|
||
|
||
|
َ |
||
|
تعليم الكنيسة الكاثوليكية عن سر الثالوث الأقدس:
الكنيسة الكاثوليكية ترفض
أو على الأقل تخفف حقيقة الظهورات الثالوثية في العهد القديم. ولا شك بأن أصول
هذا الموقف ترجع إلى آراء المغبوط أوغسطين والمدرسيين (سكولاستيكيين) الذين
كانوا يسلّمون بأن ملاك يهوه في ظهورات الله في العهد القديم ما هو إلا ملاك
مخلوق استخدمه الكلمة الإلهي. بالرغم من إقرارهم أن الآباء رأوا فيه الكلمة
الإلهي ذاته، استناداً، بصورة خاصة إلى ما جاء في (أشعياء9: 6) "ملاك الرأي
العظيم أو المشورة العظيمة
تتهم الكنيسة الغربية الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية بأنها تعلّم منذ القرن التاسع أن الروح القدس ينبثق من الآب وحده. وقد التأم مجمع في القسطنطينية (876) برئاسة بطريركها فوتيوس ورفض كلمة "والابن" التي عند اللاتين على أنها بدعة، على الرغم من اعتراف الكتب العقائدية الكاثوليكية بأن كلمة "والابن" المضافة إلى قانون نيقية-القسطنطينية قد وردت لأول مر في مجمع طليطلة (توليدو) الثالث (589). وتدعم الكنيسة الكاثوليكية إيمانها بالفيليوكفي بالبراهين التالية (كتاب مختصر علم اللاهوت العقائدي "ترجمة المارديني"):
تشرح كتبت التعليم الغربية قضية صدور الابن من الآب والروح القدس من الآب والابن بطريقة نظرية. فتعلن أن الابن بسبب كونه كلمة فهو يصدر عن عقل الآب أو أنه يجب أن ولادة الابن من الآب على أنها ولادة محض عقلية أو على أنها فعل معرفة في حين تقول عن الروح القدس أنه يصدر عن إرادة الآب والابن أو عن محبتهما المتبادلة. وتستدل على ذلك من اسم الروح القدس نفسه فهو (الروح-الريح-نسمة-زفرة-مبدأ حياة-نفس) يدل على مبدأ حركة ونشاط وعلى صلة بالإرادة. والنعت (القدس) يدل أيضاً على الصدور والإرادة. لأن القداسة إنما تكون في الإرادة والكتاب والتقليد ينسبان إلى الروح القدس أفعال المحبة وإنما نسبت أفعل المحبة إلى الروح لأنها من خواصه الشخصية وتدل على أصله. ينتج من ذلك أن الروح يصدر عن فعل محبة. وموضوع الإرادة الإلهية التي بها الآب والابن يصدران الروح القدس هو:
وهنا لا بد أن نشير ولو بسرعة إلى النقطة الثالثة والأخيرة وهي صدور الروح القدس من إرادة الآب والابن، فنلاحظ بحسب تعليم الآباء خصوصاً الشرقيين منهم، أن صدور الروح القدس عن الآب هو كصدور الابن من الآب، أي بحسب الطبيعة، وليس بحسب إرادته، ولكن بالطبع ليس ضد هذه الإرادة، وبالنتيجة فلا يصدر إذاً عن إرادة الآب والابن أو عن محبتهما المتبادلة وكأنه أحد الخلائق أو فعل ما من أفعالهما، بل هو واحد في الجوهر معهما.
