|
||
|
||
|
|
||
|
توجيه الجيوش إلى بلاد الشام: لما فرغ أبو بكر من أمر أهل (الردة) رأى توجيه الجيوش إلى الشام. فكتب إلى أهل مكة والطائف واليمن وجميع العرب بنجد والحجاز يدعوهم للجهاد ويرغبهم فيه "فسارع الناس إليه بين محتسب وطامع" وأتوا المدينة من أكل أوب. فعقد ثلاثة ألوية لثلاثة رجال خالد ابن العاص ابن سعيد ابن أمية وشرحبيل أبن حسنة وعمرو ابن العاص ابن وائل السهمي. واعترض عمر ابن الخطاب على تعيين خالد ابن سعيد لأنه كان رجلاً فخوراً متعصباً فعزله أبو بكر ودفع لواءه إلى يزيد ابن أبي سفيان فسار به ومعاوية أخوه يحمله بين يديه. وكان العقد لكل من هؤلاء في بادئ الأمر على ثلاثة ألاف مقاتل. فما زال أبو بكر يمدهم بالرجال حتى صار مع كل أمير سبعة آلاف وخمس مئة. وأمر الأمراء أن يعقدوا لكل قبيلة لواء وأن يسلك عمرو ابن العاص طريق أيلة (العقبة) عامداً لفلسطين وأمر يزيد وشرحبيل أن يسلكا طريق تبوك. وادي عربة: وفي أوائل السنة 634 وصلت جموع المسلمين العرب إلى شرق بحر الميت وغربه فظن سرجيوس بطريق قيصرية فلسطين أنه أمام غزوة عادية من غزوات البدو فقام بنفسه على رأس ما تيسر لديه من الرجال واتجه نحو الجنوب فاشتد القتال في وادي عربة وتكاثر المسلمون فمني سرجيوس بالفشل. ثم كان قتال في قرية دائن بالقرب من غزة وكان انتصار المسلمين. ولقي سرجيوس حتفه. فانفتحت أبواب فلسطين على مصراعيها أمام المسلمين. خالد ابن الوليد: ولما صار عمرو ابن العاص إلى أول فلسطين كتب إلى أبي بكر يعلمه بكثرة العدو وسعة أرضه. فكتب أبو بكر إلى خالد ابن الوليد وهو بالعراق يأمره بالمسير إلى الشام فأتى خالد عين التمر ففتحها عنوة ثم صندوداء فقاتله أهله فظفر بهم. ثم قاتل جمعاً لبني تغلب ابن وائل في المُضيح والحصيد فهزمهم وسبى. ثم أغار على قراقر وهو ماء لكلب. ثم فوّز منه إلى سوى وهو ماء لكلب ومعهم فيه قوم من بهرا فقاتلوه. ثم أتى أركة فدخلها صلحاً (خوفاً من بطشه) ثم دومة الجندل فدخلها أيضاً. ثم أتى تدمر فامتنع أهلها وتحصنوا ثم طلبوا الأمان فأمنهم على أن يرضخوا للمسلمين ويكون ذمة. ثم صمد أهل القريتين في وجهه وأهل حوارين فظفر وغنم وسبى. ثم وصل إلى مرج راهط فأغار على غسان في يوم فصحهم فسبى وقتل. وقدم خالد على المسلمين في حوران فحاصروا بصرى عاصمتها وحاربوا بطريقها فصالحهم أهلها أما على طعام وزربيب وخل أو على جزية يؤدونها. ثم دخل خالد موآب صلحاً. أجنادين وفحل: ونشط هرقل وجيّش "فسرّب بعضاً من جماعته وتجمع الباقي في النواحي" وعقد اللواء لأخيه ثيودوروس القبقلار. وصعب على ثيودوروس أن يستجلي خطة خصمه في الحرب. ولهل سبب ذلك أن هذه القبائل المغيرة لم تكن لها خطة عسكرية واضحة. وتقدم ثيودوروس ببطء فرابط في جلّق أولاً ليحمي دمشق ويهدد القبائل الغازية. ثم اتجه جنوباً للدفاع عن المدينة المقدسة فصمد في أجنادين بين القدس وغزة.