدَ جديدا, ويقول فيه, في هذا العالم الرديء، انتقالَهُ من الموت إلى الحياة. وهذا يفترض أن يرفض رفضا كلّيا ما يميته, وأعني الخطيئة. كيف يموت (يخطئ) الحيّ (المعمّد)، بعد أن أُقيم من الموت؟ ذاك كان موقف الذين ذاقوا الحب والقداسة بعد أن استعدّوا لها سنوات طويلة. فالمعمودية ليست" ماء "، وإنما موافقة المسيح مَلِكاً وإلهاً أي سيداً على تفاصيل الحياةِ كلِّ الحياة.

ولعلّه من الأهميّة بمكان أن نذكر أن الشهادات القديمة التي تؤكد أن الخلاص الذي أُعطيناه مجانا, في المعمودية, هو مسؤوليتنا الشخصية التي وجب علينا أن نحفظها بمحبتنا لله ووفائنا لإيماننا وترسُّخنا بمواعيده، هي كثيرة جدا. نقرأ في الرسالة إلى العبرانيين: "فالذين تلقّوا النور مرة وذاقوا الهبة السماويّة وصاروا مشاركين في الروح القدس, وذاقوا كلمة الله الطيبة وقوى العالم المقبل, إذا سقطوا (في خطيئة) مع ذلك, يستحيل تجديدهم وإعادتهم إلى التوبة لأنهم يًصلبون ابن الله ثانيةً لخُسرانهم ويشهِّرونه " (6: 4-6). هذا الموقف الذي يفسِّر ذاته امتدّ في سلوك الآباء الأولين وكتاباتهم, أمثال: هرماس الراعي, وترتليانوس القرطاجي والقديس إيريناوس أسقف ليون, وكثيرين غيرهم....

لا مسيحية من دون حبّ وإخلاص كاملَيْن لذاك الذي حرّرَنا من الخطيئة والموت. من لا يتوب حقاً عن إثم, أي من لا يرفض كل عتيق في حياته, يتوهّم أنه مسيحي. هذا هو مسعى الأبرار الذين يضعون رجاءهم على الرب الذي قال: " تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم " (متى 11: 28). فمَن غلب العالم قادر وحده على أن يحيي الخطأة ويديم جدّتهم. فلنثق به.