الموقف الأرثوذكسي من قضية انبثاق الروح القدس من الآب والابن: ختاماً لهذا البحث (سر الثالوث) لا بد من إظهار رأي الكنيسة الأرثوذكسية فيما يتعلق بالنقاط الخاصة التي وردت عن تعليم الكنيسة الكاثوليكية في سر الثالوث الأقدس، مكتفين بالإجابة على النقطيتين الأخيرتين (2/3) فبالنسبة للنقطة الثانية، أي قضية صدور الروح بالانبثاق من الآب والابن، فمن المعروف أنها كانت موضوع الخلاف الرئيسي بين الكنيستين الغربية والشرقية. لدرجة أنها أصبحت أهم العوامل التي باعدت بينهما وأدّت إلى انشقاقهما النهائي سنة 1054. ومن المؤكد تاريخياً أن الكنيسة الأرثوذكسية لم تعلّم منذ القرن التاسع فقط أن الروح القدس ينبثق من الآب وحده، بل هذا كان تعليمها منذ البدء. والذي تسلمته منذ القرن الأول من الرب يسوع نفسه، الذي علّم "ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي" (يوحنا15: 26). وبديهي أن السيّد لا يتلكم هنا بطريقة عامة تحتمل التأويل. بل هو يحدد بوضوح وبالتخصيص أن الإرسال في الزمن هو من الآب والابن، أو من الآب بواسطة الابن (أنظر لو 24: 49). في حين أن الانبثاق هو من الآب وحده. ولو كان الروح القدس ينبثق فعلاً من الآب والابن لكان الربّ يسوع قد ذكر كما فعل بالنسبة للإرسال ولكان من الطبيعي أن يقول: "ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عندنا ينبثق أو من عند الآب وعندي ينبثق". ولو كانت الكنيسة الشرقية هي التي علّمت منذ القرن التاسع أن الروح القدس ينبثق من الآب وحده كما تدّعي الكتب الكاثوليكية لكانت هي التي حذفت من دستور إيمان الكنيسة الجامعة كلمة "والابن"، وليست الكنيسة الغربية هي التي أضافتها على هذا الدستور سنة 1014 بعد أخذ ورد طويلين وبضغط من الملوك الإفرنج والتوتونيين (الجرمانيين). ولا يخفى تاريخياً على أحد الآن معارضة البابوات الطويلة لهذه الإضافة منذ القرن السادس، وحكاية البابا لاون الثالث الذي أمر بنقش دستور الإيمان الأصلي بدون إضافة "والابن" على لوحين من الفضة وتعليقهما على باب كنيسة القديس بطرس "من أجل الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي" صار معترفاً بها حتى من الكاثوليك أنفسهم.
يستنتج الكاثوليك بأنه كما سمّي الروح القدس بروح الآب (متى10: 20) لأنه ينبثق من الآب، كذلك سمّي هنا بروح الابن لأنه ينبثق من الابن، والواقع أن الروح القدس سمّي بروح الآب، ليس فقط لأنه ينبثق من الآب بل ولأنه واحد في الجوهر معه. ولهذا ليس من الضروري أن يُدعى الروح القدس "روح الابن" لأنه ينبثق منه كأقنوم بل لأنه واحد في الجوهر معه، وباقٍ في شركة كلّية ودائمة معه، ولأنه بالضبط يأخذ مما له ويخبركم (يوحنا16: 13-14) أي هنا يأخذ من واقع بنوته الحقيقية للآب ليجعل المفتدين متبنين له، وصارخين معه وفيه"يا أيها الآب" لا بل إن الرسول بولس في تأكيده على هذه الفكرة يذهب أبعد من ذلك فيسمّي الروح ذاته روح التبني: "إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أيها الآب" (رو8: 15)، فهل الروح منبثق من التبني أيضاً؟ أما من جهة تسمية الروح بروح المسيح أو روح يسوع أو روح يسوع المسيح، فواضح أيضاً من سياق النصوص المذكورة أن المقصود لا الإشارة إلى انبثاق الروح من الابن بل التشديد على مشاركة الرب يسوع المسيح الخاصة في عمل الروح المشار إليه، وذلك نظراً لوحدانية أفعال الثالوث الإلهية أي لاشتراك الأقانيم الثلاثة في العمل الواحد. فمثلاً تعبير "ورح المسيح" الوارد في (رو8: 9) إنما يشير إلى حالة النعمة التي يعيشها المؤمن الذي لبس المسيح (غلاطية3: 27). وفي الواقع فإن الآباء
يفسّرون عامة تسمية الروح بروح الابن أو بروح المسيح إما بسبب تماثل أو وحدة
الجوهر بين الروح والابن وبالتالي وحدة أفعالهما الإلهية. أو بسبب إرسال الروح
القدس من الابن وليس انبثاقه منه. لأن الانبثاق هو صفة أقنومية تميّز الروح
القدس. والبثق هو صفة أقنومية تميّز الآب. والآباء ينهون بصورة جازمة عن تعميم
الصفات الأقنومية التي بحسب إجماعهم غير قابلة للاشتراك والتعميم ( القديس باسيليوس بعد أن يؤكد على الخواص الأقنومية لكل من الآب والابن والروح القدس، وبأنه بها تتميز أقنوميتهم، يضيف، من أجل هذا لا نقول: "الروح من الابن بل نسمّي روح الابن، ونعترف أنه بالابن ظهر وأُعطي لنا" هذه الملاحظة ذاتها تظهر عند القديس كيرلس الإسكندري لأنه "إذا كان الروح القدس يصدر من الآب لكنه من الابن يأتي وهو خاصته". حتى أن القديس أثناثيوس الكبير يدعو مسحة الروح التي أُعطيت للمؤمنين نفخة الابن وختم يطبع المسيح في نفوس المؤمنين المختومين وهو يعني بهذه إعلانات الكلمة والروح نحو الخارج قاصداً بها إرسال الروح وتقبّله من المؤمنين. وليس الخصوصيات الداخلية لأقانيم الثالوث. ولهذا نخطئ إذا كنا نستنتج من الأفعال الخارجية للروح ونتائجها على البشر صلات الأشخاص-الأقانيم- الإلهيين بحسب حياتهم الداخلية.
السؤال: هل انبثاق الروح القدس صفة جوهرية أم صفة أقنومية؟ فإن كان صفة جوهرية يمكن أن نعممها فعندئذ يجب قبول انبثاق الروح القدس من الآب والابن. لكننا في هذه الحال نصل إلى نتائج لا حدود لتجديفها وغرابتها. فمثلاً إن كان الروح القدس ينبثق من الابن لأن الابن متحد مع الآب في الجوهر، وكل ما للآب هو للابن، فلماذا لا ينبثق الآب والابن من الروح أيضاً؟ - الابن يولد من الآب، فلماذا لا تكون للآب والروح صفة الولادة أيضاً طالما هو متحد في الجوهر معهما وكل ما هو لهما هو له؟ ولماذا لا تكون للابن والروح صفات عدم الصدور والإيلاد التي للآب...؟ ولكي لا يصل الكاثوليك إلى نتائج كهذه قالوا أن الابن بسبب ولادته الأزلية يملك كل ما يملكه الآب إلا الأبوة وعدم الصدور، إذ يمكنه أن يشرك غيره بالبثق ولكنه لا يستطيع أن يشرك غيره بالولادة. أليس هذا استثناءً اعتباطياً غير مبني على أساس؟ عند بعض اللاهوتيين الكاثوليك جواب آخر هو أن ترتيب الأقانيم الإلهيين هو الآب، الابن، الروح القدس. ولأن الروح القدس هو الثالث في الترتيب لذلك لا يستطيع أن يلد الابن أو أن يبثق من هو قبله، وبالطبع فهذا يقود في حال قبوله إلى نوع من المرتبية والأسبقية بين الأقانيم، على اعتبار أن الابن يولد من الآب قبل أن ينبثق الروح القدس منه. ولعل الإدعاء الذي ورد في الفقرة (D) بأن الروح القدس ينبثق من الآب والابن، كمن مبدأ أوحد وبنفخ أوحد، هو محاولة للتهرّب من الوصول إلى هذه المرتبية والأسبقية الزمنية بين الأقانيم التي لا بد أن المغبوط أوغسطين قد لاحظها ولذا شدّد: "يجب أن لا نقبل (من مبدأين) لأن هذا بالكلية مختلق وأخرق. لا بل هرطقة وليس بحسب العقيدة الجامعة". وفي الواقع فإن مجرّد الدفاع عن انبثاق الروح القدس من الآب والابن هو بحد ذاته القول بأن الروح القدس ينبثق من مبدأين أي مصدرين هما الآب والابن، وبالتالي إلى اعتبار الروح مركباً وليس بسيطاً، لأنه مأخوذ من مصدرين ولا تنفع في هذه الحالة إضافة كلمات (كمن مبدأ واحد وبنفخ واحد) إذ لا يمكنها أن تغيّر واقع الإدعاء الأول وفي هذا المجال يقول البطريرك فوتيوس: "مَنْ مِنَ المسيحيين يستطيع أن يسمح أن يُدخل علتان في الثالوث الأقدس للابن والروح القدس، فيجعل للروح أيضاً (الابن)... ولماذا ينبثق الروح (ومن الابن) فإن كان الانبثاق من الآب هو تام (وهو تام لأن الروح إله تام من إله تام) فلماذا إذاً الانبثاق من الابن؟ ولماذا؟". بناء على ما تقدّم، فبثق الروح القدس ليس هو صفة جوهرية يمكن تعميمها على الأقانيم بل هو صفة أقنومية شخصية تخص الآب وحده، وبها يتميّز عن الابن والروح القدس. وهي مختلفة جذرياً عن إرسال الروح القدس في الزمن، والمعني به إفاضة مواهبه وقواه على الخليقة التي افتداها الابن بتجسده وقيامته. ولعل هذا هو ما قصده السيد عندما جمع في عبارة واحدة بين الإرسال والانبثاق (يوحنا15: 26) لكي يميّز بوضوح بينهما وليس لكي يدل على أن الإرسال إلى الخارج يفترض بالضرورة مواصلة الصدور الأزلي كما تدعي كتب اللاهوت الكاثوليكية. وللبرهنة على خطأ هذا الادعاء يكفي أن نقول بأنه في حال تسليمنا به يجب أن نقبل بأن الابن يولد من الأزل من الروح القدس، لأن الكتاب المقدس يعلّمنا بأن الابن يُرسل في العالم الروح القدس "روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين... أرسلني لأشفي المنكسري القلوب" (أشعياء61: 1 ولوقا 4: 18). جواب الكاثوليك على هذا البرهان هو قولهم بأن الروح القدس يرسل هنا الابن كإنسان وليس بحسب طبيعته الإلهية التي هي حاضرة في كل مكان وليست قابلة للإرسال. وردنا نحن على جوابهم بأن الروح القدس هو أيضاً بحسب أقنومه الإلهي حاضر في كل مكان وليس قابلاً للإرسال، وإنما أُرسل بهيئة منظورة في الزمن، أي بشكل ألسنة نارية في العنصرة لكي يبقى مع الكنية، بحسب قواه المعزية والمرشدة والمقدسة. الآباء القديسون: يفسرون إرسال الروح القدس في العالم بواسطة الابن، وإرسال الابن بواسطة الروح القدس من خلال وحدة الجوهر الإلهي التي يعبّر عنها بوحدة عملهما الخارجي. ولذلك حيث