فترفع خالد ولم يحفل بإمكانات السلب والنهب بل أسرع إلى الجنوب عبر شرق الأردن وجمع الجموع في وادي عربة. ثم دفع بها إلى أجنادين. فنشبت معركة حامية في الثلاثين من تموز سنة 634 كتب النصر فيها للعرب فجلا الروم عن الأرياف في جنوب فلسطين وهمدوا وراء مستنقعات بيسان فغلبوا فيها فقاموا إلى فحل Pella فقوتلوا أشد قتال وأبرحه. وقتل بطريقهم وتفرق الباقون في مدن الشام وذلك في الخامس والعشرين من كانون الثاني سنة 635. وتحّن أهل فحل فحصرهم المسلمون حتى سألوا الأمان على أداء الجزية عن رؤوسهم والخراج عن أرضهم. فأمنوا على أنفسهم وأموالهم ولم تهدم أسوارهم. ولم يبقَ للروم في فلسطين سوى مدنها المحصنة المنيعة. تطور في الهدف والخطة: وحدّث أبو حفص الدمشقي عن سعيد ابن عبد العزيز التنوخي عن "عدة" منهم أبو بشر مؤذن مسجد دمشق أن المسلمين لما قدموا الشام كان كل أمير منهم يقصد إلى ناحية ليغزوها ويبث غاراته فيها. فكان عمرو ابن العاص يقصد لفلسطين وكان شرحبيل يقصد للأردن وكان يزيد ابن أبي سفيان يقصد "لأرض" دمشق. وتوفي أبو بكر في الثالث والعشرين من آب سنة 634 وتولى الخلافة بعده عمر ابن الخطاب. وبان عيب الروم وضعفهم وعيب الفرس وانتهاء أمرهم، نتيجة للحرب التي خاضوها ضد بعضهما والتي سبقت هذه الغزوات. فتحول الغزو والسلب والسبي إلى فتح (الفتح مصطلح إسلامي والمصطلح العام الذي يطلق على هذه الأمور هو "احتلال") وأصبح رائد المسلمين السيطرة على الشام والبقاء فيها. واتخذوا من السامريين واليهود "عيوناً وأدلاء لهم". وكان أمير الغزاة في عهد أبي بكر عمرو بن العاص يقودهم عند الاقتضاء. ثم تزعم غاراتهم خالد ابن الوليد. فلما تطور الهدف وجاء عمر "ولّى أبا عبيدة ابن الجرّاح أمر الشام كله وأمّره الأمراء في الحرب والسلم. ففتح شرحبيل ابن حسنة طبرية صلحاً على أن يؤمن أهلها على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ومنازلهم إلا ما جلوا عنه وخلوه. وفتح جميع مدن الأردن على هذا الصلح فتحاً يسيراً ففتح بيسان وسوسية وأفيق وجرش وبيت راسن وقدس والجولان وعكة وصور وصفورية".
دمشق: (635) وتوجه المسلمون إلى دمشق فالتقوا بالروم في مرج الصفّر
فاقتتل الطرفان قتالاً شديداً "جرت في أثنائه الدماء وطحنت بها الطاحونة" وجرح
من المسلمين أربعة آلاف. ثم ولّى الكفرة (والمقصود هنا بالكفرة الرومان والذين
هم بطبيعة الحال مسيحيين) منهزمين مغلولين لا يلوون على شيء حتى أتوا دمشق وبيت
المقدس. وأقام المسلمون خمس عشرة ليلة ثم زحفوا على دمشق فأخذوا الغوطة
وكنائسها عنوة وتحصن أهل المدينة وأغلقوا أبوابها في أوائل سنة 635. وحاصر
المسلمون دمشق ستة أشهر وأهمل أمرها هرقل ولم يرسل النجدات. فوقف أسقفها على
السور في أيلول. فدعي له خالد. فإذا أتى سلم عليه وحادثه فقال له. يا با سليمان
إن أمركم مقبل ولي عليك عدة فصالحني عن هذه المدينة. فدعا خالد بدواة وقرطاس
فكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى خالد ابن الوليد أهل دمشق إذا دخلها
أعطاهم أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم. وسور مدينتهم لا يهدم. ولا يسكن
شيء من دورهم. لهم بذلك عهد الله وذمة رسوله صلعم والخلفاء والمؤمنين. لا يعرض
لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية". ولما رأى الأسقف أن أبا عبيدة قد قارب دخول
المدينة من باب الجابية بدر إلى خالد فصالحه وفتح له الباب الشرقي فدخل والأسقف
معه ناشراً كتابه الذي كتبه له. فقال بعض المسلمين والله ما خالد بأمير فكيف
يجوز صلحه فقال أبو عبيدة إنه يجيز على المسلمين أدناهم وأجاز صلحه وأمضاه ولم
يلتفت إلى ما فتح عنوة. فصارت دمشق صلحاً كلها.
