العموديّون

 

          تحتفل الكنيسة في الأوّل من أيلول بتذكار القدّيس سمعان الكبير (389-459) الذي ابتكر نمطاً جديداً من النسك هو النسك بين الناس على رأس عمود،  ليكون قريباً من الله ومن الناس معاً، ووسيطاً بين السماء والأرض. ونسبةً إلى هذا النمط من النسك لقِّب سمعان الكبير بالعموديّ. وقد اقتدى الكثير من النسّاك بطريقة سمعان في العيش على رأس عمود، فلقِّبوا بالعموديّين. وكان العمود على العموم تابعاً لدير، فإذا توفّي العموديّ، اعتلى العمود ناسكٌ من ذلك الدير، وكان بين العموديّ وديره علاقة وثيقة لا تنقطع باعتلائه العمود.

          عاش سمعان في شمال سوريا على بعد حوالى خمسين كيلومتراً من مدينة أنطاكية على رأس عمود بلغ ارتفاعه رتفاعه 16 متراً، فقضى عليه 37 عاماً، أي أكثر من نصف حياته التي بلغت سبعين عاماً. وما زالت آثار العمود ماثلة إلى اليوم في المكان المعروف بـ"قلعة سمعان"، حيث شيِّدت كنيسة أطلِق اسمه عليها. وخلال جهاده النسكيّ، تحدّى القدّيس الكبير أشدّ قوى الطبيعة قسوة على الإنسان، مقاوماً لهيب الشمس في الصيف والبرد القارس في الشتاء. واقتدى به مئات الشبّان فارتفعت الأعمدة في جوار حلب وأنطاكية، وعلى ضفاف نهرَي الفرات والعاصي، وفي العراق ولبنان وفلسطين والقسطنطينيّة وروسيا وجورجيا وغيرها حتّى القرن التاسع عشر.

          كان القدّيس دانيال العموديّ (409-493) أوّل مَن اقتفى أثر سمعان فصار عموديّاً. فاعتلى عموداً في منطقة البوسفور الأوروبيّة وعاش عليه حوالى أربعين عاماً. تعيّد الكنيسة ذكراه في 11 كانون الأوّل. وقد ذُكر في بعض المراجع التاريخيّة أنّ عمود دانيال كان لا يزال قائماً في آخر القرن الميلاديّ العاشر. ونقش أحد الذين كرّموا القدّيس دانيال هذه الكتابة في عموده، ليخلّد ذكره: "بين السماء والأرض وقف رجلٌ لا يخاف الأرياح التي تهبّ من كلّ جهة، واسمه دانيال". إنّ هذا القول يصحّ في كلّ عموديّ.

          واشتهر أيضاً من العموديّين القدّيس سمعان الذي من الجبل العجيب (517-592) بالقرب من أنطاكية، وسمّي كذلك لأنّه عاش على عمود في ذلك الجبل مدّة 45 عاماً. كما عُرف باسم سمعان البحريّ لأنّ عموده كان مشرفاً على البحر، عند مصبّ نهر العاصي في البحر، في المنطقة المسمّاة السويديّة في أيّامنا. تحتفل الكنيسة بذكراه في 24 أيّار. ويُنسب إليه نحو ثلاثين عظة أو مقال في التقشّف، ورسائل وأناشيد. وقد استشهد القدّيس  يوحنا الدمشقي (+750) بنصّ من العظة الثامنة المنسوبة إلى سمعان العظيم في الكلام على الأيقونات وإكرامها.

          كان العموديّون رجال الله، أبراراً، أتقياء. ولكنّهم لم يكونوا أصحاب ثقافة عالية، ما عدا القلّة منهم. واشتهر من المثقّفين العموديّ يوحنّا الأتاربيّ (+737) من قرية أتارب بالقرب من مدينة حلب السوريّة. كان يوحنّا يتقن السريانيّة والعربيّة التي أصبحت اللغة الرسميّة للبلاد. ويروى أنّ الشمّاس الذي كان يخدمه كان يضع في سلّته قليلاً من الخبز والزيتون، وكثيراً من الورق وكتب الخطّ الضخمة التي يحتاج    إليها يوحنّا، فيرفع السلّة بالحبل فيأخذ ما فيها، ويقضي وقته في الصلاة والمطالعة والتأليف. هكذا أصبح رأس عموده اشبه بمكتبة تزخر بالمعارف اللاهوتيّة والروحيّة والتاريخيّة، وتفسير الكتاب المقدّس، وأقوال آباء الكنيسة الأقدمين.

          هناك عموديّون لا نعرف عنهم إلاّ شيئاً يسيراً. وهناك مَن لا نعرف إلاّ اسمه، بل هناك مَن لا نعرف سوى العمود الذي عاش في ذروته، عثر عليه علماء وهواة الآثار ولم يهتدوا إلى اسم صاحبه، ولا الزمن الذي عاش فيه. وثمّة في سوريا الكثير من الأديار التي يقال لها "دير العمود" ومنها دير في الرقّة على الفرات، إحياء لذكرى العموديّ الذي كان ينتسب إليه. ولم يقتصر العموديّون على الرجال فقط، فقد ذكر المؤرّخون أنّ امرأتين عاموديتين عاشتا في القرن الحادي عشر، الواحدة منهما بالقرب من البحر الأسود واسمها مريم، والأخرى اسمها مجهول.

          كتب مؤرّخ قديم: "عاش العموديّ مثل ملاك في جسم قابل للموت، وخالف قوانين الطبيعة التي تجذب الأجسام إلى الأرض، فارتفع بين الأرض والسماء". صعد سمعان الكبير العمود ليحثّ الناس على النظر إلى السماء، فلا يكتفوا في حياتهم بالنظر إلى الأرض، من دون أن يزدروها. ونصب كلّ من العموديّين عموده عند مفارق الطرق، لكي يجلبوا الناس، فيلقوا إليهم كلام الربّ، ويهدوهم إلى الإيمان. فسمعان الكبير نصب عموده بالقرب من طريق يمرّ به كثير من التجّار والمسافرين في شمال سوريا. فصارت الأعمدة منائر الإيمان، كما قال المؤرّخ الكنسيّ الشهير ثيوذوريطس.

          لقد قضى العموديّون أكثر وقتهم في الصلاة والصوم، وفرضوا على أنفسهم وأجسادهم أشدّ التقشّف والزهد، فلم يأكلوا ويشربوا ويناموا إلاّ قليلاً، وتحمّلوا الحرّ الشديد والبرد القارس. وكأنّ لسان حالهم ينطبق مع ما قاله القدّيس بولس الرسول في رسالته الثانية إلى أهل كورنثس: "إنّ الشدّة الخفيفة التي نحن فيها تُعدّ لنا قدراً عظيماً من المجد الأبديّ الذي لا حدّ له، لأنّنا لا ننظر إلى ما يُرى، بل إلى ما لا يُرى. فالذي يُرى، إنّما هو إلى حين، وأمّا الذي لا يُرى فهو للأبد" (4 :17-18).