يعمل أحد الأقانيم يكون حاضراً وفاعلاً بشكل تلقائي الأقنومان الآخران. ولهذا يقول الآباء أن الابن أُرسل في العالم من الآب ومن الروح القدس لكي يظهر من خلال هذا أن الآب والروح ليسا غريبين عن العمل الخلاصي للابن بل يشاركان في هذا العمل، وكذلك الحال بالنسبة لإرسال الروح القدس في العالم من الآب والابن. القديس امبروسيوس هو أحد الآباء الذين يؤكدون هذه الفكرة "الآب مع الروح يُرسلان الابن، أيضاً الآب والابن يُرسلان الروح... وبالنتيجة إذا كان الابن والروح يرسل كل منهما الآخر كما يرسلهما الآب فهذا يحدث ليس بسبب خضوع ما (من أحدهما للآخر) بل لأن عندهما قوة مشتركة". يطبق هذا التفسير أيضاً على البراهين الكتابية الأخرى المشابهة التي يسوقها الكاثوليك لتأكيد رأيهم مثل نفخ السيد المسيح وقوله لتلاميذه: "اقبلوا الروح القدس"، فإن كان هذا الفعل يظهر لنا أن الروح القدس من الابن ينبثق، فعندئذ يجب أن نقول أيضاً بأن الروح القدس ينبثق أيضاً من الرسل القديسين وحتى من الأساقفة، لأن هؤلاء يعطون أيضاً الروح القدس بوضع الأيادي. والحقيقة أن السيّد هنا أعطى تلاميذه قوة أو نعمة الروح القدس من أجل مغفرة الخطايا، كما نتعلّم من الآباء القديسين وليس لارتباط ذلك بانبثاق الروح القدس أزلياً من الابن.
في هذه الآية يشدّد
الغربيون بصورة خاصة على عبارة (لأنه يأخذ مما لي ويخبركم) ليستنتجوا أنه يأخذ
علمه من الابن وبالتالي جوهره أو كيانه. ولهذا وجب أن يصدر من الابن. والحال أن
هذه الآية بالذات توضح أكثر ما أشرنا إليه قبلاً في أجوبتنا السابقة بأن السيّد
عندما تكلّم عن الروح القدس الموعود به، لم يكن يتكلّم عن أصله أو مصدره الأزلي
بل عن مجيئه في الزمان. وأفعال ( ويتابع القديس يوحنا الذهبي الفم ملخصاً: "مما هو لي سوف يأخذ، أي من المعرفة ذاتها التي عندي أنا، سوف يأخذ ليس كمن عنده نقص أو كمن سوف يتعلّم من آخر بل لأن عندنا المعرفة الواحدة ذاتها". وهكذا فكلمات (كل ما هو للآب هو لي) لا تدل على انبثاق الروح القدس من الابن بل على الخواص الجوهرية الإلهي والتي هي في هذه الحالة المعرفة الإلهية التي تخص الجوهر الإلهي الواحد للأقانيم الثلاثة.
كذلك يستشهد الكتّاب الكاثوليك بأقوال بعض الآباء فيفسّرون بعض العبارات تفسيراً يتفق مع دعمهم للفيليوكفي، مثل: الروح القدس يستقر في الابن، يرتاح في الابن، هو أيقونة الابن، عنده المنبع في الابن، ... ولكن إذا نظرنا أيضاً على هذه العبارات في مجمل النص الذي وجدت فيه وبعلاقته مع العقيدة العامة للآباء القديسين الذين استعملوها لوجدناها تتحدّث عن الإرسال الزمني للروح أو على وحدة الجوهر مع الابن، وليس البتة عن انبثاق الروح من الابن. فمثلاً القديس أثناثيوس الكبير يسمّي الابن: نبع الروح القدس لأن الابن هو من يرسل الروح القدس في العالم لكي يساعد البشر على اقتبال الخلاص. والقديس يوحنا الدمشقي يستعمل عبارة: "الروح القدس يرتاح في الابن" لأنه واحد مع الآب في الجوهر، وهكذا.... ويضيف