|
||
|
||
|
في حضارة التفاخر وتمجيد الذات يأتي الكلام في التواضع غريبا عن الأذن للسامع وبعيدا عن العقل للقارىء. الا أن هذا العجيب الإلهي(التواضع)لا يمكن ادراكه بالكلام, وقد قال فيه القديس يوحنا كاتب سلّم الفضائل: "انه نعمة للنفس ليس لها اسم يعبّر عنها الا بالخبرة". ذلك أن المسيحية هي قبول المسيح وفعله في الحياة, ويتدرج المسيحي في هذا القبول, يوما بعد يوم, لكي يفهم حضور الله على قدر ما يُعطى له ويرتضيه بحب وطاعة كلّيين. الآباء القديسون ذكروا بعض ما ينشىء التواضع فقالوا عنه مثلا: هو أن يعتبر الانسان نفسه خاطئا وادنى من الكل, وأن يقرّ بأن ما لديه من خير قد ناله من الله. وقالوا هو أن يصلي الانسان باستمرار, وايضا هو أن يخدم الناس بفرح. في العظة على الجبل يطوّب الرب المساكين والودعاء ويقول انهم يرثون الارض(متى 5: 3 – 4), وهذا يعني انهم يرثون كل شيء(الملكوت). ذلك أن الودعاء والمتواضعين, الذين هم إطلالة السيد المبارَك في العالم, لكونهم يتخشعون امام الله دائما ويفتقرون اليه, يرفعهم هو ويملأهم من حضوره, فلا تستطيع بعد أن تزعزعهم "صدمات المارد(الشيطان) ابداً" وهذا يعني أن العالم لا يستطيع أن يغلبهم.لذلك هم يرثون الملكوت, المقصود انهم يغلبون فيرثون. في كتابات اغسطينوس المغبوط التواضع هو "علامة المسيح" وايضا هو "المحبة". واذا تتبّعنا تعاليم القديس اسحاق السرياني نجد أن التواضع عنده هو " قبل الموهبة", لانه خزانة المواهب, اوكما يسميه افراهات الحكيم الفارسي(+ 345) هو " مسكن البرّ". فالله الذي "يُطلع شمسه على الاشرار والاخيار، ويُنزل المطر على الابرار والفجّار(متى 5: 45) من دون أن يفرّق بينهم, تَثْبُتُ عطاياه في الذين حازوا على التواضع لأنهم يحيون بسبب هذه النِعم ومن اجلها, وهم وحدهم يعرفون ان يشكروا الله ويمجدوه في كل ما يقولون او يعملون. الا أن الله يرى المتواضعين (لوقا 1: 48) ويحب الخطأة والعشارين ويُجالسهم (متى 9: 9- 13، ولوقا 15: 1-2)حتى يتمكنوا من أن يتوبوا ويتطهروا, هو نفسه يقاوم المتكبرين الذين "يعرِّضون عصائبهم ويطوّلون أهدابهم ويحبّون المقعد الاول في المآدب, وصدور المجالس في المجامع, وتلقِّي التحيات في الساحات، وأن يدعوهم الناس رابّي (سيّدي) " (متى 23: 5-7). جمع القديس يوحنا السلّمي بين التواضع واستقامة الرأي, واعتبر أن المؤمنين الأتقياء يبلغون الى التواضع اذا تطهروا من خطاياهم, وهذا يستدعي بآن معرفة النفس وضعفاتها معرفة دقيقة وقبول كلمة الله بكامل متطلباتها. لقد فسّر الآباء القديسون " الخد الآخر " في كلام يسوع:" من لطمك على خدك الأيمن، فاعرض له الآخَر" (متى 5: 39)، بأنه القلب من الداخل. واوصى القديس انطونيوس الكبير بانه: " اذا اتهمك انسان من الخارج فاتهم انت نفسك من الداخل, لكي يكون هناك توافق بين الداخل والخارج لئلا تتعب". المتواضع يعرف حقيقة نفسه من داخلها، ولذلك لا يدين احدا ولا يحكم سوى على نفسه, لأنه يرى الله الذي يكشف له عيوبه, وهو تاليا يميز بين الناس وبين ما يرتكبون من خطايا, فيحب الناس من دون أن يحب اعمالهم الشريرة. وفي ما هو يرأف بالآخرين يحضّهم مما اكتسب من وداعة, على ترك عيوبهم واضعا نفسه تحت القسوة, ويصلي الى الرب أن يغفر له زلاته وأن يحميه من الكبرياء. كل من ابتعد عن الله يوجد في عيني نفسه, الا أن الله اذا أعلن بهاءه يتصاغر الانسان ويطلب الخلاص. لقد أظهر الرب نفسه لابراهيم فأدرك انه تراب ورماد (تكوين 18: 27)، وعندما رأى موسى مجد الرب خاف وارتعد (خروج 3: 6)، وصرخ اشعيا قُبَيْل دعوته: " ويل لي لقد هلكت" (6: 5)...واما بطرس الرسول فبعد أن رأى مجد يسوع ارتمى عند ركبتيه وهتف قائلا: " يا رب تباعد عني، اني رجل خاطىء (لوقا 5: 8). امام بهاء الاله الحقيقي يرى المتواضع نفسه صغيرا, بينما المتكبر هو عابدُ وثنٍ لأنه يؤلِّه نفسه وشهواتها. ولكي تتحطم الاوثان في الانسان لا سبيل له الا بملاقاة الله والتأمل في أحكامه. فالله هو " الوديع والمتواضع القلب" (متى 11: 29). ومعه نجد الراحة لنفوسنا, وقد قال لأخصائه: " تعلموا مني" اي من سكناي وإشراقي وفعلي فيكم, كما يعبّر القديس يوحنا السلّمي. فاذا سكن الله وأشرق وفعل فينا تتحطم الاوثان ولا تنجرح نفوسنا ولكنها تشفى وتمتلىء رجاء بالرب. |
||