بعبلبك وحمص: ولما فرغ أبو عبيدة من أمر مدينة دمشق سار إلى حمص فمر
ببعلبك. فطلب أهلها الأمان والصلح فصالحهم وأمنهم على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم
وكتب لهم: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب أمان لأهل بعبلبك رومها وفرسها
"وعربها" على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ودورهم داخل المدينة وخارجها وعلى
أرحائهم. وللروم أن يرعوا سرحهم ما بينهم وبين خمسة عشر ميلاً. ولا ينزلوا قرية
عامرة. فإذا مضى شهر ربيع وجمادى الأولى ساروا إلى حيث شاؤوا. ومن أسلم منهم
فله ما لنا وعليه ما علينا. ولتجارهم أن يسافروا إلى حيث أرادوا من البلاد التي
صالحنا عليها. وعلى من أقام منهم الجزية والخراج. شهد الله وكفى بالله شهيداً". بيروت: (636) وأتى يزيد ابن أبي سفيان بعد فتح مدينة دمشق صيدا وعرقة وجبيل وبيروت "وعلى مقدمته أخوه معاوية" ففتحها فتحاً يسيراً وجلا كثيراً من أهلها. وتولّى فتح عرقة معاوية نفسه. أما طرابلس فإنها ظلّت صامدة حتى أوائل عهد معاوية. حماه والمعرّة واللاذقية: (636) ومضى أبو عبيدة بعد حمص إلى حماه فتلقاه أهلها مذعنين فصالحهم على "الجزية في رؤوسهم والخراج في أرضهم". فمضى نحو شيزر "فخرجوا يكفرون ومعهم المقلسون" وروضوا بمثل ما رضي به أهل حماه. وبلغت خيل أبي عبيدة الزراعة والقسطل. مر بمعرة حمص فخرجوا يقلّسون بين يديه. ثم أتى فامية ففعل أهلها مثل ذلك وأذعنوا بالجزية والخراج. ووصل إلى اللاذقية فقاتله أهلها ودخل عبادة الحصن وعلا حائطه "فكبّر عليه". وهرب قوم من نصارى اللاذقية إلى اليسيد ثم طلبوا الأمان. فقوطعوا على خراج يؤدونه قلوا أو كثروا تركت لهم كنيستهم. وبنى المسلمون المسلمون مسجداً جامعاً. ثم فتحوا بلدة على فرسخين من جبلة. ثم فتح عبادة انطرطوس ومرقية وبُلنياس.
يوم اليرموك: (636) وكان هرقل في أثناء هذا كله يسعى بنشاط بين
أنطاكية والرها لتجييش قوة كبيرة يتمكن بها من صد المسلمين وإنقاذ سورية
الجنوبية وفلسطين والساحل. وبرغم خسارته الكبيرة في الرجال إبان الحرب الفارسية
وبرغم قلة المال في الخزينة فإنه حشد في خريف سنة 635 من الروم والأرمن والعرب
وأنفذهم في ربيع سنة 636 إلى الجنوب. وكان خالد آنئذ في حمص. فلما علم بقدوم
هذا الجيش الكبير جلا عن حمص ودمشق وسائر المدن المجاورة وجمع ما لديه من
الرجال خمسة وعشرين ألفاً وانتقى الجابية فصمد فيها فأدركه الروم وضربوه فدافع
وانسحب إلى اليرموك أحد روافد الأردن الشرقية.
أنطاكية وحلب: (638) وسار أبو عبيدة إلى حمص. ثم أتى قنّسرين وعلى
مقدمته خالد ابن الوليد فقاتله أهلها ثم لجأوا إلى حصنهم وطلبوا الصلح فصالحهم
أبو عبيدة على مثل صلح حمص. وكان حاضر قنسرين لتنوخ (منذ أول ما تنخوا بالشام)
فدعاهم أبو عبيدة إلى الإسلام فأسلم بعضهم وصالح كثيرين منهم على الجزية وبقي
بنو سليح على المسيحية. وكان بالقرب من حلب حاضر يجمع أصنافاً من العرب من تنوخ
وغيرهم فصالحهم أبو عبيدة على الجزية. ورحل إلى حلب وعلى مقدمته عياض الفهري.