الكاثوليك أنه إلى جانب هذه العبارات الآبائية غير المباشرة، هناك من الآباء والكتّاب الكنسيين من يعلّم الانبثاق من الابن بصورة مباشرة. ويستنتجون من هذا قدم وعمومية هذه العقيدة في الكنيسة المسيحية. إلا أنه كما يلاحظ (B. Bartman) الكاثوليكي، تظهر الفيليوكفي لأول مرّة عند أوغسطين الذي أعلن "لا نستطيع أن نقول بأن الروح القدس لا ينبثق" "من الابن" لأنه ليس بدون هدف أن يقال عن الروح نفسه بأنه روح الآب أو روح الابن". وتبعه في ذلك كتّاب غربيون كنسيون آخرون مثل البابا لاون الكبير وجناديوس المارسيلي وفيليكس دي لولا وفولجنتسيو دي روسيي. ومع ذلك فلم يكن رأي أوغسطين نفسه ثابتاً دائماً في هذه النقطة كما وأن رأي هؤلاء الكتّاب الكنسيين لا يشكّل البرهان بأن هذا هو اعتقاد الكنيسة الأولى بل هو مجرد رأي شخصي انحرف عن تعليم الكنيسة الجامعة. يوجد بعض الآباء الذين
استعملوا عبارة "الروح القدس ينبثق من الآب بالابن" ( أما بالنسبة للآباء فالبعض
منهم استعمل عبارة ( فمثلاً فيما يختص بالاستعمال الأول، نقرأ عن القديس غريغوريوس العجائبي: "إن الروح القدس عنده الكيان من الله وأُظهر للناس بواسطة الابن" وكذلك عند القديس كيرلس الاسكندري "يأتي الحق من الآب بالابن". "يأتي منه بحسب الجوهر ويمنح للخليقة بواسطة الابن" أي أن هؤلاء الآباء يريدون القول أن الابن هو السبب الذي من أجله أرسل الآب الروح القدس. ولو لم يأتِ الابن في العالم لما كان أُرسل الروح القدس. فيما يتعلق بالاستعمال
الثاني لعبارة ( بهذه الكلمات لا يريد أن يقول بأن الروح القدس ينبثق (ومن الابن) بل وبحسب تعبيره هو: إننا نحن البشر نفتكر بأن الآب قبل الابن إنما بواسطة الابن ومعه الابن يعرف الروح متحداً، وهذا بدون أن يكون الروح القدس كوجود بعد الابن. ولهذا يستعمل بعض اللاهوتيين عبارة (بالابن) بمعنى: "والابن"، "مع الابن"، أي "في نفس الوقت مع الابن". إذاً يريدون أن يقولوا بأن الروح القدس عنده الوجود أو ينبثق من الأزل من الآب مع الابن (في نفس الوقت مع الابن). القديس مكسيموس المعترف
(662+) أيضاً عنده تعبير ( القديس يوحنا الدمشقي
استعمل عدّة مرّات عبارة بأن الروح القدس ينبثق من الآب بالابن، وبكلا المعنيين
المذكورين أعلاه، بالنسبة للمعنى الأول يقول: "لا نقول الروح من الابن ( أما بالنسبة للمعنى الثاني فيقول: "الروح القدس ليس ابن الآب بل روح الآب لأنه ينبثق من الآب... وروح الابن ليس بمعنى أنه منه بل بمعنى أنه منبثق من الآب به، لأن الآب فقط هو المسبب". بالنتيجة نحن الأرثوذكس
نشدد مع الآباء على كون الآب وحده هو سبب انبثاق الروح القدس، ولهذا لا يمكننا
أن نقبل بتعبير "ومن الابن" (
كما أن هذا التقسيم الغريب والمنصاع إلى تأملات المفكرين الإغريق في الألوهة الفلسفية المجردة، بين ما يحبه الله بالضرورة وما يحبه مختاراً، هو في نظرنا اتهام واضح للثالوث القدوس إله المحبة بالأنانية المجبرة، لأنه بحسب مفهومهم يحب ذاته بالضرورة!!!. |
||
|
|