الشهادة

 

شَهِد، يشهد تعني بآن معا الشاهد امام المحكمة وذاك الذي بذل دمه في سبيل المسيح. الشاهد والشهيد واحد بالعربية. ذلك ان الهدف من الكلمة او البشارة ومن الموت واحد. هي قضية حب ليسوع تدفعك ان تتكلم عنه او ان تموت في سبيله. ما سمعته ورأيته في روحك تؤديه امام محكمة العالم. الشهادة الاولى البشارة وهي قدرة الله. هي ممكنة بقوة الروح القدس الذي فيك. هي ليست بكلام "تعلّمه الحكمة البشرية بل بكلام يعلّمه الروح القدس". لا شك ان الروح الذي يحمله المبشّر ينتقل الى السامع بالكلمة. انها كلمة الله التي يحتاج الانسان الى الروح الالهي ليفهمها والى هذا الروح اياه لينقلها. فالكلمة الالهية فينا تكون باردة حتى التفاهة او حارة والنار تضرم القلوب. هذا الذي يجعل في الآخرين حرارة هو الشاهد لله. بهذا الانسان نعرف ان الله ليس خالقا بعيدا يقبع في السماء ولكنه قريب يدنو منا كل يوم ويدنينا منه.

ففي الكنيسة مقام كبير للمتكلّم بالله ولا يتكلّم حقيقة به الا اذا كان حارّا في الروح. "فاللاهوتيّ من صلّى وكل من صلّى لاهوتيّ" (إفَغْريوس البنطسي).

انه من الشهادة ان ينكب الانسان على دراسة اللاهوت أكان هذا في معهد ام في مطالعة الكتب والنشرات الدينية ام في استماع واعظ كبير. هذه مواد يحييها فينا الروح القدوس وينقلها الى الناس.

كذلك الذين يذهبون الى الكنيسة ليجتمعوا فيها بالمحبة فإنهم يؤدون شهادة كبرى في هذا المجتمع الارثوذكسي الفاتر الذي لا يحب الرب كثيرا. ففي غيابك عن تجمّع المؤمنين لا تؤدي شهادة الا للكسل اذ يحزن المواظبون لغيابك وتغريهم انت بالتغيّب. كل الناس في هذا البلد يقولون ان الارثوذكسيين ليس لهم غيرة على استماع الكلمة او بالأقل ليسوا شهودا دائمين. يجيئون متى يحلو لهم ولا يجيئون متى يحلو لهم. والرب يسوع انت امام وجهه اي امام إنجيله يُتلى في الجماعة وعند كأسه المقدسة تدعى يوم الأحد لارتشافها.

ان الأعمال الحسنة لا تعفينا عن أداء صلاتنا في الجماعة. فصلاة الجماعة ينبوع لفضيلتنا وتجعل العمل الصالح في طريقه القويم بحيث ان الصلاة تعلّمنا التواضع الذي يجعلنا لا ننسب أعمالنا الصالحة الى أنفسنا بل الى الله.

شهادة الحياة هي الحياة التي تتكامل فيها ممارستنا للأسرار وعبادتنا وفضائلنا وأعمالنا الظاهرة الناتجة عن الباطن. فكما ان الإيمان بلا عمل باطل كذلك ما يبدو سلوكا صالحا بلا صلاة تسنده ليس من الإيمان، ليس من الانسان الروحاني. فالملحدون قادرون على أعمال عظيمة عقولهم مقتنعة بها لكنها ليست من الإيمان.

الكلمة والبرّ والصلاة الدائمة اذا اجتمعت في انسان يكون شاهدا يحمل كل ادوات الشهادة. "من يعمل ويعلّم يُدعى عظيما في ملكوت السموات". ولكن قد لا تجتمع الأدوات هذه الثلاث. غير ان ثمة عنصرين للشهادة لا تجزئة بينهما وهما البِرّ والصلاة التي لا تنقطع. ولهذا يقول الرسول الحبيب: "الذي كان منذ البدء، الذي سمعناه ورأيناه بعيوننا، الذي تأملناه ولمسَتْه أيدينا من كلمة الحياة، والحياة تجلت فرأيناها والآن نشهد لها ونبشركم بالحياة الأبدية" (1 يوحنا 1: 1و2).

يوحنا يتكلّم عن سماع وبصر ولمس ليقول ان كلمة الحياة تُحْدث فينا ارتجاج الكيان كله فإذا هو ليس بكيان بشري قائم فقط على العواطف والعلوم وانفعالات اللحم والدم والأعصاب. هذا كيان يتحرك بمشاهدة المسيح ويحرّك سواه.

ولهذا لا يبدو المسيح للكافرين به بالجدل والدليل العقلي وحده ولئن كنا بحاجة الى وسيلة المنطق للدفاع عن المسيحية ولكن بما يسميه بولس "برهان الروح والقوة" اي كشف قوة الروح القدس فينا وهي اذا دخلت الينا تعطينا وسائل إظهارها.

قوة الروح القدس فينا شرط لشهادة الدم. فإن الكثيرين يخونون المسيح بالكلام اذا اشتد عليهم الضغط. يقولون ما يُرضي الأمم ليربحوا هذه الدنيا. اما الذين تقووا بيسوع بالصلاة والبرّ فهم يذوقون بهما حلاوة يسوع ويشتهون أن يحصلوا عليها من موت. الشهيد من تمنّى اذا مات الا يخسر بهاء المسيح. ولهذا يهون عنده الموت.

تلك المئات من الألوف التي اغتسلت بدمائها وتطهرت حتى البياض الكامل لم تدرك نعمة الشهادة الا لأنها أحبّت السيد هنا حبا جمّا. اما الفاترون فإنهم مرشَّحون للخيانة ما لم ينقضّ عليهم السيد في آخر لحظة بحنانه العظيم.

شهادة واحدة بماء المعمودية والكلمة والبرّ والابتهال والدم لأولئك الذين عشقوا الكمال الالهي وتبعوه حيث يسير.