فوجد أهلها قد تحصنوا. فنزل عليها فلم يلبثوا أن طلبوا الصلح والأمان على
أنفسهم وأموالهم وسور مدينتهم وكنائسهم ومنازلهم والحصن الذي بها. ثم سار إلى
أنطاكية وقد تحصن بها خلق من جند قنسرين. فلما وصل إلى مهروبة لقيه جمع للعدو
ففضهم والجأهم إلى المدينة وحاصر أهلها من جميع أبوابها. وكان معظم الجيش على
باب فارس وباب البحر. ثم صالحوه على الجزية والجلاء. فجلا بعضهم وأقام بعضهم.
وكانت أنطاكية عظيمة الذكر والأمر عند عمر وعثمان. فلما فتحت كتب عمر إلى أبي
عبيدة أن رتّب بأنطاكية جماعة من المسلمين "أهل نيات وحسبة" واجعلهم بها مرابطة
"ولا تحبس عنهم العطاء". الجراجمة: وغزا حبيب ابن مسلمو الجرجومة في جبل اللكام بين حلب والاسكندرونة "عند معدن الزاج" فلم يقاتله أهلها ولكنهم بدروا بطلب الأمان والصلح. فصالحوه "على أن لا يؤخذوا بالجزية وأن ينفلوا أسلاب من يقتلون من أعداء المسلمين". ودخل من كان في مدينتهم من تاجر وأجير وتابع من الأنباط وغيرهم في هذا الصلح.
المدينة المقدسة: (638) وكان لا يزال يعلو السدة البطريركية في
أورشليم الشيخ الورع التقي الأمين صفرونيوس. فلما شعر بالخطر المداهم أبعد
الصليب المقدس وأثمن ما لديه من الأواني الكنسية إلى ساحل البحر فالقسطنطينية.
قيصرية وطرابلس: (640-644). وتوفي أبو عبيدة فولّى الخليفة عمر ابن
الخطاب يزيد ابن أبي سفيان الأردن وفلسطين وأمره أن يغزو قيصرية فلسطين. فنهض
غليها في سبعة عشر ألفاً. فقاتله أهلها فحاصرهم. "وكان سبب فتحها أن يهودياً
يُقال له يوسف أتى المسلمين ليلاً فدلهم على طريق في سرب لقاء تأمينه على أهله.
فدخلها المسلمون في الليل وكبّروا فيها. فأراد الروم أن يهربوا من السرب فوجدوا
المسلمين عليه. وفتح المسلمون الباب فدخل معاوية. وكان قد تسلم القيادة بعد
وفاة أخيه، فسبى أربعة آلاف وأرسلهم إلى عمر. وحوصرت قيصرية سبع سنين وكان بها
خلق من العرب". يوم الجابية: وغزا المسلمون وغنموا. ثم غلبوا الروم في الميادين الطلقة فحاصروا المدن المحصنة فصالحت. واتسعت رقة الدولة ودخل فيها ألوف مؤلفة من المسيحيين والمشركين واليهود. وتدفقت الأموال على بيت المال وكثر طلابها واختلفوا في ما أصابهم منها. وكان لا بد من الدفاع عن هذه الدولة والنظر في أمور أهلها وسكانها. فقام عمر إلى الجابية عاصمة الغساسنة في الجولان يصحبه عدد من الصحابة. فاستدعى كبار القادة والوجهاء وشاور فقرر اتخاذ بعض الإجراءات الحربية والمالية والإدارية. وكان ذلك في أثناء سنة 638.
قضية الجزية: وذكر المسلمون الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ
يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ
وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ
الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ
يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ" (سورة التوبة، الآية 28-29 ).
