|
||
|
||
|
َ |
||
|
سر الثالوث الأقدس الذي تؤمن به الكنيسة لم يكن إذاً نتاج فكر بشري ولا حصيلة تأثيرات دينية أو فلسفية خارجية متأخرة، وإنما كان أساس بشارة الرسل ذاتها التي عاشوها ونقلوها هم أنفسهم كخبرة تأله وحياة "الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع. ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً" (1يو1: 3-4).
دليلنا على هذا الكلام ليس فقط آيات الكتاب المقدس التي قدّمت نماذج عنها، بل أيضاً كل ما وصل إلينا من تعليم كنسي خلال القرون الأولى.
وهي الصيغ المختصرة التي كان يلفظها الذين كانوا يتقدّمون من سر العماد المقدس أو الذين كانوا يريدون أن يعبّروا بطريقة أو بأخرى عن إيمانهم المسيحي. وبالرغم من كثرة الدساتير بسبب تعدد الكنائس، إلا أن هناك قاسماً واحداً مشتركاً يجمع بينها وهو الإيمان بالثالوث الأقدس والخلاص بيسوع المسيح. أقدم هذه الدساتير التي وصلت إلينا الدستور الرسولي والدستور الأثناسيوسي.
كانت المعمودية تمنح من أقدم العهد "باسم الآب والابن والروح القدس" بشهادة كتاب تعليم الرسل الاثني عشر وآباء أولين -مثل يوستينوس وايريناوس وترتليانوس. لا بل إن طريقة التعميد بالتغطيس ثلاثاً تدل على هذا الإيمان. لأن كل غطسة تصير باسم أحد الأقانيم الإلهية. أمّا بخصوص العبادة فأهم ما كان يميّزها "التمجيد" الذي كان يرفع للثالوث الأقدس. أقدم هذه التمجيدات المعروفة صيغةً "المجد للآب والابن والروح القدس" ونشيد الغرب "يا نوراً بهياً".
من بين هذه الاعترافات التي وصلت إلينا والتي تشهد عن إيمان الشهداء الراسخ بالثالوث صلاة القديس بوليكاريوس (أسقف أزمير) الموجهة إلى الآب قبل أن يجروه حياً "أمدحك من أجل هذه النعمة ومن أجل كل شيء، وأباركك وأمجدك بواسطة رئيس كهنتك الأبدي والسماوي يسوع المسيح ابنك الوحيد الذي لك معه ومع الروح القدس المجد من الآن وإلى دهر الدهور آمين".
من الطبيعي أن يستمر تعبير الكنيسة عن إيمانها بالثالوث بهد الرسل من خلال بشارة وكتابة آبائها الرسوليين. من بين مؤلفات هؤلاء الآباء التي تتسم بالبساطة. وصلت إلينا رسالة القديس (اقليمندس الروماني) إلى أهل كورنثوس والتي يقول فيها: "أليس لنا إله واحد ومسيح واحد وروح قدس واحد انسكب علينا" (46: 6). كذلك من بين الإشارات الكثيرة للثالوث والتي وردت في رسائل القديس أغناطيوس الأنطاكي نذكر "حاولوا أن تتبعوا في عقائد الرب والرسل حتى تنجحوا في أفعالكم في الجسد والروح في الإيمان والمحبة في الآب والابن والروح القدس" مغنيسية 13: 1. أما الآباء المدافعين: فقد اضطروا أن يتكلموا أكثر عن سر الثالوث لكي يدافعوا عن المسيحية ويدحضوا الهرطقات. فأشاروا بصورة خاصة غلى الكلمة الإلهي وعلاقته بخلق العالم. لكن عباراتهم اتسمت أحياناً بعدم الدقة. وذلك بسبب عدم الاتفاق النهائي في ذلك الحين على الاصطلاحات التي يمكن من خلالها التعبير عن الأسرار الإلهية؟ فمثلاً يدحض (اثيناغوراس) تهمة الإلحاد الموجهة إلى المسيحيين قائلاً: "كيف يدعى ملحدين الذي يعترفون (بالله الآب والله الابن والروح القدس) ويقرون بقدرتهم في الوحدة (وحدة الجوهر) وبتمايزهم في النظام. في حين يهاجم (ايريناوس) ثنائية الغنوسيس-الغنوسيين معلناً أنه يوجد إله واحد فقط كل القدرة الذي خلق الكل بواسطة كلمته وروحه. وعموماً ظهرت أحياناً لدى الآباء المدافعين نزعة تعبّر عن عدم مساواة بين الأقانيم كخضوع الابن للآب فهذا يمكن تفسيره إما من باب التشديد على كون الآب في الثالوث هو المصدر والمبدأ، وإما للرغبة في دحض الهراطقة الذين كانوا يشددون على وحدانية أقنوم الله مثل الطابليوسيين. وقد ازداد اهتمام الآباء بإيجاد التعابير المناسبة لشرح سر الثالوث الأقدس مع نمو الهرطقات المضادة لهذا السر كالمونارخيين الذين أنكروا حقيقة الأقانيم، والآريوسيين وأعداء الروح القدس الذين هاجموا وحدتها في الجوهر وقد برز بصورة خاصة ضد المونارخيين ترتليانوس والقديس غريغوريوس العجائبي وديونيسيوس بابا رومية. بينما لمع في دفاعهم ضد الآريوسيين القديسون اثناثيوس الكبير والكباردوكيون الثلاثة (باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي وغريغوريوس النيصصي) وايلاريوس أسقف بواتييه والقديس امبروسيوس وتلميذه اوغسطينوس.
إنه لمن المستحيل أن نعبّر
بلغتنا البشرية المخلوقة والقاصرة عن سر الثالوث الفائق على كل إدراك وتعبير.
ومع ذلك كان لا بد بسبب الهرطقات التي نمت غالباً في أجواء فلسفية من أن تحارب
بسلاحها. فنستخدم كلمات كانت لها سابقاً معانٍ معينة لتحمل الآن معانٍ جديدة
يتفق عليها. فتكون بمثابة السدود المحددة لسريان طوفان البدع. وكما هو معروف
فاصطلاح ثالوث ( يمكن تقسيم الاصطلاحات المختصة بسر الثالوث إلى نوعين:
وبديهي جداً أنّ هذه المصطلحات لم تقبل في البداية بسهولة، بل أثار تداولها عاصفة من سوء التفاهم. لأن ما كان يعتبر عند البعض له علاقة بالجوهر فُهم عند البعض الآخر كمختص بالأقانيم. والعكس بالعكس، ولهذا احتاج الأمر إلى وقت طويل حتى تمّ الاتفاق نهائياً على التحديدات الدقيقة التي يحملها كلّ منها.
تعني قاعدة أو أساس حقيقة ما، أي هي ما يجعل شيئاً ما أن يكون هو نفسه وليس شيئاً آخر مثلاً جوهر الإنسان هو في كونه حيواناً عاقلاً. وقد استعمل هذا الاصطلاح في الفلسفة الأغريقية بصورة خاصة عند أرسطو وقد ورد بمعنيين:
فلو طبق الآباء القديسون
كلمة جوهر ( إذاً في الله يوجد جوهر وحيد هو بالذات الألوهة، وهنا الكيان أو الجوهر هو كامل في كل واحد من الأقانيم الثلاثة. كلمة ( لقد مرّت فترة عبّر فيها
البعض عن جوهر أو كيان الله بكلمتين ( كان الكبادوكيين الثلاثة
وعلى رأسهم القديس باسيليوس الكبير في رسالته التي وجهها إلى أخيه غريغوريوس
النيصصي، أظهر فيها أن
تعتبر في الغرب مطابقة
لفحوى اصطلاح (
اعتبر هذا الاصطلاح متماثلاً في أكثر الأحيان مع الجوهر ولهذا ف natura أو essentia أو substantia هي المادة التي يتألف منها ما هو واقع وحقيقي مثال: الخشب هو المادة التي صنعت منها المنضدة. إذاً فالطبيعة ما هو عام لكل الأفراد أو الأشياء من هذا النوع أو الصنف وعلى وجه التحديد الطبيعة هي الجوهر ذاته لأنه معتبرة موضوع الخواص أو المبدأ الداخلي المحدد للأشياء.
وفي حين أن
|
||
|
|