|
||
|
||
|
"أنتَ أيّها المسيح الفائق التسبيح، يا مَن أسّستَ آباءَنا القدّيسين على الأرض كواكب لامعة، وبهم هديتنا جميعاً إلى الإيمان الحقيقيّ، أيّها الجزيل الرحمة المجد لك"، هكذا ترنّم الكنيسة في هذا الأحد المدعو أحد آباء المجمع المسكونيّ الرابع، وفي كلّ عيد تذكاريّ جامع للآباء القدّيسين، وبخاصّة الذين اشتركوا في المجامع المسكونيّة السبعة التي تعترف بها الكنيسة. وتوجز هذه الترنيمة مهمّة الآباء بهداية المؤمنين إلى التعليم المستقيم والعقيدة الصحيحة عندما تظهر الهرطقات والبدع. وهم، كالكواكب التي تستمدّ نورها من الشمس، يستمدّون نورهم من المسيح لينيروا دروب المؤمنين في الطريق القويم. لذلك دعي العديد من الآباء بـ"معلّمي المسكونة" لأنّهم ساهموا بواسطة مؤلّفاتهم ذات العلم الرفيع في تصويب الانحرافات العقيديّة التي كان يأتي بها الهراطقة وأتباعهم من الغاوين. في زمن نشأة الكنيسة الأولى، أطلق المسيحيّون على أسقفهم لقب "الأب"، للدلالة على أنّه هو الذي يلدهم في الإيمان، وذلك عملاً بقول الرسول بولس: "وإنْ كان لكم ربوات من المؤدِّبين في المسيح، فليس لكم آباء كثيرون لأنّي أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل. فأسألكم أن تقتدوا بي كما أقتدي أنا بالمسيح" (كورنثس الأولى 4: 15-16). لذلك لم يُطلَق هذا اللقب في البداية إلاّ على الأساقفة. فالأسقف، خليفة الرسل بحسب إيمان الكنيسة، هو الذي يضمن وحدة الإيمان والتعليم المستقيم واستمرارهما عبر العصور المتتالية في تاريخ الكنيسة. وهذا يتطلّب من الأسقف أن يكون أميناً على ما استلمه من أسلافه في الإيمان، وعليه أن يخضع في كلّ أمر للكتاب المقدّس والتقليد الشريف، لكي يصبح بدوره شاهداً حقيقيّاً لإيمان الكنيسة وعقيدتها العصماء. مع دخول الكنيسة القرن الرابع من عمرها دُعي الأساقفة الذين تميّزوا في حفظ العقيدة وتفسيرها والدفاع عنها، وعلى رأسهم أساقفة المجمع المسكونيّ الأوّل (325)، "آباء الكنيسة" أو "الآباء القدّيسين". وابتداءً من القرن الخامس اتّسع هذا اللقب فشمل أشخاصاً لم يكونوا أساقفة، غير أنّهم أثْروا الكنيسة بكتابات في تفسير الكتاب المقدّس وشرح العقيدة الكنسيّة، رأى فيها المسيحيّون مصادر أساسيّة لفهم أفضل للتعاليم الإنجيليّة وممارسة الأخلاق المسيحيّة. وهكذا دخل في عداد الآباء بعض الكهنة (كالقدّيس إيرونيمُس) وبعض الشمامسة (كالقدّيس فرام السوريّ)، وبعض الرهبان (كالقدّيس مكسيمُس المعترف). أمّا أهمّ المعايير التي تستنتد إليها الكنيسة من أجل اعتبار أحدهم مستحقّاً أن يعَدّ من ضمن آباء الكنيسة فهي: 1- نقاوة العقيدة، فينبغي على الآباء أن تكون تعاليمهم موافقة لتعليم الكنيسة. 2- قداسة الحياة، وذلك بناء على قول الربّ في الموعظة على الجبل (في الفقرة الإنجيليّة التي تتلوها الكنيسة اليوم): "أمّا الذي يعمل ويعلّم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السموات" (متّى 5: 19). نقاوة التعليم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنقاوة العمل، فالمعلّم عليه أن يعمل بما يقوله كي يصدّق الناس أقواله، فيقتدون به على حسب وصيّة القدّيس بولس لأبنائه المذكورة أعلاه. 3- اعتراف الكنيسة الصريح بأنّ تعاليمه صالحة لبناء المؤمنين في ما هو موافق لإنجيل الربّ يسوع وتعاليمه، والتقليد الرسوليّ الدائم. يرقى الاستناد إلى تعاليم الآباء من أجل الحكم على صحّة التعليم، والدفاع عن الإيمان في وجه الهرطقات، إلى القدّيس باسيليوس الكبير (+379)، أوّل مَن وضع لائحة بآباء الكنيسة لدعم تفسيره للعقيدة "ببراهين ودفاعات ترتكز على الآباء". ففي الفصل التاسع والعشرين من كتابه "مقال عن الروح القدس" يصف باسيليوس هؤلاء الآباء بـ"أعمدة الكنيسة الذين تفوّقوا بالمعرفة واستبسلوا بقوّة الروح القدس". ويدافع باسيليوس عن صحّة اللجوء إلى الآباء بالاستناد إلى الكتاب المقدّس، فيورد في هذا السياق قولَين للرسول بولس: "وإنّي أمدحكم أيّها الإخوة لأنّكم تذكروني في كلّ شيء وتحافظون على التقاليد التي سلّمتها إليكم" (كورنثس الأولى 11: 2)، وأيضاً: "حافظوا على السِّنن التي اتّخذتموها عنّا إمّا مشافهةً وإمّا مكاتبةً" (تسالونيكي الثانية 2: 14). يحتوي الأدب الآبائيّ على تفسيرات للكتاب المقدّس، وشروح للعقيدة وللعبادات، وكتب ومقالات دفاعيّة عن المسيحيّة بإزاء الوثنيّة واليهوديّة والإسلام، وعظات تعليميّة، وخطابات، ورسائل، وكتب تاريخ وسيَر، ومجموعة صلوات وأناشيد وتأمّلات، وأعمال مجامع، ويوميّات أسفار ورحلات. وما كتابات الآباء إلاّ تفسير لوحي الله في العهد القديم، ولتعاليم الربّ يسوع في العهد الجديد. من هنا، تشكّل كتابات الآباء الوسيلة الفضلى للتبحّر في الإيمان المسيحيّ من أجل البلوغ إلى غاية الحياة المسيحيّة، الحياة في المسيح. وقد قرأت هذا الأدب أجيال المسيحيّين عبر التاريخ، وكان لها بمثابة الغذاء الحقيقيّ الذي جعلها ترتقي في القداسة إلى ملء قامة المسيح. تبقى الإشارة إلى حاجة مكتبتنا العربيّة الماسّة إلى ترجمات تنقل إلى لغتنا الأمّ، العربيّة، أمّهات الكتب الآبائيّة التي دوِّن أغلبها باللغتَين اليونانيّة واللاتينيّة. فينتفع أبناء كنيستنا الأنطاكيّة والناطقون بالعربيّة من درر الأدب المسيحيّ الآبائيّ الذي راكمته خبرة القدّيسين النابعة من العين التي لا تنضب، من الربّ يسوع المخلّص.
|
||