ففرضوا جزية على رؤوس المسيحيين وخراجاً على أملاكهم. {هنا نرى أنه من الضروري
شرح المعنى من "تآلفته لأسلم" ففي تفسير ابن كثير الدمشقي والصفحة 167 جاء
التالي: لمؤلفة قلوبهم: منهم من يعطى ليُسلم، كما أعطى النبي صلى الله عليه
وسلم صفوان بن أمية من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركا. قال: فلم يزل يعطيني
حتى صار أحبَّ الناس إليَّ بعد أن كان أبغض الناس إلي، كما قال الإمام أحمد: وكتب عمر ابن سعيد إلى عمر
أنه أتى شق الفرات الشامي وأراد من هناك من بني تغلب على الإسلام فأبوا وهموا
باللحاق بأرض الروم. فكتب إليه عمر يأمره أن يضعف عليهم "الصدقة" التي تؤخذ من
المسلمين في كل سائمة وأرض. وتقدم أبو عبيدة في شمال سورية ووصل إلى جبال
اللكام. وغزا حبيب ابن مسلمة الجرجومة فبدر أهلها في طلب الأمان "على أن لا
يؤخذوا بالجزية وأن ينفلّوا أسلاب من يقتلون من عدو المسلمين". فوافق حبيب ودخل
الجراجمة في دولة الإسلام ولم يدفعوا الجزية. عهدة عمر: نظر عمر ابن الخطاب نظرة فاتح ومؤسس فأمّن وعدل وأنصف واعتبر الدولة الفتية دولة إسلامية تحمي الإسلام والمسلمين أولاً كما كانت دولة الروم دولة مسيحية تحمي المسيحية والمسيحيين أولاً. ومن هنا قوله إلى عمرو ابن العاص عندما حل القحط في المدينة: "أخرب الله مصر في عمران المدينة وصلاحها". وهذا نص العهدة العمرية كما وردت في كتاب: تفسير القرآن العظيم لابن كثير الدمشقي. دار طيبة للنشر والتوزيع، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م، في الجزء الرابع والصفحة 133، في تفسيره لسورة التوبة إذ يقول: وقوله: { حَتَّى يُعْطُوا
الْجِزْيَةَ } أي: إن لم يسلموا، { عَنْ يَدٍ } أي: عن قهر لهم وغلبة، { وَهُمْ
صَاغِرُونَ } أي: ذليلون حقيرون مهانون. فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا
رفعهم على المسلمين، بل هم أذلاء صَغَرة أشقياء، كما جاء في صحيح مسلم، عن أبي
هريرة، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبدءوا اليهود
والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" الكنائس والأديار: واحترم المسلمون حق النصارى في استعمال الكنائس القائمة في أكثر المدن والقرى. وأخذوا بعضها عنوة ككنائس الغوطة وطبرية. أما كتدرائية دمشق (المعرفة اليوم بالمسجد الأموي) فإن نصفها أصبح مسجداً منذ اللحظة الأولى. وأراد معاوية أن يزيد النصف الآخر في المسجد "فأبى النصارى ذلك فأمسك". وما فتئ بيدهم حتى عهد الوليد ابن عبد الملك. وأمن أبو عبيدة نصارى حمص على كنائسهم ولكنه استثنى ربع كنيسة يوحنا للمسجد.
خروج المسيحيين: وجاء في المراجع العربية في كتاب فتوح البلدان
للبلاذري أنه لما فُتحت دمشق "لحق بشر كثير من أهلها بهرقل وهو في أنطاكية
فكثرت فضول منازلها". وجاء أيضاً أن يزيد ابن ابي سفيان وأخاه معاوية "أجليا
كثيراً من أهالي صيدا وبيروت وجبيل وعرقة" لدى فتحها وأن أهالي طرابلس "هربوا"
بمراكب قبيل سقوط بلدتهم. وجاء أيضاً أن جبلة ابن الأيهم الغساني دخلا بلاد
الروم بعد اليرموك "في ثلاثين ألفاً" وأن أهل أنطاكية صالحوا على الجزية
والجلاء "فجلا بعضهم وأقام بعضهم" وأن أكثر أهالي بالس وقاصرين جلوا إلى بلاد
الروم وكذلك سكان الثغور الشامية بين الاسكندرونة وطرطوس فإنهم "هربوا إلى بلاد
الروم خوفاً" وقيل أن هرقل أدخلهم معه عند انتقاله من أنطاكية. ووجّه أبو عبيدة
ميسرة ابن مسروق إلى درب بفراس ليقطعها "فلقي جمعاً للروم معهم مستعربة من غسان
وتنوخ وإياد يريدون اللحاق بهرقل". |
||